بقلم: محمد حفيظ
بانتهاء يوم الجمعة 24 أكتوبر 2025، نكون قد أقفلنا الأسبوع الرابع على انطلاق احتجاجات حركة جيل “زد” (GenZ212). أربعة أسابيع كانت ميدانا زمنيا لشباب جيل “زد” الذين لجأوا إلى الشارع للتعبير عن أنفسهم، بالاحتجاج ورفع المطالب. فمثلما ملأوا ميادين المدن بتظاهراتهم الاحتجاجية وشعاراتهم الحاملة لمطالبهم، ملأوا زمان هذه الأسابيع، وصنعوا الحدث، وكانوا هم الحدث الأبرز الذي انطلق به الدخول السياسي لهذا العام.
فبالرغم من قصر هذه المدة، فإنها كانت حبلى بأحداث ووقائع كثيرة ومتنوعة، إلى درجة أنه عندما نستعرض تعاقبها، نشعر بأننا نتحدث عن فترة زمنية طويلة. وربما لذلك، يتعامل البعض مع الحركة كما لو أنها عَمَّرت شهورا أو سنوات. ففي أربعة أسابيع فقط، يمكن أن نرصد عدة مراحل مرت منها الحركة ومرت بها احتجاجاتها، وأن نتحدث عن عدة أشكال نضالية اعتمدتها، مزجت فيها بين تنظيم تظاهرات في الشارع، وتنظيم لقاءات حوارية على منصتها، والتفاعل مع ردود الفعل الرسمية وغير الرسمية. هذا فضلا عن تفاعل الدولة معها؛ إذ لم يعد بإمكان أي أحد اليوم أن ينفي أثر حركة جيل “زد” على القرارات التي اتُّخِذت خلال هذه الأسابيع الأربعة، بغض النظر عن الموقف منها وعن الحكم عليها وعلى نجاعتها.
من تاريخ الإعلان عن ميلاد حركة جيل “زد” إلى اليوم، نلاحظ أن هناك تطورا في نشاطها، سواء على مستوى نقاشها الداخلي على منصتها، أو على مستوى نهجها الاحتجاجي، أو على مستوى الخطاب الحامل لمطالبها… إلخ.
فقبل الخروج إلى الشارع للاحتجاج ليس هو بعده، وقبل مواجهة السلطات الأمنية ليس هو بعدها، وقبل الأحداث المؤسفة التي وقعت في بعض المدن ليس هو بعدها، وقبل صياغة الوثيقة التي صدرت بعنوان “ملف مطلبي لشباب المغرب” ليس هو بعده، وقبل الخطاب الملكي ليس هو بعده، وقبل المجلس الوزاري ليس هو بعده…
كل ما جرى بين هذه “القبليات” و”البعديات” كان له أثر في ما يُقْدِم عليه شباب الحركة من مواقف وقرارات. إنهم يستحضرون في مناقشاتهم ما جرى في اليوم الذي يجتمعون فيه، لاتخاذ القرار الذي يخص اليوم الموالي، ويستحضرون ردود الفعل على مبادراتهم والتفاعلات التي تصدر داخل المجتمع من هنا أو هناك مع ما يطرحونه، فيتفاعلون معها بالبيانات والتوضيحات التي يرونها مناسبة.
ومن تابع مناقشات الحركة على منصة ديسكورد، وبلاغاتها وإعلاناتها على صفحتها الرسمية، سيكون قد لاحظ أنها ليست حركة جامدة أو منفصلة عن الواقع. إنها جزء من هذا الواقع، بل إن وجودها في الأساس نابع منه ومن تفاعلاته. وهي، مثل أي كائن حي، تتأثر بما يجري حولها، وتتفاعل مع ما يجري على أرض الواقع. ولذلك، كان منتظرا أن ينعكس هذا التفاعل على نشاطها، سواء من حيث أساليب عملها، أو أشكال تنظيمها، أو مضامين خطابها أو حتى عناصر ملفها المطلبي.
فمثلا، عندما تطالب الحركة اليوم بالإفراج عن المعتقلين الذين جرى توقيفهم خلال مشاركتهم في تظاهراتها، وبفتح تحقيق في ما رافق ذلك من عنف وتعنيف، فلا يمكن أن نستغرب هذا المطلب بدعوى أنه لم يكن ضمن قائمة المطالب التي خرجت من أجلها (الصحة والتعليم ومحاربة الفساد).
ولما كتبت: “قلوبنا مع الأسود، لكن ضميرنا مع حقوق المواطنين”، فإنها كانت تتفاعل مع من ينتقد المواقف التي عبرت عنها بشأن الإنفاق المبالغ فيه على كرة القدم لاستضافة تظاهرات قارية ودولية ولبناء منشآت رياضية ضخمة استعدادا لتنظيم كأس العالم، في مقابل إنفاق دون المستوى المطلوب على الصحة والتعليم وغيرهما من القطاعات التي تتوقف عليها حياة الناس وكرامتهم. فشباب الحركة لا ينفون ما للرياضة، وضمنها كرة القدم، من أهمية، لكنهم يرون أنه لا يمكن أن تحظى بالأولوية على حساب أولويات تتعلق بالحقوق الأساسية للمواطنين، أو على حساب مسؤولية الدولة في حسن تدبير ثروات البلاد وحماية المال العام.
إن هذه الأسابيع الأربعة قدمت الجواب لمن ظل منشغلا بالتساؤل عن هوية الحركة، بغض النظر عن خلفية انشغاله. فنوع المطالب التي أعلنتها، ومضمون الشعارات التي رفعتها، وشكل التظاهرات التي نظمتها، وطريقة تفاعل شبابها المتظاهرين مع العناصر الأمنية، سواء خلال الأيام التي شهدت تدخلا أمنيا عنيفا أو بعدها، والبلاغات والبيانات التي أصدرتها، والقرارات التي اتخذتها، والكيفية التي اتخذت بها تلك القرارات، والملف المطلبي الذي تقدمت به في الأسبوع الثاني من انطلاق التظاهرات، فضلا عن اللقاءات الحوارية التي تستضيف فيها شخصيات أكاديمية وسياسية وحقوقية وإعلامية، ومواضيع تلك اللقاءات وكيفية إدارتها والأسئلة المطروحة على الضيوف… كل ذلك يُشكل بطاقة تعريف لهذه الحركة.
شباب حركة جيل “زد” مغاربة خرجوا إلى التظاهرات بوجوه مكشوفة، ولم يترددوا في التصريح بمطالبهم بالصوت والصورة أمام عدسات كاميرات وسائل الإعلام، وأصبحوا يُستدعَوْن إلى بلاطوهات القنوات التلفزيونية واستوديوهات المحطات الإذاعية للمشاركة في برامج إعلامية خاصة كانوا السبب في إطلاقها.
وبالإضافة إلى الانشغال بالتساؤل عن هوية الحركة، هناك من لا يزال منشغلا بالبحث والتنقيب عن قيادتها. إن من ينشغل بهذا الأمر ربما لم يفهم بعد طبيعة هذه الحركة، ولم يستوعب ما يميزها عن باقي الحركات الاحتجاجية التي سبق أن شهدها المغرب، بما فيه طبيعة المنصة الرقمية التي يستخدمها شباب هذا الجيل للانضمام إلى “مجتمعات تواصلية” أو إحداثها، من أجل التعارف والتفاعل والحوار والنقاش، والانخراط في مختلف أشكال التواصل، وضمنها الدعوة إلى الاحتجاج والتعبئة له.
منذ البداية، أعلنت الحركة أنها تشتغل بصفة جماعية؛ تفكر بصفة جماعية، وتناقش بصفة جماعية، وتقرر بصفة جماعية، وتنفذ بصفة جماعية. لقد اختار شباب الحركة ألا يشتغلوا بأسلوب التنظيم العمودي الذي يقوم على منطق القيادة والقاعدة، وفضلوا أسلوب التنظيم الأفقي الذي يقوم على منطق مختلف يشارك فيه الجميع في اتخاذ القرار.
قد تكون لشباب الحركة دواعيهم في هذا الاختيار. وقد يكون لتجارب سابقة دور في عدم اختيار قيادة مركزية تتمثل في شخص أو مجموعة من الأشخاص. وفي جميع الأحوال، فكل من سيُقَدِّم نفسه باعتباره قائدا لهذه الحركة سيفقد القيادة بمجرد الإعلان عن ذلك.
لقد سبق لمن ناصبوا حركة جيل “زد” العداء وتولوا انتقادها حتى قبل أن تخرج إلى الشارع أن نعتوها بأنها مجرد حركة افتراضية توجد في عالم افتراضي. لكنهم بعد ذلك لم يعد بإمكانهم أن يستمروا في إنكار الواقع، بعدما عاينوا أنها حركة واقعية، لها وجود في عالم واقعي وتتحرك على أرض الواقع.
والآن، بعد إقفال الأسبوع الرابع من عمر الحركة، وبغض النظر عما سيؤول إليه أمرها وما ستحققه من مطالب، لم يعد مجديا أن يستمر البعض في الحديث عنها باعتبارها حركة مجهولة الهوية. حركة جيل “زد” المغربية (GenZ212) حركة لها هوية، يَدُلُّ عليها شعارها (اللوغو) الذي يحدد هويتها البصرية، وتعبر عنها ممارستها التي تجعل المتتبع يعرف كيف تشتغل، وكيف تتخذ القرارات، وكيف تفكر، وما تفكر فيه… إلخ.
للتذكير فقط. لما دعت حركة جيل “زد” إلى الخروج للتظاهر، حددت مطالبها في الصحة والتعليم ومحاربة الفساد. وحرصت على أن توضح، سواء في بلاغاتها أو مناقشات أعضائها أو تصريحاتهم، أن هذه المطالب ليست فئوية تخص الشباب لوحدهم أو من ينتسبون منهم إلى الجيل الذي يسمى (Z)، بل هي مطالب تهم جميع المغاربة بمختلف فئاتهم العمرية وشرائحهم الاجتماعية. لم يخرج شباب جيل “زد” من أجل مطالب شباب جيل “زد”، بل خرجوا من أجل صحة المغاربة وتعليم المغاربة ومحاربة الفساد الذي يسرق ثروة المغاربة.
ومنذ البداية، حرص شباب جيل “زد” على أن يعلنوا أنهم لا يمارسون السياسة وألا صلة تربطهم بالأحزاب السياسية. ولما خرجوا، لم يطالبوا بدعمهم لولوج البرلمان ولا بمنحهم تسهيلات لتأسيس الأحزاب. لم يكن لا موضوع ترشح الشباب في الانتخابات، ولا دعمهم لولوج البرلمان، ولا تسهيل إجراءات تأسيسهم للأحزاب، من المطالب التي من أجلها خرجت حركة جيل “زد” إلى الوجود وإلى الشارع.
لقد كانت الأسابيع الأربعة من عمر حركة جيل “زد” كافية لترسم ملامح هويتها وتُقَدِّم تعريفا لها كحركة واقعية؛ واقعية بالمعنى المقابل للحركة الافتراضية، وبالمعنى المقابل للحركة الحالِمة.
احتضنت مدينة طنجة، مساء السبت، تظاهرة ثقافية احتفت بنخبة من نساء المغرب وإسبانيا، في خطوة…
تترقب الأوساط العمالية والنقابية بمدينة المحمدية، يوم الخميس 30 أبريل 2026، قرار المحكمة التجارية بالدار…
تتحول المملكة بشكل متسارع نحو تعزيز جاذبيتها للكفاءات المغربية المقيمة بالخارج. عبر تقديم بيئة مهنية…
شهدت منطقة كاب درعة قرب أكادير، يوم 23 أبريل، انطلاق أول برنامج مغربي لتأهيل المراقبين…
تستعد فرنسا لإحداث تغيير مهم في سياستها التعليمية تجاه الطلبة الأجانب، من خلال تشديد رسوم…
أدانت المملكة المغربية الهجوم المسلح الذي استهدف حفلاً أقيم بالعاصمة الأمريكية واشنطن، يوم الأحد، والذي…
This website uses cookies.