بقلم: ابتسام مشكور
“لو عاد بي الزمن إلى الوراء ما كنت لأنساق.. لكنهم نجحوا في جرّنا إلى هذا المستوى الهابط.”
بهذه الجملة لخّصت زينب الشابة المغربية المشاركة في الأسبوع الإفريقي باليونسكو في باريس، ما جرى يوم العشرين من ماي، في حادث الاشتباك بالأيدي ونتف خصلات الشعر بين مغاربة وجزائريين داخل مقر المنظمة الأممية التي وجدت أساسا لصون التراث الإنساني وتعزيز الحوار بين الشعوب وترسيخ ثقافة السلام.
لكن المشاركين من البلدين كان لهما رأي آخر.
القصة لم تبدأ يوم العشرين من ماي. التوتر سبق لحظة الاشتباك، وقبله سلسلة من الاستفزازات المتتالية منذ افتتاح التظاهرة. تقول محدثتي إن الغيرة بدأت يوم الافتتاح، حين توافد الدبلوماسيون من جنسيات مختلفة على الجناح المغربي مهنئين سفير المملكة بما يعرضه من تراث مغربي أصيل: الشاي المغربي المنعنع والسقاية بالزليج والنحاس، وشخصية الڭرّاب بزيه التقليدي، وطقوس حمام العروس الوجدية، وتقطير الزهر والورد بالوسائل التقليدية — اختيار موفق في معرض موضوعه الماء في أفريقيا.
وتضيف أن رد الفعل لم يتأخر،
“كانوا يلبسون الزوار القفطان ويقودونهم أمام الجناح المغربي. بصراحة لم نفهم الرسالة. كنا نتساءل فقط: ماذا يريدون أن يقولوا؟”
لاحقا، وأثناء تقديم الوفد المغربي وجبة الغذاء والتي ضمت الكسكس بسبع خضار والدجاج بالدغميرة والزيتون والحلويات، استقطب مختلف الجنسيات الذين أتوا لتذوق الأطباق المغربية، خلا الجناح لبعض الوقت، فاستغلوا الغياب، بحسب روايتها، ورموا نفايات وبقايا طعام داخله. التصرف الذي تعجب له المشرفون على الأجنحة المجاورة كما أخبروهم.
ورغم ذلك، تضيف زينب:
“قررنا ألا ننجر إلى الاستفزاز.”
صباح اليوم الموالي، كانت المجموعة المغربية تستعد لعرض القفطان. وكان المرور إلى قاعة العرض يقتضي عبور الممر المحاذي للجناح الجزائري.
“في كل مرة أمر من هناك أسمع كلاما نابيا. تجاهلت الأمر مرة. مرتين. وثلاثا. في المرة الرابعة لم أتحمل، تقدمت خطوات ثم عدت — لم أرد على الشتائم، فقط قلت لأحد الزوار: كل ما ترونه هنا مسروق من تراث بلدي. لم تنته الجملة حتى هجموا علي. التحق بي أخ مغربي يصرخ on n’agresse pas une femme وأخت أخرى تدفعهم عني، لكنها هي من تلقت الضربة في وجهها فردت بنتف خصلات شعر إحداهن وهي تردد الجملة التي تداولتها مواقع التواصل: “هذه لالاك المغربية.”
انتهى حديثي مع زينب، لكن الأسئلة التي أثارتها لم تنته.
لماذا كل هذا العداء؟
من الذي يغذي هذا التوتر؟
من المستفيد من إبقاء الجرح مفتوحا بين شعبين تجمعهما من الروابط أكثر مما تفرقهما الخلافات؟
ومن الذي يحول كل مناسبة ثقافية أو رياضية أو فنية إلى فرصة لتجديد الخصومة؟
أعيش في باريس منذ سنوات، وخلال هذه السنوات تعرفت على جزائريين كثر من كل الأطياف.
جمعتنا الصداقات الطويلة والدراسة والعمل، وشركنا “الملح والطعام”
“لعنا الأسباب التي تفرقنا وحلمنا بيوم تطوى فيه الخلافات وتفتح الحدود” ونتزاور برا، كانت تقول لي زميلة جزائرية عندما تشغلنا الحياة عن تبادل الزيارات “ابتسام سيلتقي الملك محمد السادس بالرئيس تبون وحنا مازلنا نخطط لتناول وجبة معا؟”
لم أشعر يوما أن بيننا ما يبرر هذا الكم من العداء الذي يتكرر في الخطابات والشعارات.
في هذا السياق تحضر المواقف السياسية الرسمية.
الملك محمد السادس دعا في أكثر من مناسبة إلى تغليب منطق الحكمة، والمصالح العليا، من أجل تجاوز هذا الوضع المؤسف، “الذي يضيع طاقات بلدينا، ويتنافى مع روابط المحبة والإخاء بين شعبينا”، وأوضح في خطاب آخر أنه والرئيس الحالي لا يتحملان مسؤولية قرار إغلاق الحدود “لكننا مسؤولون سياسيا وأخلاقيا على استمراره؛ أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام مواطنينا”. مد اليد في أكثر من خطاب، لكن ساكن قصر المرادية لم يستجب، طبعا ما قام به الجالس على العرش يراه المغاربة بمنطق الجوار والأخوة في الدين والعروبة كما قالت الراحلة نعيمة سميح في رائعتها “جاري يا جاري”: “جاري لا تحسبني ضعيف، قادر نفدي نحمي الدار لكن أصلي وطبعي شريف ونبغي نمشي بنهار.” ومن جاء إلى المغرب بقلب سليم في الكان رأى هذا الطبع والأصل بنفسه.
ذكرني كل ذلك بواقعة تعود إلى صيف 2006.
كانت صديقة جزائرية تقيم عندي لفترة في باريس خلال سنوات الدراسة. أخبرتني يوما أن صديقة لها قادمة من الجزائر العاصمة لتلقي العلاج من المرض الخبيث بفرنسا، وسألتني إن كان بإمكاني استقبالها لبعض الوقت لان مصاريف العلاج والإقامة مكلفة.
وافقت دون تردد.
كانت شابة لطيفة تستحق كل الدعم.
وصادف وجودها معنا وصول المنتخب الفرنسي إلى نهائي كأس العالم.
خرجنا ثلاثتنا إلى شارع الشانزليزيه للاحتفال بالتأهل والترويح قليلا عن ضيفتنا.
وأثناء بحثي عن مكان لركن السيارة، توقفت بجوار سيارة نزل منها شبان يصلون العلمين المغربي والجزائري ويحملون صورة زيدان متجهين نحو قوس النصر.
ضحكت وقلت لصديقتي:
“الأقدار تجمعنا ضدا في السياسة.”
ابتسمت وأجابت بلهجتها الجزائرية الجميلة:
“وLe gouvernement محبش يفهم.”
ضحكنا كثيرا تلك الليلة.
غنينا وهتفنا باسم زيدان.
وكان ذلك آخر كأس عالم في مشواره، لا أعرف إن كانت عصبيته ونيفه الجزائري السبب أم حظه العاثر أننا شجعناه.. “فال خايب”.
علقت في ذاكرتي تلك الجملة البسيطة الحكيمة.
“محبش يفهم.”
مرت عشرون سنة تقريبا وما زلت أتذكرها.
ربما لأنها تختصر جانبا كبيرا من العداء المفتعل.
هناك فرق كبير بين أنك لا تفهم…!
وأنك “محبش” تفهم.
لا أعرف في أي خانة يقع الإعلام الرسمي الجزائري.
مفهمش أو فاهم لكنه عاجز، أم “محبش” يفهم؟
لكنه في كل الأحوال لا يترك مناسبة إلا ويوظفها في تأجيج التوتر والتطاول على المغرب ورموزه، بلا اعتبار لما يجمع البلدين من نسب ودم ولغة ودين.
صحيح أن بعض المنابر المستقلة والمؤثرين في البلدين معا يسقطون أحيانا في منطق الإثارة والبحث عن المشاهدات واللايكات على حساب العلاقات بين الشعبين.
لكن حين تنتقل هذه اللغة إلى وسائل الإعلام الرسمية، تصبح النتائج “ما رأيناه في ممرات اليونسكو بباريس”
“تحب متحبش” في النهاية من يدفع ثمن تجييش العقول المواطن البسيط في البلدين، ذلك الذي يجد نفسه غاضبا من شخص لم يلتقه يوما، ومدفوعا إلى التقاتل ولا يعرف لماذا ولا من أجل ماذا.
إلى الشعبين المغربي والجزائري، إلى رجال الإعلام في الجهتين، إلى كل من يحمل راية هذا الخلاف المفتعل:
أنتم لستم أعداء.
التاريخ شاهد على ذلك.
والجغرافيا تؤكده.
وكل مغربي وجزائري التقيا بعيدا عن الكاميرات واللقاءات الرسمية يعرفانه.
ما يجري ليس صراعكم.
هو صراع يخاض باسمكم، ويمول بغضبكم، وتدفعون أنتم ثمنه.
الشابة زينب قالت إنها نادمة.
وهذا الندم يشرفها.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس عليها، بل على من أوصل الأمور إلى هذا الحد:
من يملك أن يندم ومازال متعنتا؟
من يملك مفاتيح باب المصالحة ويصر على إبقائه مغلقا ضدا على إرادة الشعبين؟
من يملك أن يطوي ملف الخلاف و”محبش”؟

