بقلم: عمر لبشيريت
لم تكن سنة 2025 مجرد محطة عابرة في مسار السياسات العمومية بالمغرب، بل تحولت، في الوعي العام، إلى سنة كاشفة لمنطق تدبير المال العام، وحدود الحكامة، وكلفة التغاضي عن الفساد. سنة اتخذت لها، في التداول الشعبي، اسماً دالاً: سنة الفراقشية، ليس بوصفه توصيفاً أخلاقياً فحسب، بل كعنوان سياسي واقتصادي لما جرى.
سنة 2025 لم تكن سنة أخطاء معزولة، بل سنة تراكم اختلالات؛ سنة أظهرت أن الفساد ليس دائماً فعلاً فردياً، بل قد يكون نتيجة منظومة تسمح بإعادة إنتاجه، وتُطبّع معه، وتُراكم كلفته على حساب المال العام والثقة العامة.
سنة الفراقشية لم تكشف فقط من استفاد من المال العام، بل كشفت أيضاً من صمت، ومن تردد، ومن لم يقم بدوره الرقابي كاملاً. وهي بذلك سنة تُعيد طرح السؤال الجوهري: هل يُدار المال العام بمنطق المصلحة العامة، أم بمنطق توازنات المصالح؟
تكشف سنة 2025 أن الانتقال من شعار “محاربة الفساد” إلى “منظومة النزاهة” كسياسة عمومية ما يزال متعثراً، فدولة القانون لا تُقاس بكثرة النصوص، بل بقدرتها على حماية المال العام من الاستغلال، مهما كانت مواقع المستفيدين.
ينص الدستور المغربي، في فصله السادس والثلاثين، صراحةً على منع تضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والامتيازات غير المشروعة، كما يؤكد على ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الوقائع التي فجّرتها ملفات دعم الأغنام والأبقار، والدقيق المدعم، وقطاع الأدوية، أظهرت أن هذا المبدأ الدستوري ما يزال معلقاً بين النص والممارسة.
هي سنة سيتذكرها المغاربة جيداً؛ سنة لم “يُعيدوا” فيها بسبب فراقشية دعم الأغنام والأبقار، والتدبير الكارثي للقطيع الوطني. ففي حالة فضيحة دعم الأغنام والأبقار، لا يُطرح الإشكال فقط على مستوى نجاعة السياسة العمومية، بل أيضاً على مستوى احترام قواعد الحكامة. فحين يجتمع لدى فاعلين اقتصاديين النفوذ المالي، والاستفادة من الدعم العمومي، والقدرة على التأثير في القرار أو مساراته، مع الاستفادة من غياب الرقابة، نكون أمام حالة تضارب مصالح واضحة بالمعنى القانوني، وتبديد لأموال الدعم، وتلاعب بالمال العام.
الأمر نفسه ينطبق على برامج الدقيق المدعم، حيث تُنفق اعتمادات عمومية كبيرة دون آليات شفافة لتتبع مسار الدعم. فغياب سجل وطني مُحيَّن للمستفيدين، وضعف التصريح بالمصالح، وعدم نشر معطيات دقيقة حول التوزيع، وغياب مراقبة صرف أموال الدعم، كلها عناصر تتعارض مع مبادئ الشفافية المنصوص عليها في الفصل السابع والعشرين من الدستور، والمتعلقة بالحق في الحصول على المعلومة.
أما في قطاع الأدوية، فإن الإشكال القانوني لم يقتصر فقط على مسألة المضاربة الفاحشة في الأسعار، بل طال بنية التنظيم نفسها؛ إذ تبرز شبهة صارخة لتضارب المصالح لدى الوزير الوصي على القطاع، فضلاً عن تقارير رسمية سابقة للمجلس الأعلى للحسابات نبهت إلى ضعف المراقبة، وتداخل الأدوار بين المنظم والمراقَب، وتأخر الإصلاحات التشريعية. ورغم ذلك، لم تُفعل المسؤولية السياسية أو الإدارية بما يتناسب مع خطورة الاختلالات، ما يطرح سؤال التقادم السياسي قبل التقادم القانوني.
وتكتسي قضية “الفيديو المسرّب” المتعلق باللجنة المؤقتة المشرفة على قطاع الصحافة بُعداً قانونياً وأخلاقياً خاصاً. فهذه اللجنة انتهت بفضيحة أخلاقية مدوية، أثبتت أن فراقشية الإعلام لا يستفيدون فقط من السلطة والدعم، بل من التواطؤ أيضاً. وهو تواطؤ بلغ حد إخراج مشروع قانون على مقاس “فراقشية” قادمين، دون أدنى خجل أو اعتبار لحجم الاستنكار والغضب العام الذي خلّفته فضيحة اللجنة المؤقتة (المجلس الوطني للصحافة).
في هذا السياق، يبرز دور البرلمان كحلقة ضعيفة في معادلة الحكامة. فالدستور يمنحه، عبر الفصول 100 وما يليها، أدوات واضحة للمراقبة، من لجان تقصي الحقائق إلى المساءلة السياسية. غير أن سنة 2025 أظهرت محدودية تفعيل هذه الآليات، سواء بسبب التوازنات السياسية، أو غياب الإرادة، أو اختزال الرقابة في أسئلة شكلية لا تُفضي إلى مساءلة حقيقية. مساءلة سياسية.
ومن زاوية قانونية، يمكن القول إن الإشكال لا يكمن في نقص القوانين، بل في غياب سياسة جنائية ووقائية واضحة في مجال حماية المال العام. وهو ما جاء وزير العدل ليُقفل عليه بـ“الضبة والمفتاح”، حين حرم الهيئات المدنية من التبليغ عن الفساد، وأمطر الرأي العام، صباح مساء، شتاءً وصيفاً، بأسطوانته المفضلة: الفساد لا يُرى، ومحاربة الإثراء غير المشروع تقود إلى الفوضى.
ورغم أن وقائع سنة الفراقشية تعاكس هذه الأسطوانة، فإنه لا يمل من ترديدها، حتى من دون مناسبة.
هي قراءة قانونية لا تهدف إلى إصدار الأحكام، بل إلى التذكير بقاعدة بسيطة: حين يغيب تفعيل القانون، يصبح الفساد أقل كلفة من احترامه، ويغدو الإفلات من العقاب جزءاً من طريقة التدبير، لا انحرافاً عنها.
والقاسم المشترك بين هذه الوقائع جميعاً، وغيرها كثير، هو نمط واحد في تدبير المال العام: قرارات تُتخذ دون تقييم فعلي للأثر، ودعم يُصرف دون تتبع صارم، ومحاسبة تتأخر أو تُختزل في إجراءات شكلية. وحين تنفجر الفضائح، يُكتفى غالباً بتدبير الأزمة إعلامياً، بدل فتح نقاش حقيقي حول المسؤوليات السياسية والإدارية.
سنة 2025 لم تكشف فقط وجود “فراقشية”، بل كشفت أخطر من ذلك: وجود بيئة تسمح لهم بالاستمرار، بيئة يُعتبر فيها الفساد كلفة محتملة.
تنتهي السنة، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون سنة الفراقشية لحظة وعي جماعي تُفضي إلى إصلاح حقيقي في تدبير المال العام؟ أم مجرد فصل آخر في قصة تتغير عناوينها… وتبقى ممارساتها على حالها؟
وقائع، وهي ليست سوى العناوين البارزة فقط، لا تُكتب للتشخيص فقط، بل للتذكير بأن المال العام ليس تفصيلاً تقنياً، بل جوهر العقد بين الدولة والمجتمع. جوهر السياسة، وهي الغائب الكبير.

