دعت رئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لطيفة أخرباش، إلى إعادة بناء الثقة في الإعلام، باعتبارها شرطا لحماية التماسك الاجتماعي والسلام في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بجزء متزايد من تدفق المعلومات.
وجاءت دعوة أخرباش خلال مشاركتها في الدورة الرابعة للمنتدى العالمي للإعلام، المنعقد بمدينة شوشا في أذربيجان، تحت شعار «دور الإعلام في تعزيز السلام: استعادة الحقيقة وإعادة بناء الثقة».
وحذرت رئيسة «الهاكا»، في مداخلة حملت عنوان «السلام والحقيقة في العصر الخوارزمي: إعادة بناء الثقة في الإعلام»، من المخاطر المعلوماتية التي تهدد تماسك المجتمعات، وتؤثر في فرص الحفاظ على السلام.
الخوارزميات تحول المعلومات إلى ساحة صراع
وأوضحت أخرباش أن النموذج الاقتصادي للمنصات الرقمية العالمية يعتمد على جذب الانتباه وإثارة المشاعر وتسريع انتشار المحتوى، وهو ما أفرز أشكالا جديدة من الصراع داخل الفضاء العام.
وأكدت أن هذه التحولات جعلت الحرب تُخاض أيضا على مستوى المعلومات، بعدما تحولت المنصات وشبكات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات لتضخيم الأخبار الزائفة والمحتويات المثيرة للانقسام.
واستحضرت، في هذا السياق، ما وصفته بالحرب المعلوماتية التي استهدفت المغرب خلال النسخة الأخيرة من كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، رغم تنظيم الحدث الرياضي وفق معايير مرتفعة.
وأشارت إلى أن حملات التضليل اعتمدت على نظريات المؤامرة وخطابات الكراهية والتعبيرات العنصرية، إلى جانب محتويات مزيفة بتقنيات متقدمة، من بينها مقاطع «الديب فايك».
حملات التضليل بين المغرب والسنغال
وأضافت أخرباش أن آليات الانتشار السريع داخل شبكات التواصل ضاعفت تأثير هذه المحتويات، وساهمت في خلق مناخ من العداء وانعدام الثقة بين المغرب والسنغال.
وشددت على أن البلدين تجمعهما، في المقابل، علاقات ممتدة عبر قرون من الصداقة والأخوة، غير أن المحتويات المضللة استطاعت التأثير في النقاش العام المحيط بالحدث الرياضي.
ودعت، أمام هذا الوضع، إلى إقرار مسؤولية فعلية ومساءلة مستمرة لجميع المتدخلين في الفضاء المعلوماتي، بدل ترك إنتاج المحتوى وترويجه خاضعين لمنطق الانتشار والتفاعل وحده.
وربطت مسؤولية المؤسسات الإعلامية بتقوية التنظيم الذاتي المهني، مع إدماج الاستخدام المتحكم فيه والأخلاقي للذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار والمؤسسات الصحفية.
التربية الإعلامية ومساءلة المنصات
واعتبرت أخرباش أن توعية الجمهور تمثل جانبا أساسيا في مواجهة الفوضى المعلوماتية، داعية إلى تعميم التربية على الإعلام والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وطالبت بالاعتراف الكامل بهذه التربية باعتبارها حقا للمواطن، بالنظر إلى تأثير المنصات الرقمية والخوارزميات في تشكيل الآراء وتوجيه النقاشات داخل المجتمعات.
وشددت، من جهة أخرى، على ضرورة إخضاع المنصات الرقمية العالمية للمساءلة الديمقراطية بشأن المحتويات المحرضة على الكراهية والاستقطاب، التي تسمح أنظمة التوصية والإشراف لديها بانتشارها.
وانتقدت ما وصفته بالطابع المنحاز وغير المتكافئ لبعض أنظمة التوصية والمراقبة، معتبرة أن آثارها السلبية تطال بصورة خاصة مستخدمي المنصات في دول الجنوب.
صحافة مهنية لحماية التماسك الاجتماعي
ودعت أخرباش المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف واضحة تتيح لكل بلد بناء منظومة إعلامية تراعي تاريخه وثقافته ومؤسساته، وتساهم في دعم السلام والتعايش.
وأكدت أن بناء فضاء عام هادئ لا يتحقق بقرار مباشر، بل يحتاج إلى عمل مستمر يعيد الاعتبار للحقيقة والمسؤولية المهنية داخل المجال الإعلامي.
واعتبرت أن تأهيل الصحافة المهنية واستعادة مكانتها يمثلان استثمارا فعليا في التماسك الاجتماعي والسلام المدني، في ظل تصاعد تأثير التضليل والخطابات المستقطبة.
وشهد المنتدى، الذي تنظمه سنويا وكالة تنمية الإعلام في أذربيجان منذ سنة 2023، اجتماعا رفيع المستوى ترأسه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف.
وجمعت الدورة الرابعة مسؤولين حكوميين وخبراء ومهنيين في مجال الإعلام قدموا من 54 دولة، لمناقشة دور الإعلام في دعم السلام واستعادة الحقيقة والثقة.







