أعادت عدة وسائل إعلام فرنسية ودولية فتح ملف برنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس»، بالتزامن مع زيارة رسمية رفيعة يقوم بها وفد حكومي فرنسي كبير إلى المغرب، في توقيت أثار تساؤلات بشأن خلفيات إعادة نشر قضية شديدة الحساسية، سبق أن ساهمت في تسميم العلاقات بين الرباط وباريس.
وجاء نشر التحقيقات الجديدة، الخميس 16 يوليوز 2026، في اليوم نفسه الذي احتضنت فيه الرباط أشغال الاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، بحضور رئيسي حكومتي البلدين ووفد وزاري فرنسي مهم، خُصص لبحث التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وتوقيع اتفاقيات جديدة بين الجانبين.
وبينما كان المسؤولون المغاربة والفرنسيون يسعون إلى تثبيت مرحلة جديدة من الشراكة الثنائية، اختارت وسائل إعلام، مشاركة في مشروع «بيغاسوس»، تتزعمها محطة فرانس أنتير ، العمومية، وصحيفة «لوموند» ومنظمة «فوربيدن ستوريز» وصحيفة «الغارديان»، وصحف أخرى من عدة دول عبر العالم، إعادة الملف إلى الواجهة من خلال سلسلة تحقيقات زعمت أنها تكسف عن وثائق وشهادات جديدة، تقول إنها تعزز الاتهامات السابقة الموجهة إلى المغرب باستخدام البرنامج.
شهادة مسؤول استخباراتي سابق
تستند التحقيقات الجديدة بصورة أساسية إلى شهادة شخص قُدّم بوصفه مسؤولا سابقا في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، واستُخدم له الاسم المستعار «سفير»، إلى جانب وثائق داخلية مرتبطة بشركة «NSO Group» الإسرائيلية، ظهرت في سياق نزاعات قضائية بالولايات المتحدة.
وبحسب ما أوردته وسائل الإعلام المشاركة في التحقيق، تحدث المصدر، الذي لا يمكن التحقق من انتسابه الفعلي إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عن كيفية تعرف الأجهزة المغربية على برامج التجسس الإلكترونية، وانتقالها من أدوات كانت تتطلب تدخلا مباشرا في هاتف الشخص المستهدف، إلى برنامج «بيغاسوس» القادر على اختراق الهواتف عن بُعد.
وتزعم التحقيقات أن موظفين من شركة «NSO Group» قدموا عرضا تقنيا أمام مسؤولين مغاربة، قبل أن يحصل المغرب على البرنامج من خلال ترتيبات ارتبطت بإسرائيل والإمارات العربية المتحدة، تحت اسم تشغيلي داخلي هو «Morgan».
وتقول التحقيقات إن البرنامج استُخدم ابتداء من سنة 2017 في عمليات مراقبة استهدفت صحافيين ونشطاء ومسؤولين داخل المغرب وخارجه.
غير أن هذه المعطيات تظل جزءا من تحقيقات صحافية وشهادات تنفيها السلطات المغربية، التي لم تعلن في أي وقت امتلاك برنامج «بيغاسوس» أو التعاقد مع الشركة الإسرائيلية المنتجة له.
مسؤولون فرنسيون ضمن الأهداف المزعومة
تعود القضية إلى يوليوز 2021، حين نشر ائتلاف دولي من المؤسسات الإعلامية، بتنسيق مع منظمة «فوربيدن ستوريز» ومختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، تحقيقات قالت إن عشرات الآلاف من أرقام الهواتف أُدرجت ضمن قوائم مرتبطة بعملاء محتملين لبرنامج «بيغاسوس».
وشملت الأرقام، بحسب التحقيقات، هاتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب هواتف وزراء ومسؤولين ودبلوماسيين وصحافيين فرنسيين.
وكان من بين المسؤولين الذين وردت أسماؤهم سيباستيان لوكورنو، الذي كان يشغل حينها منصبا وزاريا، ويتولى اليوم رئاسة الحكومة الفرنسية التي تقود الوفد الموجود في الرباط.
ولم يكن ظهور رقم هاتف ضمن القوائم يعني بالضرورة نجاح اختراقه، لكن تحليلات تقنية أجريت على عدد من الهواتف الفرنسية أظهرت، بحسب التحقيقات، آثارا أو مؤشرات متوافقة مع استخدام «بيغاسوس».
كما أُعلن عن العثور على آثار للبرنامج في هواتف عدد من أعضاء الحكومة الفرنسية، وهو ما نقل الملف من مجرد تسريبات صحافية إلى قضية أمنية وسياسية شديدة الحساسية بالنسبة إلى باريس.
أما التحقيقات المنشورة في يوليوز 2026، فتقول إن وثائق جديدة وشهادة ما وصف بالمصدر الاستخباراتي السابق وتحليلات تقنية أجرتها جهات فرنسية تدعم فرضية وجود بنية تقنية مشتركة استُخدمت ضد معارضين وصحافيين مغاربة ومسؤولين فرنسيين.
فرنسا فكرت بدورها في شراء البرنامج
ومن بين المعطيات اللافتة التي كشفت عنها التحقيقات الجديدة، أن أجهزة فرنسية كانت قد درست، بين سنتي 2019 و2020، إمكانية اقتناء برنامج «بيغاسوس» من شركة «NSO Group».
وتقول التحقيقات إن اجتماعات وعروضا تقنية جرت بين ممثلين عن الشركة ومسؤولين فرنسيين، قبل أن يتدخل قصر الإليزيه ويرفض إتمام الصفقة، لأسباب مرتبطة بالسيادة الرقمية وعدم رغبة فرنسا في الاعتماد على برنامج أجنبي بالغ الحساسية.
وتكمن المفارقة، وفق التحقيقات، في أن فرنسا كانت تدرس اقتناء البرنامج في الفترة نفسها التي يُزعم أن هواتف وزراء ومسؤولين فرنسيين كانت مستهدفة من طرف عميل أجنبي للبرنامج.
نفي مغربي وتحركات قضائية
منذ ظهور القضية سنة 2021، رفض المغرب بصورة قاطعة الاتهامات الموجهة إليه، ووصفها بأنها ادعاءات غير قائمة على أدلة مادية تثبت تعاقده مع شركة «NSO Group» أو استخدامه برنامجها.
ولجأت السلطات المغربية إلى القضاء ضد عدد من المنابر الإعلامية والمنظمات التي نشرت الاتهامات، مؤكدة أن ورود أرقام في قاعدة بيانات لا يثبت تعرض أصحابها للاختراق، ولا يحدد الجهة التي أدرجتها أو استخدمت البرنامج ضدها.
كما نفت شركة «NSO Group» أن تكون قائمة الأرقام المنشورة سنة 2021 قائمة رسمية لأهداف برنامجها، وقالت إن «بيغاسوس» يُباع، بعد موافقة السلطات الإسرائيلية، إلى حكومات وأجهزة رسمية بهدف مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
غير أن عددا من الشكايات المغربية لم يُقبل أمام القضاء الفرنسي والألماني لأسباب قانونية وإجرائية، فيما بقي التحقيق القضائي المفتوح في فرنسا متواصلا دون الوصول إلى نتائج نهائية تحدد المسؤوليات الجنائية.
وتشير المعطيات الجديدة إلى أن التحقيق يواجه صعوبات بسبب غياب التعاون الكافي من السلطات الإسرائيلية والشركة المنتجة للبرنامج، فضلا عن حساسية الملف دبلوماسيا.
قضية ساهمت في أزمة صامتة
لم يكن ملف «بيغاسوس» السبب الوحيد في الأزمة التي عرفتها العلاقات المغربية الفرنسية، لكنه تحول منذ صيف 2021 إلى أحد أكثر عناصرها حساسية، خصوصا بعد الحديث عن استهداف هاتف الرئيس الفرنسي ومسؤولين في حكومته.
وعقب نشر الاتهامات، دعا ماكرون إلى فتح تحقيقات، وعقدت الحكومة الفرنسية اجتماعا أمنيا خاصا، كما غيّر الرئيس الفرنسي هاتفه ورقمه، واتُخذت إجراءات إضافية لحماية الاتصالات الحكومية.
وتزامنت القضية مع خلافات أخرى، من بينها قرار باريس تقليص منح التأشيرات للمواطنين المغاربة، والخلاف بشأن الموقف الفرنسي من قضية الصحراء، والاتهامات المغربية لفرنسا بعدم التعامل مع المملكة باعتبارها شريكا استراتيجيا.
وتراجعت الزيارات الرسمية والاتصالات السياسية بين البلدين، كما بقي منصب سفير المغرب لدى فرنسا شاغرا لفترة، ووصل التوتر في فبراير 2023 إلى حد صدور موقف مغربي غير معتاد يؤكد أن العلاقات بين البلدين لم تكن «ودية ولا جيدة»، خلافا لتصريحات فرنسية كانت تحاول التقليل من حجم الأزمة.
وبذلك دخلت العلاقات في مرحلة فتور استمرت نحو ثلاث سنوات، من صيف 2021 إلى ربيع وصيف 2024.
وقد ساهم ملف «بيغاسوس» في تغذية أزمة الثقة، لكنه تداخل مع ملفات التأشيرات والصحراء والعلاقات الفرنسية الجزائرية والتنافس الاقتصادي في إفريقيا.
موقف باريس من الصحراء يفتح باب الانفراج
بدأ الانفراج الفعلي في العلاقات بعدما أعلن الرئيس الفرنسي، في رسالة إلى الملك محمد السادس في يوليوز 2024، أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن مقترح الحكم الذاتي يشكل الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الحل السياسي للنزاع.
ومهد هذا التحول لزيارة الدولة التي قام بها ماكرون إلى المغرب في 28 أكتوبر 2024، بعد سنوات من التوتر.
وحظي الرئيس الفرنسي باستقبال رسمي كبير، وأعلن مع الملك محمد السادس فتح «فصل جديد» في العلاقات، وإقامة «شراكة استثنائية معززة» يشرف عليها قائدا البلدين مباشرة.
كما شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات والتزامات اقتصادية بمليارات اليوروهات، شملت قطاعات السكك الحديدية والطاقة والماء والتعليم والصناعة، في رسالة سياسية واضحة تفيد بأن الرباط وباريس قررتا تجاوز مرحلة الخلاف وإعادة بناء التعاون على أسس جديدة.
ويأتي الاجتماع الحكومي رفيع المستوى المنعقد في الرباط في يوليوز 2026 ليؤكد استمرار هذا المسار، وليمنح التقارب بعدا تنفيذيا يشمل الأمن والطاقة والبنية التحتية والهجرة والاستثمار.
لماذا اختير هذا التوقيت؟
غير أن إعادة نشر تحقيقات «بيغاسوس» بالتزامن الدقيق مع وصول رئيس الحكومة الفرنسية ووفد وزاري كبير إلى المغرب تفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة.
هل يتعلق الأمر بمجرد مصادفة فرضها حلول الذكرى الخامسة لنشر التحقيق الأصلي في يوليوز 2021، واكتمال العمل الصحافي على الوثائق والشهادات الجديدة؟
أم أن اختيار يوم انعقاد الاجتماع الحكومي المغربي الفرنسي كان مقصودا لضمان أكبر قدر من الاهتمام والتأثير السياسي والإعلامي؟
وهل تسعى الجهات الإعلامية المشاركة في التحقيق إلى تذكير الحكومة الفرنسية بأن التقارب السياسي والمصالح الاقتصادية لا ينبغي أن يؤديا إلى طي الملف القضائي أو تجاهل مزاعم استهداف مسؤولين فرنسيين؟
كما يبرز سؤال بشأن ما إذا كانت إعادة الملف إلى الواجهة تمثل محاولة للضغط على السلطات الفرنسية من أجل تحريك التحقيق القضائي، بعد سنوات من البطء، أم أنها تحمل أيضا رسالة إلى المغرب في لحظة يسعى فيها إلى توسيع شراكته الاستراتيجية مع باريس.
وفي المقابل، هل يمكن اعتبار النشر محاولة للتشويش على التقارب المغربي الفرنسي، خصوصا أن التحقيقات ظهرت في الوقت الذي كان فيه الجانبان يعلنان اتفاقات جديدة ويؤكدان متانة علاقاتهما السياسية والأمنية؟
في الملفات الحساسة، لا يكون التوقيت تفصيلا ثانويا دائما، خصوصا عندما يتزامن النشر مع حدث دبلوماسي كبير يهدف إلى تكريس المصالحة بين بلدين عاشا واحدة من أكثر أزماتهما صمتا وتعقيدا.
ورغم الصدى الذي خلفته “التحقيقات الجديدة”، لا يبدو أن الحكومتين ترغبان في السماح لملف «بيغاسوس» بتعطيل المسار الجديد للعلاقات.
فباريس اختارت منذ سنة 2024 إعطاء الأولوية لإعادة بناء الشراكة مع الرباط، خاصة في ملفات الأمن والهجرة والاستثمارات والطاقة والساحل الإفريقي، بينما ينظر المغرب إلى الموقف الفرنسي من الصحراء باعتباره أساسا سياسيا ضروريا لاستمرار التقارب.
ومع ذلك، فإن إعادة القضية إلى الواجهة تؤكد أن المصالحة السياسية لم تؤد إلى إغلاق جميع ملفات الماضي، وأن «بيغاسوس» سيظل نقطة حساسة في العلاقات ما دام التحقيق القضائي الفرنسي مفتوحا، وما دام المغرب متمسكا بنفيه، وما دامت المؤسسات الإعلامية التي فجرت القضية تؤكد امتلاكها أدلة جديدة.
وبين منطق المصالح الاستراتيجية ومنطق المساءلة القضائية والإعلامية، يبدو أن الرباط وباريس ستواصلان السير في مسار التقارب، لكن تحت ظل ملف لم يُغلق نهائيا، وقد يعود إلى الواجهة كلما ظهرت وثائق أو شهادات جديدة.


