الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
جسركم إلى الخبر

بقلم: د. اشرف بولمقوس

قد ينقطع الكهرباء فتتحرك الحكومة، وهذا امر طبيعي في أي دولة، لكن في ان ينقطع الكهرباء و تشل الدولة و جل المرافق  فهذا دليل كامل على أزمة الدولة .

ما يحدث في تونس ليس مجرد عطب في شبكة كهرباء، سببه الستيگ كما يناديها كل التونسيون، و ليس أزمة مياه فرضتها موجة حر استثنائية، ولا حتى حرائق جاءت في موسمها، هذه مجرد أعراض أما المرض الحقيقي فهو سياسي.

منذ سنوات دخلت تونس مسار جديد في تاريخها ، مسار عوضت فيه سلطة المؤسسات بحكم الفرد الواحد، و الدستور بالإرادة المنفردة، والتوازن بين السلطات بمنطق الرجل الواحد، وكانت النتيجة هي تحصيل حاصل .

لا توجد أزمة كهرباء في بلد يملك مؤسسات قادرة على التخطيط والاستباق. ولا تتحول الحرائق إلى كارثة وطنية في دولة تمتلك إدارة فعالة للأزمات. ولا يصبح انقطاع الماء حدثًا يوميًا إلا عندما تفقد الدولة قدرتها على أداء أبسط وظائفها.

ثم يأتي الصمت.

في لحظة تنتظر فيها البلاد من يقود ويشرح ويطمئن، يغيب رئيس الجمهورية عن المشهد، وتملأ الشائعات الفراغ، قبل ان يظهر في مقطع قصير دون كلام فقط الموسيقى المرافقة ، مقطع نشرته قناة رئاسة الجمهورية على الساعة الرابعة صباحا في قمة العبث التواصلي هذا ان اعتبرنا هذا المقطع المنشور وسيلة تواصل.

ليست المشكلة في غياب شخص بسبب وضع صحي إن صح ذلك، فالرؤساء بشر، لكن المشكلة أن يغيب الرئيس فتغيب الدولة معه، هنا يتأكد أن ما بُني خلال السنوات القليلة الماضية لم يكن دولة مؤسسات، بل تدمير تجربة واعدة.

لكن الأزمة  في تونس لا تقف عند الحدود الداخلية ، لكن أيضا نتيجة سياسة تونس الخارجية،  تونس تدفع ثمن تحول سياستها الخارجية من مدرسة عُرفت بالبراغماتية والتوازن إلى سياسة فقدت كثيرًا من قدرتها على بناء التوافقات، الدبلوماسية ليست خطبًا، ولا شعارات، ولا مواقف انفعالية، إنها فن حماية المصالح الوطنية، و هو ما لم تقم به تونس، وحين تتخلى دولة عن إرثها الدبلوماسي، يصبح السؤال مشروعًا: أين أصدقاء تونس؟ أين الدول التي كانت تتسابق لدعمها؟ أين الشركاء الذين كانوا يرون في تونس قصة نجاح تستحق المساندة؟

في السياسة، لا توجد صداقات أبدية، لكن توجد مصالح وشبكات ثقة، وهذه الشبكات لا تُهدم في يوم واحد، لكنها قد تتآكل تدريجيًا حتى تجد الدولة نفسها وحيدة في أكثر لحظاتها احتياجًا.

وفي هذا الفراغ، تمدد النفوذ الجزائري داخل المشهد التونسي، و طبعا ليست المشكلة في العلاقة مع الجزائر، فهي دولة جارة وشقيقة، بل في أن تتحول العلاقة إلى حالة من الارتهان السياسي، فتضيق مساحة القرار الوطني المستقل، وتتراجع قدرة تونس على التحرك بحرية بين شركائها التقليديين، الدولة التي تحصر خياراتها الخارجية، تحصر خياراتها الداخلية أيضًا.

المواطن التونسي  اكيد لا تعنيه كل هذه الحسابات، و كل ما يعنيه أنه يعيش في الظلام، يبحث عن الماء، ويراقب النيران وهي تقترب، و يترقب الحلول.

التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار حين تنقطع الكهرباء، بل حين تصبح عاجزة عن الاعتراف بأن المشكلة سياسية قبل أن تكون تقنية، وعندما يتحول كل فشل إداري إلى مؤامرة، وكل نقد إلى خيانة، وكل أزمة إلى قدر، فإن العطب لا يكون في الشبكات الكهربائية، بل في شبكة الحكم نفسها.

ولهذا، فإن معركة تونس اليوم ليست مع الحر، ولا مع الحرائق، ولا مع انقطاع الماء والكهرباء، معركتها الحقيقية هي مع نموذج حكم وعد بدولة أقوى، فإذا به ينتج دولة أكثر هشاشة، وأكثر عزلة، وأكثر عجزًا عن حماية مواطنيها في أصعب اللحظات.

قد يبدو الموضوع لا يهم الا المواطن التونسي، و هذا خطأ، الموضوع يهم كل المغاربيين، فضعف تونس يضعف المنطقة المغاربية، و كل ما يحدث في تونس يمس كل المنطقة و لنا في 2011 عبرة، و لم يكن الحسن الثاني مخطأ عندما قال ما يفيد  ” امن تونس من امن المغرب ”  كما قال أيضا  ” لا يمكن باي حال من الأحوال المساس باستقرار تونس، لان تونس شعب و ليس نظام “، و لذلك قد يسقط هذا النظام بطريقة او بأخرى، و ستبقى تونس البلد و الشعب، و سيعود الكهرباء و الماء، و حتى الدستور الذي يليق ببلد اول دستور بالمنطقة  .

شاركها.

التعليقات مغلقة.