خرج الدكتور منير بودشيش، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، عن صمته لأول مرة، للحديث بشكل ضمني عن حقيقة الصراع داخل أسوار الزاوية بمداغ، بينه وبين شقيقه معاذ، الذي يتشبث بدوره بالمشيخة. رغم تضمين الوصية اسم أخيه منير.
صحة الوصية.. بين التواتر والتوثيق
وأوضح منير بودشيش، في تصريح مصور خص به صحيفة “سفيركم” الإلكترونية، أن “الفقراء”، أي مريدي الزاوية، متشبثون بالطريقة وبالوصايا التي تشكل، بحسبه، مصدرا للشرعية والبعد القانوني للطريقة والزوايا.
وقال إن غياب البعد القانوني والشرعي، المتجلي في الوصايا والسند المحمدي. من شأنه أن يفتح المجال أمام أي شخص لإنشاء زاوية. مضيفا أن الحديث حول الوصية والطريقة ومستقبلها كان متواترا. كما أنه مسجل بالصوت والصورة من خلال جده الشيخ حمزة ووالده، شيخ الزاوية الراحل جمال الدين القادري بودشيش.
ويشار إلى أن سلامة سياق كتابة الوصية وصحتها سبق أن زكتهما السيدة فتيحة اليعقوبي، والدة شيخ الطريقة الحالي. من خلال إشهاد سبق أن نشرته “سفيركم”، حرره عدلان من مدينة بركان ووقع عليه بمراقبة قاضي التوثيق ببركان.
وأشهدت السيدة اليعقوبي بأنها “عاينت زوجها المرحوم مولاي جمال الدين القادري بودشيش، المغربي الجنسية، المزداد سنة 1942، والساكن قيد حياته بالعنوان المذكور أعلاه، يكتب الوصية وهو بأتمه وفي كامل قواه العقلية والفكرية والبدنية، عالمًا بما يقول وما يكتب، تام الوعي والإدراك، كامل الأهلية والقدرة على التقرير والفصل”. مضيفة أنه حررها بيمينه لابنهما مولاي منير القادري بودشيش، وأنه أوصى بأنه “إذا سار إلى عفو الله، فإن سر الطريقة القادرية البودشيشية ينتقل إليه. مع الإذن له التام والكامل في التربية والتزكية الروحية والأخذ بيد الخلائق”.
لا تصوف دون محبة
وذكّر شيخ الطريقة بأن الزاوية تنهج طريق التصوف الأصيل المبني على السند والوصايا ورضا الله والوالدين. مستحضرا حديث “أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك” و”الجنة تحت أقدام الأمهات”. وتساءل “كيف لإنسان يدعو لإصلاح الناس وهو لا يحترم أسرته وإخوانه”.
وأضاف “نبدأ الأدب مع العائلة والأسرة ومع الجميع. وندعو إلى أن تكون تصرفاتنا وأخلاقنا إحسانية”.
وتابع حديثه مستحضرا قيمة المحبة في التصوف، قائلا إن “لا إيمان لمن لا محبة له”، وإنه “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. متسائلا “وأي تصوف نتحدث عنه إذا لم تكن المحبة والسلام واحترام الآخر؟.
ويبدو أن هذه الإشارة تحمل، بشكل ضمني، رسالة إلى شقيقه معاذ في ظل استمرار الخلاف بين الطرفين بشأن المشيخة، دون أن يسميه بشكل مباشر.

رسالة إلى المنتقدين
ووجه منير بودشيش رسالة إلى المؤثرين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين تناولوا موضوع المتغيرات التي عرفتها الزاوية بعد وفاة الشيخ جمال الدين. داعيا إياهم إلى التبين والتحقق من الأخبار قبل نشرها والخوض فيها بحثا عن “البوز”. خصوصا ما يتعلق بما يروج حول وجود صراع بشأن الأموال.
وقال في تتمة حديثه لـ”سفيركم”، “لا أريد أن أرد على أي أحد”، لكن أقول لهم “أنتم تقومون بعمل نبيل من أجل تنوير الناس”، و”لابد أن يكون عملكم مبنيا على المكاشفة والمعاينة والحقيقة. أما أن يقول الإنسان ما يُكتب له فذلك فيه غلط وتغليط، والطريقة من كل هذا براء، والزمن كشاف”.
وتوحي تصريحات شيخ الطريقة بوجود جهات تستهدف مشيخته والطريقة، عبر نشر الإشاعات وتعميم روايات مكتوبة بشأن ما يجري داخل الزاوية.
كما شدد شيخ الطريقة على حرية الأشخاص في اختيار مسارهم، قائلا إن “الإنسان حر ولا يمكن أن نستعبد الناس في هذا القرن الواحد والعشرين”. مضيفا أن مريدي الطريقة “يأتون بمحبة” وأن ما يجمعهم هو “المغناطيس الرباني المحمدي”.
وقال أيضا “من يريد أن يحدث طريقة صوفية فليحدثها، نحن في مغرب الديمقراطية”.
الصوفي ابن وقته
وفي جانب آخر من حديثه، دافع منير بودشيش عن فكرة أن “الصوفي ابن وقته”. معتبرا أن التصوف لا ينبغي أن ينفصل عن التحولات التي يعرفها المجتمع والعالم. وأن على الصوفي أن يواكب قضايا عصره بما يخدم أمته.
ولا تبدو هذه الفكرة جديدة في خطاب شيخ الطريقة القادرية البودشيشية. إذ سبق أن عبر في تصريحات سابقة عن أهمية الجمع بين الأصالة والمعاصرة ومواكبة تحولات العصر.
كما انعكس هذا التوجه في الملتقى العالمي للتصوف، الذي اختار في دورته التاسعة عشرة موضوع “التصوف ومآل القيم في زمن الذكاء الاصطناعي”. وهو مايعكس انفتاح الخطاب الصوفي الذي يقدمه منير بودشيش على قضايا التكنولوجيا والتحولات الجديدة. 
وقال في هذا السياق إن هناك الكتاب والسنة ومجالس الذكر، لكن هناك أيضا مستجدات العصر التي ينبغي مواكبتها. مشيرا إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أبرز التحولات التي تفرض نفسها اليوم.
وتساءل مستحضرا أمثلة من تطور الوسائل عبر الزمن “هل كان هناك مكبر الصوت في عهد الرسول مثلا”. في إشارة إلى أن الوسائل تتغير، بينما تظل المرجعية الدينية والروحية ثابتة.
ويحاول الدكتور منير بودشيش أن يقدم تصورا يقوم على الجمع بين الحفاظ على المرجعية التقليدية للطريقة والانفتاح على مستجدات العصر. بدل النظر إلى التصوف باعتباره ممارسة منفصلة عن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية.
اختيار “التحفظ”
وبخصوص الخلافات التي أثيرت حول الطريقة منذ وفاة والده الشيخ جمال الدين، اختار منير بودشيش، بحسب تصريحاته، عدم الدخول في تفاصيل بعض الملفات. مكتفيا بالقول “أنا متحفظ وأختار الصمت، إن الله يدافع عن الذين آمنوا”.
كما نقل عن والده قوله إن الطريقة ستعرف “غربلة”، وسيبقى فيها “الراسخون الصادقون”، وفق تعبيره. مؤكدا أن الطريقة حافظت على 99 في المائة من زواياها بالمغرب.
الخلاف حول المشيخة
ومنذ وفاة والده الشيخ جمال الدين القادري بودشيش، وجد الدكتور منير بودشيش نفسه أمام عدد من الإشاعات والتساؤلات بشأن صحة مشيخته وقدرته على تدبير شؤون “الفقراء”.
وعاينت “سفيركم” إحياء معاذ القادري بودشيش لذكرى المولد النبوي داخل الزاوية، بشكل محتشم، داخل قاعة مُغلقة. بالموازاة مع تنظيم أخيه شيخ الطريقة للملتقى العالمي للتصوف في نسخته ال21 تحت شعار “إمارة المؤمنين وصيانة الإرث النبوي”، والذي عرف حضورا لشيوخ وعلماء من مختلف قارات العالم وتوافدا للمريدين من داخل المغرب وخارجه.
ووفق ما استقته “سفيركم”، من تصريحات عدد من المتوافدين على الزاوية، فإن “الفقراء” متشبثون بمنير بودشيش شيخا للطريقة، فيما عبر عدد منهم، في أحاديث جانبية مع الصحيفة، عن أملهم في عودة العلاقة إلى سابق عهدها بين منير وشقيقه معاذ. معبرين عن غضبهم من وجود “من يقتات على الصراع بين الإخوة خدمة لمصالح ضيقة”.








