بقلم: أحمد بوعشرين الأنصاري
حينما تتيه بوصلة السياسة في وسط لاديمقراطي وغير سليم، ومنتعش بكثافة طفيليات المصالح الذاتية والاحتكار والتحكم والجشع مع الفساد العموميين، تنتصر ضفة السلطوية بكل تداعياتها وخاصياتها وأركانها ومكوناتها الحزبية والتنظيمية والجمعوية والمدنية والاقتصادية والثقافية والمؤسساتية عموما، وبالتبع تتعطل التنمية والنهضة وخدمة الإنسان والمجتمع.
فماهي هذه السلطوية التي تتبوتق منها كل هذه القيم الذاتية المدمرة للإنسان والمجتمع والوطن والشراكة في تدبيره وتنميته؟
ثمة عشر خاصيات أساسية لظاهرة السلطوية، مبتدؤها تعريف يؤسس تبعا للخاصيات المتوالدة عن تجليات هذا التعريف.
- السلطوية نظام حكم سياسي عام، تغيب فيه المساءلة والمحاسبة للسلطة الفعلية التي تحكم وتقرر، ولأنها تنتصر لسلطة القوة التي تتغذى من امتلاكها لأدوات التحكم الأمنية والإعلامية والسياسية، فهي قد تحظى بقبول سلبي عام من أهم تمظهراته شيوع قيم التزلف والنفاق، والاستفادة من ريع المال العمومي، والتداول الانتخابي من أجل خدمة السلطة لا من أجل ممارستها؛
- أنها تضيق ذرعا حتى بالقوانين التي تبنتها وشرعتها كلما كانت هذه القوانين معيقا أمام شرهها السلطوي اللامحدود…فتتمرد عليها ويصبح القانون قانونها في الميدان؛
- إنها لا تقنعها المؤسسات حتى وإن كانت محضرة وفق توجهها، ومايقنعها هو المزاج العام الذي يحكم نظرتها للمجتمع وللناس ولبنية الحكم فإذا توافقت المؤسسات مع مزاجها العام فذاك هو المطلوب لديها، وإذا تفارقت استدعت مؤسساتها الخاصة اللامرئية التي لا يسلط عليها ضوء الدستور والقانون، لتشغلها في الظلام وتنتج من خلالها قراراتها العمومية؛
- إنها تعشق الكواليس ولغة التعليمات والتخلص من كل نسق مؤسساتي قديحاسب فعلها وتصرفها وقراراها العموميين؛
- السلطوية هي من فصيلة جنس الاستبداد لكن ليست هي الاستبداد بعينه، فهي قد تتسلح بالمؤسسات لفرض تعليماتها، وقد تستدعي انتقائيا كل تأويل للقانون يخدم أجندتها في تنزيل سياستها ومواجهة خصومها، وقد تعاند بشكل سادي كل توجهات الرأي العام، بل وقد تجعله رأيا خاصا بينما تعتبر توجه مناصريها هو الرأي العام وهو الشعب وهو الإرادة العامة؛
- السلطوية داء قوي التأثير على محيطه وعلى الجسم المجتمعي الضعيف في ممانعته، وهي ذات طبيعة متعدية، ليس في قاموسها التداولي مصطلحات التوافق والحوار وحسن الإنصات والاستماع، في المقابل لها قاموسها الخاص في التصنيف وفي أحكام القيمة؛
- السلطوية تعتدي وتنتعش بالاعتداء وتحيا شرايينها بالإحساس بانتصاراتها على كل خصم أو عدو ولو كان ميكروسكوبي البنية؛
- هي لا تستئذن في اعتدائها بل تمضي مسطرة استهدافاتها الاعتدائية؛
- السلطوية هي نظام ومنهج، لا تتركز في شخص بل تتوزع اختصاصات انتهاكاتها للحقوق والحريات على كل مؤسساتها الخاصة والعامة، حتى إذا وقع الانتهاك توزعت آثار الضحايا على كل هذه المؤسسات فلا تجد حينها من ستعتبره مسؤولا على هذا الانتهاك أو ذاك، لأن كل من مؤسساتها ونظامها له حظ متناغم ومنهجي في انتهاك معين؛
- إنها تواجه أصوات الحرية وقوى الممانعة بشكل منهجي (systématique)، والطريق نحو الوقوف بشكل ناجع في وجه سياساتها
الانتهاكية للحقوق وللحريات وللمال العام وللمسؤوليات العمومية بدون محاسبة ولسمو الإرادة الشعبية، هو تكتل استراتيجي ومتين من حيث منطلقاته وأجندته النضالية يجمع كل هذه القوى والأصوات الحرة وأحرار الوطن، وكل متضرر من وجودها، وإلا فستلتهم هذه السلطوية بشره سادي كل خصومها فردا فردا وتنظيما تنظيما وبشكل منهجي يستحيل فيه توجيه أصبع المسؤولية على جهة أو شخص أو مؤسسة معينة.


