انتقل الخلاف بين مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ورئاسة مجلس المستشارين إلى خوض اعتصام مفتوح داخل المؤسسة التشريعية، بعدما قرر المستشاران البرلمانيان خليهن الكرش وفاطمة زكاغ خوض اعتصام مفتوح بمكتب المجموعة، احتجاجا على ما وصفاه بالتضييق على عملهما البرلماني، والحد من وسائل اشتغالهما، وتعطيل عدد من مبادراتهما التشريعية والرقابية. حيث أكدت البرلمانية لـ”سفيركم” أن هذا “التضييق” ارتفعت حدته بعد مناقشة المقترحين اللذان تقدما بهما حول تنظيم أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير” لفائدة الدولة المغربية. إلى جانب المطالبة بافتحاص ميزانية المجلس وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الدعم المخصص للأضاحي.
وكشف التصعيد عن اتساع دائرة الخلاف لتشمل، وفق ما أورده المستشاران في بلاغهما وتصريح فاطمة زكاغ لـ”سفيركم”، حق المجموعة في المراسلة وتنظيم الأنشطة البرلمانية والمشاركة في اللجان الموضوعاتية. فضلا عن توفير الموارد البشرية واللوجستيكية اللازمة لأداء مهامها. وأكدت زكاغ أن الاعتصام جاء بعد محاولات متكررة لفتح حوار مع رئاسة المجلس وتسوية هذه الملفات، دون أن تفضي، حسب روايتها، إلى أي استجابة.
وتعود إحدى أبرز محطات هذا الخلاف إلى مقترحي القانونين اللذين تقدمت بهما المجموعة سنة 2022، وظلا، وفق زكاغ، دون مناقشة إلى غاية سنة 2026. حين تمت إحالتهما على المسطرة التشريعية في نهاية الدورة الربيعية. وقالت إن المجموعة تصدت خلال الجلسة العامة لمحاولة تمريرهما للتصويت دون مناقشة فعلية، قبل أن تواجه، حسب تصريحها، سلسلة من الإجراءات التي مست حقوقها وآليات اشتغالها داخل المجلس.
وقالت زكاغ، إن الاعتصام جاء بعد محاولات متكررة لإيجاد حلول لما اعتبرته تضييقا على المجموعة، مؤكدة أن الأمر تجاوز، حسب تعبيرها، الحد من وسائل الاشتغال إلى المساس بحقوق برلمانية ودستورية، شملت المراسلات والأنشطة والتمثيلية داخل اللجان. وصولا إلى منع استقبال مراسلات المجموعة وعدم تمكينها من الموارد البشرية واللوجستيكية الضرورية لأداء مهامها.
وأضافت أن المجموعة حاولت، قبل إعلان الاعتصام، فتح قنوات الحوار مع رئاسة مجلس المستشارين، غير أن تلك المحاولات لم تفض، وفق روايتها، إلى معالجة الإشكالات المطروحة. مشيرة إلى أن أعضاء المجموعة شرعوا في الاعتصام داخل مكتبهم منذ العاشرة صباحا، ولم يعلنوا عنه إلا في السادسة مساء، بعدما انتظروا مبادرة من رئاسة المجلس لتسوية الخلاف.
واعتبرت المستشارة البرلمانية أن ما يجري يتعلق بمسار من التضييق قالت إنه تصاعد بعد إثارة ملفات ترتبط بمطالب اجتماعية ورقابية. في مقدمتها أسعار المحروقات، ومصير أصول شركة “سامير”. وكيفية تدبير ميزانية مجلس المستشارين، فضلا عن الدعم المخصص للأضاحي.
المحروقات وشركة “سامير”
وفي تفصيلها لخلفيات الأزمة، أوضحت زكاغ أن المجموعة تقدمت سنة 2022 بمقترحي قانون، الأول يرمي إلى تنظيم أسعار المحروقات، والثاني يتعلق بتفويت أصول شركة “سامير” لفائدة الدولة المغربية. غير أن المقترحين ظلا حبيسي الرفوف إلى غاية سنة 2026، رغم مطالبة المجموعة بمناقشتهما، قبل أن تتم إحالتهما على المسطرة التشريعية في نهاية الدورة الربيعية.
وأكدت أن المقترحين يرتبطان بمطالب اجتماعية واقتصادية تمس القدرة الشرائية للمغاربة. في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وما وصفته بالأعباء التي تثقل كاهل المواطنين. معتبرة أن المجموعة كانت تعبر من خلالهما عن نبض الشارع ومطالب فئات واسعة من المجتمع.
وكشفت زكاغ أن المقترحين مرا عبر اللجنة المالية بموافقة الأغلبية. بعدما لم يكن ممثلوها، وفق روايتها، منتبهين إلى مسار التصويت خلال اجتماع اللجنة. قبل أن تبرز المشكلة عند إحالتهما على الجلسة العامة. حيث قالت إن محاولة جرت للالتفاف على المسطرة التشريعية من خلال التوجه إلى التصويت على المقترحات دفعة واحدة، دون مناقشة كل مقترح على حدة.
وأضافت أن أعضاء المجموعة تصدوا لهذا التوجه داخل الجلسة التشريعية، وتمكنوا من فرض احترام المسطرة، غير أن ما أعقب ذلك، حسب تصريحها، شمل عدم تمكينهم من التسجيلات المتعلقة بتقديم المقترحين ونقاط النظام التي أثاروها، رغم مطالبتهم بها باعتبارها حقا من حقوقهم البرلمانية. فضلا عن ممارسات أخرى قالت إنها شملت إبعاد الكاميرا عنهم وغيرها.
وربطت المستشارة البرلمانية بين هذا المسار وما وصفته بتصاعد التضييق على المجموعة. معتبرة أن إثارة ملفات المحروقات و”سامير” لم تكن منفصلة عن طبيعة المواقف التي عبرت عنها داخل المجلس. في وقت كان فيه المقترحان يمسان، وفق تعبيرها، مطلبا شعبيا مرتبطا بالأسعار والسيادة الاقتصادية.
افتحاص ميزانية المجلس
ولم تحصر زكاغ أسباب الاعتصام في المقترحين التشريعيين. بل وضعت في صلب الأزمة أيضا الطلبات المتكررة التي تقدمت بها المجموعة لتشكيل اللجنة رقم 13، المنصوص عليها في النظام الداخلي لمجلس المستشارين، والمكلفة بافتحاص ميزانية المجلس.
وأوضحت أن المجموعة كانت تتقدم سنويا بطلب تشكيل هذه اللجنة، التي تتيح، حسب شرحها، مراقبة كيفية صرف ميزانية المجلس، والاطلاع على الوثائق المحاسباتية والجرد المالي. بمشاركة ممثلين عن مختلف الفرق والمجموعات. وشبهت مهمتها بعمل المجلس الأعلى للحسابات، مع اختلاف كونها آلية رقابية داخلية تشتغل داخل المؤسسة التشريعية.
وقالت إن هذه الطلبات كانت، وفق روايتها، يعقبها مزيد من التضييق على المجموعة، معتبرة أن الإصرار على تفعيل آلية افتحاص ميزانية المجلس لم يلق التجاوب الذي كانت تنتظره.
كما كشفت عن مبادرة أخرى لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الدعم المخصص للأضاحي “دعم الفراقشية”. مؤكدة أن المبادرة ووجهت برفض رؤساء الفرق ومنسقي المجموعات تسلمها. قبل أن تتحدث عن صدور تعليمات إلى كتابة الضبط والكتابة الخاصة لرئيس المجلس والأمانة العامة، وفق قولها، بعدم تسلم مراسلات المجموعة.
وأضافت أن هذا الوضع بلغ، حسب تعبيرها، حد رفض تسلم المراسلات بشكل نهائي. وهو ما دفع المجموعة إلى اللجوء إلى وسائل أخرى لإبلاغ رئاسة المجلس بمطالبها.
منع المراسلات والقاعات
وفي البلاغ الذي أصدره المستشاران البرلمانيان خليهن الكرش وفاطمة زكاغ. اعتبر المعنيان أن ما تتعرض له المجموعة يشكل تضييقا على أدائهما لمهامهما. وضربا لمقتضيات الدستور والنظام الداخلي لمجلس المستشارين ومدونة الأخلاقيات.
وأشار البلاغ إلى أن الممارسات التي اشتكى منها المستشاران شملت الحد من وسائل العمل البرلماني، سواء على المستوى اللوجستيكي أو من حيث الموارد البشرية. ومصادرة حقهما في العضوية باللجان الموضوعاتية. والتضييق على مشاركتهما في الأنشطة البرلمانية والدبلوماسية البرلمانية الموازية.
كما سجل البلاغ عدم التفاعل مع عدد من مراسلات المجموعة وعدم تفعيلها وفق المقتضيات الدستورية والنظام الداخلي والقواعد المؤطرة للعمل المؤسساتي. مع إعطاء تعليمات، حسب ما ورد فيه، بعدم تسلم المراسلات الموجهة إلى رئاسة المجلس ومصالحه.
وفي هذا السياق، أوضحت زكاغ أن المجموعة راسلت رئيس مجلس المستشارين وأعضاء من المكتب المسير يوم 2 أكتوبر 2026، عبر البريد المضمون والفاكس وتطبيق “واتساب”، بعدما تعذر عليها إيداع مراسلاتها بالطرق المعتادة. غير أنها أكدت عدم تلقي أي تجاوب مع هذه المراسلات.
وأضافت أن التضييق طال أيضا تنظيم الأنشطة داخل المجلس، من خلال رفض منح المجموعة قاعات لعقد أيام دراسية وندوات صحفية. معتبرة أن هذه الإجراءات حدت من قدرتها على التواصل مع الرأي العام ومناقشة الملفات التي تشتغل عليها.
مدونة الأخلاقيات
ومن بين النقاط التي أثارتها زكاغ، تعديل مدونة الأخلاقيات الخاصة بمجلس المستشارين في فبراير 2025، معتبرة أن التعديل استهدف، حسب قراءتها، الحد من أشكال الاحتجاج التي يلجأ إليها المستشارون داخل المؤسسة التشريعية.
وأوضحت أن المجموعة سبق أن رفعت لافتات احتجاجية خلال مناقشة القانون التنظيمي للإضراب، تعبيرا عن رفضها لمضامينه، واحتجاجا على ما اعتبرته خرقا للدستور والنظام الداخلي للمجلس. وقالت إن التعديل الذي طال المدونة غير الصياغة المتعلقة بحمل الرسائل والرموز التي تمس بالثوابت الوطنية. لتصبح، وفق تفسيرها، مانعة لرفع اللافتات والشعارات الاحتجاجية بشكل عام.
واعتبرت أن هذا التعديل جاء في سياق محاولة الحد من التعبير عن المواقف المعارضة داخل المجلس. مشددة على أن الاحتجاج على ممارسات رئاسة المؤسسة التشريعية. لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للحرمان من الحقوق البرلمانية.
وفي البلاغ، أشار المستشاران إلى أن مدونة الأخلاقيات جرى تعديلها بما يمنع، وفق ما ورد في موقفهما، مختلف أشكال الاحتجاج على ممارسات رئاسة المجلس والمكتب المسير وتجاوزاتهما. مع حذف ما يتعلق بالمساس بالثوابت الوطنية من البند المعني.
اتهامات باعتداء لفظي ومحاولة اعتداء جسدي
وتحدثت زكاغ عن واقعة قالت إنها حدثت خلال نهاية الدورة الربيعية، حين تعرضت، حسب تصريحها، لاعتداء لفظي ومحاولة اعتداء جسدي من طرف أحد الموظفين. قبل أن يتدخل بعض الأطر للحيلولة دون تطور الواقعة.
كما ربطت المستشارة البرلمانية بين تصاعد التوتر وإبعاد الموظف الوحيد الذي كان يشتغل مع المجموعة. معتبرة أن الطريقة التي جرى بها إبعاده، وفق تعبيرها. زادت من صعوبة اشتغالها داخل المجلس وقلصت من إمكاناتها البشرية.
وذهبت زكاغ إلى أن هذه الممارسات تعكس، حسب توصيفها، تغولا من رئاسة المجلس وبعض أعضاء مكتبه المسير، واستقواء بالأغلبية. مشيرة إلى أن وجود اختلاف سياسي داخل المؤسسة التشريعية ينبغي أن يكون أمرا طبيعيا، بالنظر إلى تعدد الفرق والمجموعات وتباين مواقفها.
وأضافت أن استمرار هذا الوضع، مع بداية السنة التشريعية الأخيرة من الولاية الحالية، جعل المجموعة، وفق قولها، تواجه صعوبات في أداء مهامها. محذرة من أن انتهاء الولاية الانتدابية في 10 أكتوبر 2027 سيجعل استمرار تعطيل آليات العمل البرلماني عاملا مؤثرا في قدرتها على متابعة الملفات والتفاعل مع شكاوى المواطنين.
اعتصام مفتوح إلى حين استعادة آليات العمل البرلماني
وأكدت زكاغ أن الاعتصام سيظل مفتوحا إلى حين معالجة الإشكالات التي دفعت المجموعة إلى خوضه. وفي مقدمتها توفير الموارد البشرية ووسائل الاشتغال. وضمان احترام النظام الداخلي. وتمكين أعضائها من التمثيلية داخل اللجان الموضوعاتية والمشاركة في الأنشطة البرلمانية. واستعادة حقوقهم في المراسلات والتعبير عن المواقف.
وشددت على أن المجموعة لا تطالب، حسب تصريحها، بامتيازات خارج الإطار القانوني، وإنما بآليات تمكنها من أداء مهامها الانتدابية والرقابية باعتبارها ممثلة للأمة. مشيرة إلى أن استمرار التضييق يحول دون تفاعلها مع المواطنين الذين يقصدونها لعرض ملفاتهم ومشاكلهم.
واستحضرت المستشارة البرلمانية الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، الذي ذكر فيه الملك محمد السادس البرلمانيين بمسؤوليتهم تجاه الله والمواطنين والتاريخ. معتبرة أن أداء المهام التمثيلية والرقابية يقتضي توفير الظروف اللازمة لممارستها، وليس تعطيلها بسبب الاختلاف في المواقف.
وشددت على أن رفع الاعتصام يظل رهينا بمعالجة الملفات المطروحة والاستجابة للمطالب المرتبطة بوسائل الاشتغال والموارد البشرية والتمثيلية البرلمانية. في وقت لم يتضمن البلاغ أي إشارة إلى التوصل إلى اتفاق مع رئاسة مجلس المستشارين بشأن إنهاء الأزمة.








