اعتبر عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ورئيس منظمة “أفريكا ووتش”. أن التطورات الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء المغربية أفرزت ارتباطا عضويا بين المسار السياسي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك والمسار الإنساني والحقوقي في جنيف. بما يجعل معالجة أوضاع مخيمات تندوف مرتبطة بأفق التسوية الشاملة للنزاع. بدل استمرار تدبيرها بمنطق الأمر الواقع. وذلك في سياق التفاعلات المرتبطة باعتماد اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة (المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار) قرارا يكرس القرار التاريخي رقم 2797 لمجلس الأمن.
وأوضح الكاين، في تصريح لـ”سفيركم”، أن التحرك الدبلوماسي الأخير يمثل تحولا استراتيجيا ونوعيا في التعاطي الأممي والدولي مع ملف الصحراء المغربية. مشيرا إلى تراكم الاعترافات الدولية بمبادرة الحكم الذاتي، التي تحظى بدعم الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي. إلى جانب دعم إفريقي وعربي واسع.
وأضاف أن القرار رقم 2797 كرس أسبقية المبادرة المغربية. وثبت الإطار السياسي الواقعي والتفاوضي للنزاع. معتبرا أن هذه التطورات تتجاوز تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية له. وهو ما ينعكس أيضا على المقاربة الدولية للأوضاع الإنسانية والحقوقية في مخيمات تندوف.
وفي هذا السياق، توقف المتحدث عند أشغال الدورة الـ77 للجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بجنيف. التي قال إنها أبرزت تبلور تحرك يدعم دور المفوضية في تسوية أوضاع اللاجئين الممتدة، على أساس الحلول المستدامة. بما ينقل النقاش من المقاربة الإغاثية التقليدية إلى البحث عن حلول سياسية وإنسانية دائمة.
وشدد الكاين على أن وضع مخيمات تندوف لم يعد، وفق قراءته للتطورات الأخيرة، قابلا للفصل عن أفق التسوية الشاملة للنزاع. كما لم يعد من الممكن إخضاع تدبير شؤونها لمنطق الأمر الواقع. بعيدا عن قرارات مجلس الأمن والمسار السياسي الرامي إلى إنهاء النزاع.
وفي قراءته لمضامين القرار 2797، أيد الكاين استنتاجات السفير عمر هلال بشأن ما وصفه بالتحول التاريخي في مقاربة الأمم المتحدة، من تدبير النزاع إلى تسويته. واعتبر أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجه نحو تثبيت المعايير السياسية للحل النهائي. بدل التجديد الروتيني لولاية بعثة المينورسو أو إعادة طرح خيارات يرى أنها لم تعد قابلة للتحقق. أو الاكتفاء بتدبير المساعدات الإنسانية.
كما اعتبر أن الأمم المتحدة تخلت عمليا عن خيار الاستفتاء. مستحضرا تقارير للأمين العام للأمم المتحدة أقرت، حسب تصريحه، باستحالة تنظيمه منذ سنة 2000. بسبب تعذر تحديد الهيئة الناخبة. وفي المقابل، وصف الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية بأنه الترجمة العملية الوحيدة لتقرير المصير، والمتوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ التسوية السلمية للنزاعات.
وتطرق الكاين إلى دور الموائد المستديرة التي دعا إليها مجلس الأمن، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. معتبرا أنها تحدد المسؤوليات السياسية والقانونية المشتركة للأطراف المعنية. وتنقل النقاش من كيفية منع المواجهة إلى كيفية إنهاء النزاع.
وفي الشق الإنساني، توقف المتحدث عند المقترحات الثلاثة التي طرحها السفير عمر زنير في جنيف، على هامش الدورة الـ77. وقال إنها تستند إلى الحلول الدائمة التي تعتمدها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
ويتعلق المقترح الأول بالعودة الطوعية والكريمة والآمنة إلى أرض الوطن، في إطار العفو الشامل والاستفادة من النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية وهياكل الحكم الذاتي. أما المقترح الثاني، فيهم الاندماج المحلي للراغبين في البقاء بالدولة المضيفة. من خلال وضع قانوني مستقر يضمن حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويكفل لهم حرية التنقل والعمل. عوض استمرار وضعهم في فضاءات معزولة. ويهم المقترح الثالث إعادة التوطين في بلد ثالث، وفق بروتوكولات المفوضية. ودون الخضوع لولاية قسرية من تنظيم مسلح.
ورأى الكاين أن تفعيل هذه الحلول من شأنه إنهاء ما وصفه بظاهرة “السجون المفتوحة”، ووضع حد لاستغلال المعاناة الإنسانية في الابتزاز والتسول الدبلوماسي. فضلا عن وقف تحويل المساعدات الإنسانية، الذي قال إن تقارير مكتب مكافحة الغش الأوروبي والمفتش العام للمفوضية وثقته. كما اعتبر أن الحلول المقترحة تتيح فرصة للم شمل العائلات الصحراوية التي فرقتها عقود من الشتات بين مدن الصحراء المغربية ومخيمات لحمادة.
وبخصوص المسؤولية القانونية عن أوضاع المخيمات، حمل الكاين المسؤولية بشكل مباشر للجزائر باعتبارها الدولة المضيفة، ولقيادة جبهة البوليساريو. وقال إن الجزائر تخالف اتفاقية سنة 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. مستحضرا المواد 25 و27 و35 المتعلقة، وفق تصريحه، بمسك سجلات اللاجئين وإصدار وثائق الهوية وتيسير الحماية. كما أشار إلى رفض الجزائر إجراء الإحصاء بسبب اشتراطات سياسية.
واستحضر المتحدث ملاحظات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، عقب فحص التقرير الدوري الرابع للجزائر. والتي قال إنها انتقدت تخلي الدولة المضيفة عن ولايتها القضائية والأمنية فوق ترابها لصالح ميليشيا مسلحة. معتبرا أن ذلك يشكل خرقا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ونبه الكاين إلى أن الأوضاع المتردية داخل المخيمات، بما فيها سوء التغذية وغياب الآفاق وتجنيد الأطفال وانعدام حرية التعبير والتنقل. تستدعي الانخراط الفوري وبحسن نية في الحلول الدائمة. وحذر من أن استمرار العرقلة قد يعرض المعنيين للمساءلة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وفي سياق متصل، نوه الكاين بالنداء الملكي الموجه إلى ساكنة مخيمات تندوف، والقائم على المواطنة المتساوية ولم الشمل. معتبرا أنه ينسجم مع مقتضيات حماية الأسرة المنصوص عليها في المادة 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل.
وأشار إلى تأكيد الملك محمد السادس أن جميع المغاربة سواسية، دون تمييز بين العائدين وإخوانهم داخل الوطن. معتبرا أن هذا التوجه ينسجم كذلك مع المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومقتضيات دستور 2011. ويضمن الحقوق دون تمييز أو انتقام.
واعتبر الكاين أن هذا التوجه يمثل امتدادا لتجربة المغرب في الإنصاف والمصالحة، وتجسيدا لشعار “الوطن غفور رحيم”. مؤكدا أن العرض المغربي لا يقوم، حسب تعبيره، على منطق غالب ومغلوب. بل على حكم ذاتي يشكل إطارا مؤسساتيا ديمقراطيا لتدبير الصحراويين شؤونهم تحت السيادة الوطنية.
وشدد المتحدث على أن إنهاء وضع مخيمات تندوف لا يرتبط فقط بتسوية النزاع. بل يتصل أيضا بتعزيز الاستقرار الإقليمي. باعتباره صمام أمان في مواجهة مخاطر الإرهاب والاتجار بالبشر والجريمة العابرة للحدود في منطقة الساحل والمغرب العربي.








