جسركم إلى الخبر

قال المحلل السياسي والأستاذ الجامعي أحمد بوز إن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري يعكس تحولات على مستوى قيادة الأغلبية وتوزيع الحقائب وتوسيع التحالف الحكومي، غير أن هذه التغييرات لا تعني بالضرورة إحداث قطيعة مع السياسات السابقة أو تغيير مراكز القرار، مشدداً على أن الاختبار الحقيقي للحكومة يظل مرتبطاً بقدرتها على الوفاء بوعودها الانتخابية وتحسين القدرة الشرائية للمغاربة.

وأضاف أحمد بوز، خلال الحلقة الثامنة من بودكاست “100 في المائة سياسة”، الذي تبثه قناة “سفيركم”، أن تشكيل الحكومة الجديدة يطرح مجموعة من الأسئلة بشأن حجم الفريق الحكومي، وطبيعة الأغلبية المشكلة له، وتوزيع الحقائب والاختصاصات، ومدى قدرة هذه التغييرات على إحداث تحول فعلي في السياسات العمومية.

وفي هذا السياق، توقف بوز عند مجموعة من المؤشرات التي تسمح بمقارنة التشكيلة الحكومية الجديدة بحكومة عزيز أخنوش، بدءا بحجم الفريق الحكومي وطبيعة الأغلبية التي يستند إليها، مروراً بالتمثيلية النسائية وتوزيع المسؤوليات، وصولا إلى إشكالية الاستمرارية والتغيير في الاختيارات الحكومية.

حكومة من 32 عضواً وأغلبية موسعة بأربعة أحزاب

وتوقف بوز عند حجم الحكومة الجديدة، التي تضم 32 عضوا، مقارنة بالتشكيلة الأولى لحكومة عزيز أخنوش سنة 2021، التي ضمت، وفق الأرقام التي استحضرها، 24 عضوا. واعتبر أن المقارنة بين الحكومتين لا ينبغي أن تقتصر على عدد الأعضاء، بل يتعين أن تشمل طبيعة القطاعات الحكومية، وتوزيع الاختصاصات، والمهام المسندة إلى الوزراء والوزراء المنتدبين، ومدى انعكاس ذلك على فعالية الجهاز التنفيذي.

وميز المتحدث، في هذا السياق، بين إحداث وزارة جديدة، وتعيين وزير منتدب، وتغيير اسم قطاع حكومي، وإعادة توزيع الاختصاصات بين القطاعات القائمة، معتبرا أن هذه الصيغ تختلف من حيث تأثيرها في بنية الحكومة وطريقة اشتغالها.

كما توقف عند انتقال الأغلبية من ثلاثة أحزاب، هي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، إلى تحالف موسع يضم أربعة أحزاب، بعد دخول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية إلى الأغلبية الجديدة. معتبرا أن هذا التوسع يثير تساؤلات بشأن طبيعة التفاهمات السياسية التي أفضت إلى تشكيل التحالف، ومدى انعكاس توزيع الحقائب بين مكوناته على انسجام العمل الحكومي ووضوح المسؤوليات.

تعدد الوزراء المنتدبين يطرح سؤال وضوح الاختصاصات

ومن بين القضايا التي أثارها بوز تعدد الوزراء المنتدبين وإعادة توزيع بعض الاختصاصات داخل القطاعات الحكومية، محذرا من أن تعدد المسؤولين داخل القطاع الواحد قد يثير إشكالات في تحديد حدود الاختصاص، خصوصاً عندما لا تكون العلاقة بين الوزير والوزراء المنتدبين مضبوطة بما يكفي.

وأكد المتحدث أن وجود أكثر من مسؤول داخل القطاع نفسه لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة لتحسين الأداء، إذ يظل ذلك رهينا بوضوح المهام، وفعالية التنسيق، وتحديد المسؤوليات وآليات المحاسبة، تفادياً لتنازع الاختصاصات أو غموض الجهة المسؤولة عن التعثر.

كما أثار مسألة مدى ارتباط توسيع الفريق الحكومي بالحاجة إلى استيعاب مطالب الأحزاب المشاركة في الأغلبية وتحقيق التوازنات السياسية بينها، مقابل ضرورة ملاءمة حجم الحكومة مع الحاجات الفعلية للتدبير الإداري.

وفي السياق ذاته، توقف عند غياب حقيبة مستقلة للتواصل في التشكيلة الجديدة، بعدما كان القطاع مرتبطا بالثقافة والشباب في الحكومة السابقة، معتبرا أن إعادة توزيع الاختصاصات تطرح سؤال الجهة التي ستتولى تدبير هذا المجال وحدود المسؤولية عنه.

سبع نساء في حكومة تقودها امرأة

وفي ما يتعلق بالتمثيلية النسائية، أشار بوز إلى أن عدد النساء في الحكومة الجديدة يبلغ سبع نساء من أصل 32 عضواً، أي نحو 21.9 في المائة، مقابل سبع نساء من أصل 24 عضوا في التشكيلة الأولى لحكومة عزيز أخنوش. وتكشف هذه الأرقام، بحسب المقارنة التي قدمها، تراجع نسبة النساء داخل الفريق الحكومي، رغم تولي امرأة رئاسة الحكومة الجديدة.

وبذلك، لا يقتصر تقييم الحضور النسائي على موقع رئاسة الحكومة، بل يشمل أيضاً الوزن العددي للنساء داخل مجموع الفريق الحكومي، ومدى انعكاس ذلك على تمثيليتهن في مختلف القطاعات ومراكز المسؤولية.

تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسات

وفي قراءته للتحولات السياسية التي رافقت تشكيل الحكومة، حدد بوز ثلاثة عناصر أساسية: انتقال قيادة الحكومة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وتوسيع الأغلبية الحكومية، وإعادة توزيع عدد من الحقائب والاختصاصات.

غير أنه شدد على أن هذه التحولات لا تكفي وحدها للاستنتاج بحدوث تغيير عميق في توجهات الدولة أو في طريقة اتخاذ القرار، مذكراً بأن حزب الأصالة والمعاصرة كان مشاركا في الحكومة السابقة، وكذلك حزب الاستقلال، وأن عددا من الوزراء استمروا في تحمل المسؤولية، سواء داخل القطاعات نفسها أو مع تغيير بعض اختصاصاتهم.

ويمكن، بحسب هذه القراءة، تفسير استمرار بعض الوزراء بالرغبة في الحفاظ على الخبرة والتراكم الإداري وضمان استمرارية العمل داخل القطاعات الحكومية. لكن هذا الاستمرار يثير، في المقابل، تساؤلات بشأن تجديد النخب ومدى قدرة الحكومة الجديدة على تجاوز اختلالات المرحلة السابقة.

ومن ثم، فإن تغيير رئيس الحكومة أو توسيع الأغلبية لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على تغيير مراكز القرار أو السياسات العمومية. فالمعيار الأساسي يظل مرتبطاً بطبيعة القرارات والبرامج التي ستعتمدها الحكومة، وبمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.

التعيينات الحكومية بين الاختيار السياسي والشرعية الانتخابية

وتناول بوز أيضا مسألة تعيين شخصيات في مناصب حكومية لا تستند بالضرورة إلى مسار انتخابي مباشر، وما تثيره من نقاش بشأن العلاقة بين الاختيار الحزبي والشرعية الانتخابية.

واعتبر أن النقاش لا يتعلق بمجرد أهلية الأشخاص لتولي المسؤولية، وإنما أيضا بموقع الانتخابات في تحديد ملامح الفريق الحكومي، ومدى التوازن بين الاختيارات الحزبية والرسائل التي يبعث بها الناخبون عبر صناديق الاقتراع.

وفي هذا الإطار، دعا إلى التمييز بين التقييم السياسي لشخص معين، وبين وجود مقتضى دستوري صريح يمنع إسناد مسؤولية حكومية إليه مستقبلا.

واستحضر بوز الجدل الذي أعقب بلاغ الديوان الملكي سنة 2017 بشأن مسؤولية عدد من الفاعلين السياسيين عن اختلالات مرتبطة بمشاريع تنموية، مشيرا إلى أنه سبق أن دافع عن قراءة مفادها أن الإعفاء من المسؤولية الحكومية لا يعني، بالضرورة، وجود منع دستوري دائم من تولي مسؤولية حكومية في المستقبل.

وتندرج هذه المسألة، وفق القراءة التي قدمها، ضمن نقاش أوسع بشأن حدود التعيين والإعفاء، والعلاقة بين القواعد الدستورية والاعتبارات السياسية التي تؤطر تشكيل الحكومات.

عودة شخصيات واستمرار أخرى تعيد النقاش حول تجديد النخب

وفي سياق حديثه عن الشخصيات التي عادت إلى مواقع المسؤولية، تطرق بوز إلى نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في ضوء الجدل السياسي الذي ارتبط باسمه في مرحلة سابقة.

وأعاد هذا المحور إلى الواجهة سؤال العلاقة بين المواقف السياسية السابقة والاختيارات الحكومية الحالية، ومدى تأثيرها في تقييم التعيينات الجديدة.

كما استحضر تجربة تعثر تشكيل الحكومة عقب انتخابات سنة 2016، حين انتهت مهمة عبد الإله بنكيران في تشكيل الحكومة، قبل تعيين سعد الدين العثماني خلفاً له، مبرزا أهمية التمييز بين القواعد الدستورية المؤطرة لتشكيل الحكومة والاعتبارات السياسية التي تتحكم في المفاوضات بين الأحزاب.

وبالموازاة مع عودة بعض الشخصيات، يطرح استمرار عدد من الوزراء الذين تحملوا المسؤولية في الحكومة السابقة سؤالا بشأن قدرة التشكيلة الجديدة على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الخبرة والاستمرارية، من جهة، وتجديد النخب والاستجابة للانتظارات المرتبطة بالتغيير، من جهة أخرى.

ويرى بوز أن تقييم هذه الاختيارات لا يمكن أن يستند إلى الأسماء وحدها، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار طبيعة المهام المسندة إلى المسؤولين، وحصيلة تدبيرهم السابق، ومدى قدرتهم على معالجة الاختلالات القائمة.

وعود انتخابات 2021 تضع الأحزاب أمام اختبار المحاسبة

وفي تقييمه لمسار التجمع الوطني للأحرار، ربط بوز بين سقف الوعود الانتخابية التي قدمها الحزب خلال انتخابات سنة 2021، وصعوبة الوفاء بالانتظارات التي رافقت وصوله إلى قيادة الحكومة. وأشار إلى أن رفع سقف الوعود قد يسهم في تحقيق النجاح الانتخابي، لكنه يتحول إلى مصدر للمحاسبة السياسية عندما لا يلمس المواطنون تحسناً ملموسا في أوضاعهم المعيشية.

ولا يعزو بوز التراجع الانتخابي للحزب إلى عامل واحد، بل يضعه ضمن سياق أوسع يرتبط بأداء الحكومة ومدى استجابتها للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية. فالناخب، وفق هذا المنطق، لا يحاسب الأحزاب على وعودها فحسب، وإنما أيضا على حصيلة تدبيرها الحكومي ومدى التزامها بما تعهدت به.

ويطرح هذا الوضع تحديا إضافيا أمام مكونات الأغلبية الجديدة، بالنظر إلى أن عددا منها سبق أن شارك في تجارب حكومية منذ سنة 1998، فيما دخل حزب الأصالة والمعاصرة الحكومة لأول مرة سنة 2021. وهو ما يجعل اختبار الحكومة الجديدة مرتبطا أيضاً بقدرة مكوناتها على تقديم بديل فعلي، وليس الاكتفاء بإعادة ترتيب المواقع داخل الأغلبية.

القدرة الشرائية الاختبار الأصعب أمام الحكومة الجديدة

وفي ختام قراءته، وضع بوز القدرة الشرائية للمغاربة في صدارة الاختبارات التي تنتظر الحكومة الجديدة، في سياق دولي وصفه بالصعب، تتداخل فيه تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الدولية مع تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية.

واعتبر أن الوعود المتعلقة بخفض الأسعار، ولا سيما أسعار المواد الغذائية، ستكون موضع اختبار مباشر، لأن المواطنين يقيسون أثر السياسات الحكومية من خلال تكاليف المعيشة وقدرتهم على تلبية حاجاتهم الأساسية.

وبحسب هذه القراءة، لن يتحدد نجاح الحكومة الجديدة بمجرد تغيير رئيسها، أو توسيع أغلبيتها، أو إعادة توزيع الحقائب الوزارية، بل بمدى قدرتها على تقديم نتائج ملموسة، وتحسين الأوضاع الاجتماعية، وتحويل الوعود الانتخابية إلى إجراءات يشعر المواطنون بأثرها في حياتهم اليومية.

وخلص بوز إلى أن الكرة أصبحت في ملعب الحكومة الجديدة، وأن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت التغييرات التي عرفتها هندستها ستتحول إلى تغيير فعلي في الأداء والسياسات العمومية، أم ستظل محصورة في إعادة ترتيب مكونات الأغلبية وتوزيع المسؤوليات.

خديجة اسويس

شاركها.

التعليقات مغلقة.