وضع المحلل السياسي والأستاذ الجامعي أحمد بوز حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجموعة من الأسئلة المرتبطة بطبيعتها السياسية، ومدى استقلالية اختياراتها، وقدرتها على ترجمة برنامجها الحكومي إلى نتائج ملموسة، فضلا عن طريقة توزيع الحقائب والاختصاصات بين مكوناتها، معتبرا أن تعدد الأحزاب داخل الأغلبية لا يعني بالضرورة تعدد المشاريع السياسية، وأن تغيير الوجوه والتسميات لا يكفي لإثبات حدوث تحول في السياسات العمومية.
وخلال مروره في حلقة بودكاست “100 في المائة سياسة”، الذي يبث عبر قناة “سفيركم” على منصة يوتيوب، قدم بوز قراءة تحليلية لثلاثة ملفات مترابطة، تتعلق بطبيعة حكومة المنصوري، ومضامين برنامجها الحكومي، ثم هندستها الإدارية والتنظيمية، مستندا إلى معايير سياسية ومؤسساتية لتقييم مدى قدرة الحكومة على ممارسة دورها الدستوري وتحمل مسؤولية قراراتها.
وفي معرض تناوله لسؤال ما إذا كانت الحكومة الحالية سياسية أم تكنوقراطية بواجهات حزبية، حدد بوز خمسة معايير أساسية للحكم على طبيعتها، أولها أن تكون نتيجة انتخابات ومفاوضات بين الأحزاب على أساس النتائج المحققة، وثانيها امتلاك برنامج سياسي واضح يتضمن اختيارات محددة وإجراءات قابلة للتنفيذ، لا مجرد وعود عامة بتحسين التعليم والصحة وخلق فرص الشغل.
أما المعيار الثالث، فيتعلق بمدى انعكاس المرجعيات الفكرية والتاريخية للأحزاب المشاركة على القرارات والسياسات الحكومية، إذ شدد على أن وجود أحزاب ذات تاريخ نضالي ومسارات سياسية مختلفة لا يكفي لإثبات تعدد المشاريع، ما لم يظهر أثر تلك المرجعيات في التوجهات العامة للحكومة.
ويرتبط المعيار الرابع بمدى الانسجام السياسي بين مكونات الأغلبية، معتبرا أن التوافق لا ينبغي أن يقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل يتعين أن يشمل الأولويات الكبرى وآليات تدبير الخلافات. فيما اعتبر أن المعيار الخامس، والأكثر أهمية، يتمثل في قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات وممارسة اختصاصاتها الدستورية والدفاع عن اختياراتها أمام البرلمان والصحافة والرأي العام، وتحمل مسؤولية نتائج السياسات التي تعتمدها.
ست ملاحظات على الطبيعة السياسية للحكومة
وبتطبيق هذه المعايير على حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، سجل بوز ست ملاحظات، أولها محدودية القطيعة مع السياسات السابقة، موضحا أن تشكيل حكومة جديدة يفترض أن يقدم للمواطن إجابات واضحة بخصوص ما سيتغير في الأولويات والمقاربات المعتمدة في قطاعات حيوية، وما ستضيفه الحكومة إلى التجربة السابقة، بدل أن ينحصر التغيير في الأشخاص والأحزاب التي تقودها.
كما توقف عند غياب تمايز سياسي واضح بين مكونات الأغلبية، مشيرا إلى أن تعدد المرجعيات الحزبية لا ينعكس بالضرورة في تعدد فعلي للاختيارات والبرامج، خاصة في ظل ما وصفه بتراجع التسييس الحزبي وتقدم اعتبارات المشاركة في الحكومة وتدبير المسؤوليات على وضوح الاختيارات الفكرية والسياسية.
وفي ملاحظته الثالثة، تحدث عن غلبة الاستمرارية على التجديد، مستحضرا استمرار حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، اللذين شكلا جزءا أساسيا من الحكومة السابقة، إلى جانب احتفاظ عدد من الوزراء بمواقعهم، واستمرار قطاعات وصفها بالسيادية، من بينها الخارجية والداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية، فضلا عن إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن هذا التصنيف في قراءته لتشكيلة الحكومة.
أما الملاحظة الرابعة، فتتعلق بالفجوة بين البرنامج السياسي والالتزامات القابلة للمساءلة، حيث اعتبر أن الأهداف العامة المتعلقة بالتعليم والصحة والتشغيل تظل غير كافية ما لم تقترن بآجال زمنية واضحة ووسائل مالية وإدارية محددة ومؤشرات تسمح بقياس النتائج.
وربط الملاحظة الخامسة بعدم كفاية تغيير قيادة الحكومة لإثبات انتقال مراكز القرار، معتبرا أن تولي حزب الأصالة والمعاصرة رئاسة الحكومة لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على تغير آليات تحديد الأولويات والتوجهات الاستراتيجية، ما لم يظهر ذلك في ممارسة الاختصاصات الدستورية والقدرة على المبادرة واتخاذ القرار.
وفي الملاحظة السادسة، وسع بوز النقاش ليشمل طبيعة النظام السياسي والدستوري المغربي، مبرزا أن تقييم الطابع السياسي للحكومة لا يمكن أن ينفصل عن فهم توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وموقع المؤسسة الملكية، وبرنامج الدولة المستمر، والعلاقة بين المبادرة الحكومية والتوجهات الاستراتيجية للدولة.
برنامج حكومي بطموحات اقتصادية واجتماعية وأسئلة حول التنفيذ
وانتقل بوز إلى قراءة البرنامج الحكومي الذي نال ثقة مجلس النواب، مسجلا ما اعتبره سطوة التكنوقراطية وتغليب الرهان التدبيري على الإصلاح السياسي والدستوري. وأوضح أن هذا التوجه يظهر، بحسب تحليله، في اختزال الأزمات الوطنية في الأرقام والحسابات، وتراجع الدور السياسي للحكومة لصالح وظيفة تنفيذ المخططات وتتبع الميزانيات القطاعية، مقابل محدودية الاهتمام بتطوير المنظومة السياسية وتعزيز استقلالية المؤسسات المنتخبة ومعالجة أزمة الثقة في الفاعل الحزبي.
وعلى المستوى الاقتصادي، توقف عند استهداف تحقيق نمو بنسبة 5 في المائة، معتبرا أن هذا الطموح يواجه بيئة دولية متقلبة وتحديات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والإجهاد المائي.
كما أثار تساؤلات بخصوص إمكانية حصر عجز الميزانية في 3 في المائة وخفض المديونية إلى 62 في المائة بحلول سنة 2031، بالتزامن مع توسيع الإنفاق الاجتماعي، مشيرا إلى أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي توسيع الوعاء الضريبي وتحسين نجاعة المؤسسات العمومية.
وفي ما يتعلق بالدولة الاجتماعية، توقف عند التزامات رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وتمكين الأرامل من معاش كامل بنسبة 100 في المائة، والرفع التدريجي للدعم المباشر إلى 1000 درهم، إلى جانب إقرار تعويض عن فواتير الكهرباء في حدود 100 درهم.
واعتبر أن هذه الإجراءات تحمل أبعادا اجتماعية مهمة، لكنها تطرح في المقابل أسئلة حول كلفتها المالية على المدى الطويل، وكيفية توزيع أعباء تمويلها بين أرباب العمل والشغيلة والدولة، ومدى قدرتها على الاستمرار دون التأثير في التوازنات المالية للأنظمة الاجتماعية. كما نبه إلى أن الدعم المالي قد يتحول إلى إجراء ظرفي إذا لم يترافق مع معالجة ارتفاع أسعار المواد الأساسية ومشاكل سلاسل التوريد والوساطة في الأسواق.
وفي ملف التشغيل، أشار بوز إلى استهداف تكوين 100 ألف شاب وإتاحة أول تجربة مهنية إلى 100 ألف آخرين سنويا ابتداء من سنة 2027، في سياق نسبة البطالة المرتفعة في صفوف الشباب، أورد بخصوصها نسبة 29.2 في المائة. وطرح في هذا السياق سؤال قدرة الاقتصاد الوطني على توفير فرص شغل دائمة ومستقرة تستوعب هذه الطاقات، عوض إنتاج فرص مؤقتة وهشة.
كما أثار مسألة الاتفاقيات الدولية والحركية المهنية، معتبرا أنها قد تتيح فرصا لإدماج الشباب، لكنها تطرح أيضا إشكالية نزيف الكفاءات المغربية نحو الخارج بحثا عن آفاق مهنية أفضل.
الإثراء غير المشروع يعيد سؤال تضارب المصالح إلى الواجهة
وفي محور الحكامة وتخليق الحياة العامة، توقف بوز عند إعلان رئيسة الحكومة التوجه نحو تجريم الإثراء غير المشروع وتفعيل الفصل 36 من الدستور، معتبرا أن هذا الإعلان يكتسي أهمية خاصة، لكنه يثير تساؤلات كبيرة بخصوص غياب هذا الالتزام عن البرنامج الحكومي، واقتصار وروده على التصريح الحكومي الذي قدمته المنصوري أمام البرلمان.
وتساءل عما إذا كان هذا الاختلاف يعكس وجود تباينات داخل الأغلبية الحكومية، قبل أن يثير مفارقة سياسية مرتبطة بمشاركة حزب الأصالة والمعاصرة في حكومة عزيز أخنوش بين أعوام 2021 و2026، وهي الحكومة التي اعتبر أن تضارب المصالح كان من أبرز الإشكالات المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، طرح بوز سؤال مدى جدية الالتزام المعلن بمحاربة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، مستحضرا موقع المنصوري السابق باعتبارها وزيرة ومنسقة لحزب شارك في الحكومة الماضية، ومؤكدا بذلك ضرورة الانتقال من الإعلان السياسي إلى الالتزام العملي.
وخلص في قراءته للبرنامج إلى أنه يقدم انسجاما شكليا وتخطيطا يربط بين التوجهات الملكية وأهداف النموذج التنموي والاستحقاقات الرياضية والتنموية المقبلة، غير أن نجاحه يظل رهينا بواقعية فرضياته المالية، وتوفر إرادة سياسية لمواجهة لوبيات المصالح ومحاربة الريع، فضلا عن تحويل الأهداف الرقمية إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمواطن، خصوصا في جودة المدرسة والمستشفى والخدمات الاجتماعية.
هندسة الحكومة.. ثماني إشكاليات تتجاوز عدد الحقائب
وفي المحور الثالث، انتقل بوز إلى مساءلة الهندسة الحكومية، معتبرا أن الإشكال في العمل الحكومي لا يرتبط بالأشخاص والتسميات وحدها، بل يتصل أساسا بالهيكلة الإدارية والتنظيمية وطريقة توزيع الاختصاصات.
واستحضر في هذا السياق نقاشا جمعه قبل نحو عشرين سنة بالمستشار الملكي الراحل سعد الدين العلوي المزيان بالفقيه، على هامش حوار أجراه معه بشأن حكومة إدريس جطو، موضحا أن النقاش تناول أهمية اعتماد هيكلة حكومية قارة، والصعوبات المرتبطة باحتواء مطالب الأحزاب وطموحات أعضائها خلال تشكيل الحكومات.
وسجل بوز ثماني إشكاليات في هندسة الحكومة الحالية، أولها التضخم الهيكلي وارتفاع عدد أعضاء الحكومة إلى 32 عضوا، إلى جانب التوسع في الوزارات المنتدبة، معتبرا أن ذلك يرفع تكاليف التدبير العمومي ويؤدي إلى تضخم الدواوين الوزارية والأنشطة البروتوكولية، فضلا عن احتمال تداخل الصلاحيات والميزانيات بين الوزراء والوزراء المنتدبين.
وتتعلق الإشكالية الثانية بتداخل الاختصاصات وتقسيم قطاعات مترابطة، مستحضرا فصل التربية الوطنية عن التعليم العالي، وتوزيع ملفات التعليم الأولي والحياة المدرسية والتكوين المهني على مسؤولين مختلفين، إلى جانب فصل الصيد البحري عن وزارة الفلاحة والتجارة الخارجية عن وزارة الصناعة والتجارة. ويرى أن هذا التوزيع قد يضعف الرؤية الموحدة للقطاعات ويؤخر اتخاذ القرارات الاقتصادية المندمجة.
أما الإشكالية الثالثة، فتتعلق بما سماه البعد التسمياتي، حيث اعتبر أن إدراج مفاهيم مثل الذكاء الاصطناعي والسيادة الغذائية والنجاعة العمومية في أسماء الحقائب لا يضمن وحده تحقيق نتائج عملية، ما لم يقترن بتغييرات فعلية في المساطر والميزانيات وآليات التقييم والمحاسبة.
وتوقف في الإشكالية الرابعة عند الجمع بين مهام وزارية ثقيلة، مستحضرا إسناد مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى وزير مكلف بإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، معتبرا أن الجمع بين الملفات التقنية والتواصل السياسي اليومي قد يشتت جهود المسؤول المعني.
وفي الإشكالية الخامسة، أثار مسألة ازدواجية المسؤولية وتنازع الصلاحيات، خصوصا في قطاع الشباب والثقافة والرياضة، حيث يتولى وزير منتدب ملف الشباب داخل وزارة تجمع هذه القطاعات. واستحضر تجربة حكومة إدريس جطو، عندما كان محمد الكاس كاتب دولة مكلفا بالشباب تحت إشراف الحبيب المالكي، مشيرا إلى الصعوبات التي رافقت تحديد الاختصاصات بين المسؤولين رغم انتمائهما إلى الحزب نفسه.
كما انتقد، ضمن الإشكالية السادسة، هشاشة الأقطاب الوزارية المركبة، من خلال جمع قطاعات غير متجانسة، مثل التجهيز والماء والغابات، بما يضع الوزير أمام ملفات متعددة ومعقدة ذات أبعاد مائية وبيئية وعقارية، قد تؤثر في نجاعة متابعة المشاريع الكبرى.
أما الإشكالية السابعة، فتتعلق بغياب قطاعات استراتيجية مستقلة، إذ سجل عدم إفراد التحول الطاقي وتدبير الأزمات والمخاطر المناخية بكيانات حكومية قائمة بذاتها، رغم أهمية هذه الملفات، وإدراجها ضمن قطاعات تقليدية.
وفي الإشكالية الثامنة والأخيرة، حذر بوز هنا، من الكلفة الإدارية والمالية لتغيير الهندسة الحكومية على استمرارية المرفق العام، موضحا أن نقل الاختصاصات والهياكل بين الوزارات يستدعي إعادة تنظيم المصالح، ونقل الموظفين والاعتمادات المالية والتجهيزات، وإعداد هياكل تنظيمية جديدة، فضلا عن تغيير اللوحات والوثائق والأختام واللافتات وإعادة تهيئة المكاتب والمقرات الإدارية.
واعتبر المتحدث أن هذه التحولات قد تؤدي إلى تأخر استئناف العمل بالهياكل الجديدة، وخلق غموض مؤقت في تحديد المسؤوليات، فضلا عن تعطيل بعض المشاريع والخدمات لأسابيع أو أشهر.
وختم بوز هذا المحور بالتأكيد على ضرورة التفكير في اعتماد هندسة حكومية قارة، تضمن الاستقرار والتراكم الإداري، وتساعد على وضوح الرؤية وتحسين الحكامة وترشيد الإنفاق العمومي.
خديجة اسويس








