جسركم إلى الخبر

لم تكن الجثتان اللتان عُثر عليهما داخل غابة 33 بمنطقة المنصورية، بإقليم بنسليمان، مجرد جريمة مروعة فحسب، بل كشفتا عن واقع أكثر تعقيدا داخل هذا المتنفس الغابوي، الذي تحول وفق المعطيات المتداولة حول القضية، إلى ملاذ لشبكات تنشط في ترويج المخدرات، وتتخذ من المسالك المعزولة والأكواخ العشوائية فضاء لممارسة أنشطتها بعيدا عن أعين المراقبة.

فالعثور على جثتي شابين ينحدران من مدينة المحمدية، بعد اختفائهما لأيام، و تعرضهما لاعتداءات جسدية وتعذيب كبير قبل قتلهما ، فجر القضية وأطلق عمليات تمشيط أمني واسعة، كشفت عن أوكار ومعدات وممنوعات، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول كيفية تحول فضاء غابوي قريب من ملاذ طبيعي للسكان إلى نقطة لممارسة الإجرام.

جريمة دامية

بدأت فصول القضية باختفاء شابين من مدينة المحمدية، قبل العثور عليهما جثتين هامدتين داخل أحراش غابة 33، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، في واقعة أثارت صدمة واسعة وسط عائلتي الضحيتين وساكنة المنطقة.

وأظهرت المعطيات المتداولة بخصوص الحادث وجود آثار اعتداء جسدي وتعذيب على الجثتين، من بينها بتر أحد الأطراف، فيما تحدثت مصادر صحفية عن احتمال ارتباط الجريمة بتصفية حسابات بين شبكات الاتجار بالمخدرات، وعن مطالبة عائلتي الضحيتين بفدية مالية قبل قتلهما .

أوكار سرية

لم تقف عمليات التمشيط التي باشرتها مصالح الدرك الملكي عند حدود البحث عن المتورطين في الجريمة، بل كشفت عن بنية لوجستية داخل الغابة، تضم أكواخا عشوائية مشيدة بالأخشاب والأغصان، وخياما بلاستيكية كانت تستعمل للإقامة والاختباء وتخزين الممنوعات.

كما عُثر داخل هذه الفضاءات على تجهيزات معيشية، من بينها قنينات غاز ومعدات للطبخ، إلى جانب موازين إلكترونية يُشتبه في استعمالها لوزن وتقسيم المخدرات، وهو ما يعكس طبيعة الاستغلال الذي تعرضت له أجزاء من هذا الفضاء الغابوي.

وكشفت المحجوزات عن وجود وسائل ومعدات تتجاوز ما يرتبط عادة بالترويج المحدود للمخدرات، إذ شملت بندقية صيد مزودة بمنظار بصري، وذخيرة وخراطيش، فضلا عن أسلحة بيضاء من قبيل السواطير والسكاكين كبيرة الحجم.

كما أسفرت عمليات التفتيش عن العثور على كميات من مخدر الكيف وصفائح من الشيرا، إلى جانب قنينات ومشروبات كحولية، وسيارات مشبوهة، من بينها مركبة يشتبه في كونها مسروقة وتحمل آثارا يشتبه في أنها دماء، فضلا عن دراجات نارية متروكة وأخرى محترقة.

وتعزز هذه المحجوزات فرضية استغلال الغابة في أنشطة إجرامية متعددة، في انتظار تحديد طبيعة ارتباط جميع المضبوطات بالقضية من خلال الأبحاث الجارية.

فضيحة رقمية

ولعل من بيت أكثر تفاصيل القضية إثارة للدهشة في هذه الجرائم هي ما كشفه الفضاء الرقمي، إذ أثار ظهور تسمية “بزنازة 33” على تطبيق “غوغل مابس” استغرابا واسعا، بعدما بدا أن مكانا داخل الغابة بات محددا بهذه التسمية على منصة يستخدمها ملايين الأشخاص للوصول إلى الأماكن.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للغابة، التي تمتد على مساحة شاسعة وتتخللها أحراش ومسالك وعرة ومعزولة، ما يجعل تحديد المواقع الجغرافية وتبادل الإحداثيات عبر تطبيقات المراسلة الفورية وسيلة محتملة لتسهيل الوصول إلى الأكواخ والنقاط المخفية داخلها.

وبالتالي، لم يعد استغلال التكنولوجيا مقتصرا على تسهيل الوصول إلى المواقع المعزولة، بل تحولت التسمية الرقمية المتداولة إلى عنصر أثار الانتباه بقوة إلى ما كان يجري داخل هذا الفضاء، بالإضافة إلى مدى علنية بعض الأنشطة الإجرامية في العالم الافتراضي، في وقت كانت فيه الغابة تثير مخاوف متزايدة على المستوى الميداني.

نساء في ظروف قاسية

ولم تقتصر المعطيات التي كشفت عنها عمليات التمشيط على المخدرات والأسلحة والأوكار، بل امتدت إلى العثور على فتيات وشابات داخل الغابة، في وضعيات اجتماعية ونفسية صعبة، مع وجود مؤشرات على معاناتهن من الإدمان.

وتطرح هذه المعطيات جانبا آخر من القضية، يتعلق بالظروف التي عاشت فيها هؤلاء الشابات، واحتمالات تعرض بعضهن للاستغلال أو الاحتجاز، وهي مسائل تستدعي التحقق من ظروف وجودهني داخل الغابة، وتحديد ما إذا كن ضحايا لشبكات الاستغلال والاتجار بالبشر.

مطاردة مستمرة

وعلى المستوى الأمني، شهدت المنطقة عمليات تمشيط واسعة شاركت فيها مصالح الدرك الملكي والقوات المساعدة، مع الاستعانة بوسائل وتقنيات للبحث داخل المسالك الوعرة، بما فيها الطائرات المسيرة، لرصد المناطق التي يصعب الوصول إليها.

كما أسفرت الأبحاث عن توقيف عدد من المشتبه فيهم، يعتقد ارتباطهم بالشبكة التي ينسب إليها بارون مخدرات ملقب بـ”الريفي”، بينما لا تزال التحقيقات متواصلة لتحديد باقي المتورطين وكشف امتدادات هذه الأنشطة.

وفي خطوة لتطويق الفضاءات التي كانت تستغلها هذه الشبكات، جرى إغلاق عدد من المسالك والمنافذ المؤدية إلى الغابة باستعمال الجرافات والأتربة، بهدف الحد من سهولة الولوج إليها واستغلالها مجددا.

أسئلة معلقة

وبينما تتواصل الأبحاث الأمنية والقضائية، تطرح قضية “غابة 33” أسئلة تتجاوز تحديد المسؤوليات الجنائية في مقتل الشابين، لتشمل أسباب استمرار استغلال هذا الفضاء في أنشطة غير قانونية، ومدى نجاعة المراقبة الأمنية للمناطق الغابوية المحاذية للمراكز الحضرية.

كما تعيد القضية النقاش حول ضرورة اعتماد مقاربة مستدامة لحماية الغابة، من خلال تعزيز المراقبة الدورية، وتحسين الإنارة، وإغلاق المسالك غير القانونية، والاستعانة بكاميرات المراقبة والطائرات المسيرة عند الحاجة، إلى جانب تأهيل الفضاء وتحويله إلى متنفس آمن للساكنة.

فالقضية لم تعد تتعلق فقط بأوكار مخدرات جرى اكتشافها أو بمشتبه فيهم تجري ملاحقتهم، بل بفضاء عام ظل عرضة للاستغلال الإجرامي، قبل أن تكشف جريمة مروعة بعضا من خباياه.

خديجة اسويس

شاركها.

التعليقات مغلقة.