بقلم: جلال المخفي
شهدت ردهات المركز العام لحزب الاستقلال بسلا، خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني المنعقدة قبل أيام قليلة، واحدة من أكثر المحطات السياسية إثارة للجدل في مسار المشاورات الحكومية الحالية. فقد تحولت لحظة إعلان الأمين العام للحزب، نزار بركة، عن قرار حزب الأصالة والمعاصرة (البام) استبعاد “التجمع الوطني للأحرار” من الحكومة المقبلة، إلى احتفالية عارمة وتصفيق حار من طرف الحاضرين. ولم تكن هذه الفرحة العارمة مجرد رد فعل عابر، بل كشفت عن مخزون من التطلعات والمواقف الدفينة تجاه حليف الأمس في مشهد سياسي سريع التقلب.
“حلم” لم يكتمل
اندلعت الشرارة الأولى لهذه الواقعة عندما فاجأ نزار بركة برلمان حزبه بمعطى ثقيل يفيد بأن قيادة “البام” حسمت موقفها برفض إشراك حزب “الحمامة” في الهندسة الحكومية المرتقبة. ولم يكد هذا الإعلان يتردد صداه داخل القاعة حتى تعالت الهتافات واهتزت جنبات المنصة بالتصفيق، في مؤشر واضح على أن غياب الأحرار عن المشهد الحكومي كان يمثل “السيناريو الحلم” بالنسبة للقاعدة الاستقلالية العريضة.
لكن هذه الفرحة العارمة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما عاد الأمين العام في ختام كلمته ليتراجع عن تصريحه ويقدم اعتذارا علنيا ومباشرا أمام أعضاء المجلس الوطني. وأوضح بركة أن المعطيات التي بنى عليها إعلانه كانت مغلوطة وغير دقيقة، وأن قنوات التواصل لم تحسم بعد بشكل نهائي في طبيعة التحالف الحكومي بخصوص استبعاد أي طرف.
وفي خطوة لرفع اللبس وإخلاء مسؤوليته السياسية، قدم بركة صك “البراءة التنظيمية” معلنا أن المفتش العام للحزب، مصطفى حنين، هو من نقل إليه الخبر بشكل غير مؤكد. هذا التبرير السريع عكس رغبة القيادة في تطويق الأزمة التي قد تندلع مع حزب الأحرار، لكنه في الوقت نفسه ثبت واقعة التصفيق التاريخية التي فضحت النوايا الحقيقية للاستقلاليين.
سقط التسرع وغصة الأحرار
كشفت هذه الواقعة بوضوح عن حالة من التسرع والخفة السياسية غير المعهودة في سلوك نزار بركة، الذي يوصف عادة بالرزانة والهدوء. فبدل أن يتريث بركة وينتظر إعلانا رسميا يصدر عن حزب “الأصالة والمعاصرة” المعني الأول بالمشاورات، سارع بنفسه إلى إشهار ورقة الفيتو ضد الأحرار، مدفوعا برغبة ذاتية جامحة في زف هذا الخبر الذي بدا وكأنه ينتظره بفارغ الصبر.
هذا الاندفاع غير المحسوب أظهر أن نزار بركة نفسه، وليس فقط قواعد حزبه، كان يتجرع مرارة حقيقية ويعاني في صمت من سطوة الأحرار طيلة الولاية الحكومية المنتهية ولايتها. وجاء إعلانه المستعجل ليعبر عن لسان حاله وعاطفته السياسية قبل عقله الراجح، وكأنه يصرخ في وجه الحاضرين متهللا: “أخيرا غاتهناو منهم!”.
لقد أسقطت هذه الهفوة التنظيمية قناع الدبلوماسية عن زعيم الاستقلال، مبرزة رغبة عارمة في التخلص من “جثوم” حزب “الحمامة” على صدر التدبير الحكومي. وبدلا من الحفاظ على مسافة الأمان السياسية، تحول بركة للحظات إلى ناقل لـ”شائعة” حزبية لم ينضج تداولها بعد، مما وضعه في حرج تكتيكي بالغ أمام الرأي العام وأمام حلفائه المفترضين.
صراع كعكة الحقائب
يرتبط التفسير الثالث لابتهاج الاستقلاليين بالبراغماتية المصلحية الصرفة التي تحكم تسيير الأحزاب السياسية أثناء مرحلة توزيع المغانم الانتخابية. فخروج حزب بحجم التجمع الوطني للأحرار، بكتلته النيابية الوازنة وطموحاته الكبيرة، يعني تلقائيا تقليص عدد الشركاء في الائتلاف الحكومي القادم، مما يفتح الباب واسعا أمام حزب الاستقلال لزيادة حصته من الحقائب الوزارية.
وتدرك النخب الاستقلالية أن هندسة حكومية مبنية على تحالف ثنائي بين “البام” و”الاستقلال” (مع بعض الأحزاب الصغرى) ستمنح حزب الميزان وزنا تفاوضيا غير مسبوق، ويجعله شريكا كاملا في صناعة القرار. هذا التموقع المريح كان سيتيح للحزب تلبية الطموحات الداخلية لكوادره التي تنتظر نصيبها من التعيينات في المناصب الاستراتيجية والقطاعات الحيوية، خاصة مع الحرمان الذي اشتكت منه لسنوات خلال التحالف السابق مع الأحرار.
لذلك، فإن تصفيقات أعضاء المجلس الوطني لم تكن نكاية إيديولوجية بالأحرار، بل كانت احتفالا بالاتساع المفترض لـ”الكعكة الحكومية”. لقد رأى الحاضرون في الإعلان الخاطئ فرصة ذهبية للانعتاق من ضغط المحاصصة الثلاثية الصعبة، والانتقال إلى مرحلة الهيمنة المشتركة على التدبير الحكومي لولاية كاملة.
عقيدة التهميش والتهرب من إرث الأزمات
لا يمكن فصل رد الفعل الاستقلالي العنيف في رمزيته عن رواسب التجربة الحكومية السابقة. فرغم التواجد “الشكلي” للاستقلال في التحالف الماضي، إلا أن أدبيات الحزب الداخلية كانت تشتكي صامتة من تعرضها لنوع من “التقزيم السياسي” والتواري خلف الظل الإعلامي والتنفيذي للحليف القوي المستأثر بالقطاعات الاستراتيجية، مما ولد رغبة دفينة في الانعتاق من تلك العباءة التي ضيقت على طموحات الحزب.
يتجلى البعد الآخر للاحتفال في الرغبة السياسية الملحة في التحلل من التبعات السلبية للإرث الاجتماعي للحكومة السابقة. فقد ارتبطت تلك الولاية في ذهن المواطن بموجات الغلاء غير المسبوقة، والتضخم الذي أنهك القدرة الشرائية، وهي الملفات التي حملت مسؤوليتها المباشرة لحزب الأحرار وقائده، مما جعل الاستقلال يرى في إقصائهم فرصة لتقديم نفسه كبديل “نظيف”.
في المحصلة، كشفت سقطة المفتش العام والاعتذار اللاحق لنزار بركة عما يدور في عقول النخب الاستقلالية من حسابات معقدة. ورغم أن الحكومة قد تتشكل في النهاية بوجود الأحرار أو غيابهم، فإن تلك الدقائق من التصفيق الحار ستبقى وثيقة سياسية مسجلة تثبت أن التحالفات في المشهد السياسي المغربي هي تحالفات ضرورة وإكراه، بينما تظل الطموحات الحقيقية كامنة في انتظار أول فرصة للانقضاض على بقايا السلطة والانفراد بها.


