أثار الانقطاع الضخم للكهرباء الذي شهدته إسبانيا يوم 28 أبريل الماضي، والذي يعتبر الأكثر حدة في أوروبا خلال العقدين الأخيرين، مخاوف واسعة بشأن استقرار الشبكة الكهربائية وتأثيراته المحتملة على الاقتصاد والصناعات الحيوية في البلاد.
وقد تسبب الحادث في شلل وسائل النقل، وانقطاع خدمات الهاتف والإنترنت، وغمر مناطق واسعة من إسبانيا والبرتغال في الظلام، ما أسفر عن خسائر مالية كبيرة للشركات والمصانع وتأجيل العديد من الأنشطة التجارية.
وأظهر تقرير صادر عن خبراء أوروبيين أن الانقطاع كان نتيجة سلسلة من الارتفاعات المفاجئة في التيار الكهربائي، فيما أكد التقرير الحكومي الإسباني الصادر في يونيو الماضي حدوث الارتفاعات نفسها التي أدت إلى انهيار الشبكة، في حين يشير الخبراء إلى أن هذه الارتفاعات تحدث عندما يمر تيار أعلى من قدرة الشبكة المصممة، نتيجة زيادة الإمداد أو صاعقة أو خلل في أجهزة الحماية.
و أكدت الهيئة الوطنية لسوق الكهرباء والاتصالات الإسبانية تسجيل مدير الشبكة تغيرات مفاجئة في التيار الكهربائي خلال الأيام الأخيرة، ما زاد من قلق المستثمرين في قطاع الطاقة.
وقد يأتي هذا، في وقت تعتمد فيه إسبانيا بشكل متزايد على الطاقات المتجددة مع إغلاق تدريجي لمحطاتها النووية، ما يشكل تحديا أمام استقرار الشبكة وخطط النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، قال خالد بنحمو، خبير طاقي، في تصريح صحفي لجريدة “سفيركم” الإلكترونية إن الجهود الحالية للسلطات الإسبانية تركز على تحديد أسباب انقطاع الكهرباء الأخير، وتقييم طبيعة الحادث وأصوله، موضحا أن الحادث، رغم كونه يبدو في البداية معزولا، إلا أنه أظهر ضعف قدرة شبكة الكهرباء الإسبانية على التعامل مع تأثيرات الانقطاعات المتسلسلة، لا سيما في ظل الاعتماد المتزايد على الطاقات المتجددة المتقطعة.
وأضاف بنحمو أن الشبكة الإسبانية تطورت تدريجيا لمواكبة انتشار الطاقات المتجددة دون إعادة هيكلة شاملة، وهو ما جعل النظام يصل إلى حدود معينة، ما يستدعي اليوم تبني تقنية النقل الكهربائي بالتيار المستمر عالي الجهد (HVDC) لتعزيز مرونة الشبكة وتحسين النقل والتوزيع والتوصيل بين الدول، وتقليل تأثير الانقطاعات المتسلسلة.
وأشار الخبير إلى أن المغرب سيكون شريكا رئيسيا في هذه التحولات، مع خطط لإنشاء 1 غيغاواط HVDC مع البرتغال، وزيادة قدرات الربط مع إسبانيا عبر الربط الكهربائي طنجة..ملوسة، والذي سيتم بتقنية HVDC وبقدرة أكبر مقارنة بالربط الحالي بالتيار المتناوب (AC) بقدرة 2×700 ميغاواط.
وأوضح بنحمو أن هذه البنية التحتية ستتيح تحسين تبادل الطاقة بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية، ما يشكل فائدة متبادلة إذ يخفف الضغط على شبكة إسبانيا، مع إمكانية التصدير بعد تشغيل “الطريق السريع للكهرباء” بين الداخلة والدار البيضاء بقدرة 3 غيغاواط HVDC بحلول 2030.
وأكد بنحمو في تصريحه إمكانية تطوير خطوط HVDC إضافية، مثل مشروع Sahara Wind لنقل طاقة الرياح من السواحل الصحراوية إلى طنجة بقدرة 5–10 غيغاواط، في حال توافرت الإرادة السياسية والدعم المالي من الجانب الإسباني، مشيرا إلى أن المغرب مستعد لهذه الإمكانية منذ سنوات عديدة، مع دعم من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومؤسسات دولية منذ عام 2007.
وفي هذا الصدد، شدد الخبير أن هذه المشاريع ليست مهمة على المستوى الوطني فحسب، بل تسهم أيضا في دعم التكامل الإقليمي للطاقة وتعزيز الأمن الطاقي في المنطقة، بما يتماشى مع أهداف الانتقال الطاقي وتحقيق الاستدامة.
