بقلم عمر لبشيريت
نحن الآن أمام “شي كليمة” أو “توصية” خفيفة على اللسان لا تتعدى عشرة أحرف. مجرد “كليمة” لا غير، لكنها ثقيلة في ميزان العدالة والقضاء. كلمة صغيرة فجّرت أسئلة أكبر من أن تُترك معلّقة بلا جواب.
كل شيء يبدأ صغيرًا، Un petit mot، لكنها كلمة تثير، ولا بد أن تثير، زوبعة وقلقًا وخوفًا. الخوف من أن تتحوّل إلى عادة، أو إلى شيء جارٍ، أو ممارسة اعتيادية. لا نعرف بالضبط، ومن حقنا أن نفهم وأن نعرف، وأن نخاف كذلك.
ليس أخطر على العدالة من كلمة عابرة تُقال في المكان غير المناسب، وبالطريقة غير المناسبة، ومن الأشخاص غير المفترض أن ينطقوها أصلًا. ما جرى في فضيحة فيديو المهداوي لم يكشف فقط عن ارتباك وسقوط مدوي داخل مؤسسة عهد إليها بتدبير أمور الصحافة، بل كشف عن شيء أعمق: قابلية “الكليمة” لأن تتحوّل إلى وسيلة للتأثير في مسار قضائي يفترض أن يكون مستقلاً ومحايداً.
أخطر ما في التسجيلات التي شاهدناها في فضيحة فيديو الصحافي المهداوي هو تلك المحادثة بين رئيس لجنة الأخلاقيات بمجلس الصحافة ورئيس المجلس، المحادثة التي أُقحم فيها اسم الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، السيد محمد عبد النباوي.
تلك المحادثة تثير تساؤلات كثيرة، وتطرح علامات استفهام عديدة، كما تثير مخاوف وقلقًا، حول ما سمعناه من طلب تدخل أو خدمة بواسطة Un petit mot للسيد عبد النباوي من طرف رئيس لجنة الأخلاقيات، قبل أن يعقّب عليه رئيس اللجنة المؤقتة: “لا داعي، انا غادي نمشي لعندو ونهضر معاه”.
كيف يجرؤ رئيس لجنة الأخلاقيات على طلب الاستعانة بـ”كليمة” عند محمد عبد النباوي؟ هل سبق أن جُرِّب هذا المسار؟ وهل هو أمر اعتيادي دأبت عليه اللجنة؟ وكيف كان الرد؟ هل وقعت الاستجابة؟ وهل المطالبة بالاتصال بالرئيس المنتدب جاءت بناءً على “تعامل” سابق؟ ما الذي حفّزه أصلًا لطلب هذا التدخل؟
نحن لا نملك إلا الحق في طرح الأسئلة. لا نعلم ماذا وقع ويقع، ولا سبب إقحام محمد عبد النباوي في موضوع يخص الصحافي حميد المهداوي.
طريقة تقديم الطلب، وبشكل عادي أمام أعضاء اللجنة، وبما لا يوحي بأن الأمر خطير أو غير مسموح به، تجعلنا نطرح مزيدًا من الأسئلة.
ثم تأتي طريقة جواب رئيس مجلس الصحافة، وهو يتطوع بكل اطمئنان للتكفّل بالاتصال والحديث شخصيًا بمحمد عبد النباوي. ماذا سيقول له؟ وأي خدمة سيطلبها منه في ملف معروض على القضاء؟ وهل له سوابق في ذلك، وهو يتصرف بلا حذر ولا اعتبار لخطورة الأمر؟ ثم كيف يسمحان لنفسيهما بطلب “خدمة” من محمد عبد النباوي؟ وفي أي اتجاه؟ هل يتعلق الأمر بطلب تحيز أو تأثير على ملف قضائي؟
لا نعرف، إلى حدود اليوم، هل تمّ هذا التدخل فعلاً، وهل وقع الاتصال للتأثير في ملف يهم صحافيًّا يوجد في خلاف مع مجلس الصحافة الذي تحول إلى لجنة مؤقتة. كما لا نعرف طبيعة جواب السيد محمد عبد النباوي إن وقع ذلك الاتصال: هل استجاب؟ أم نبه رئيس المجلس ورفض التدخل؟
لا نملك أجوبة، لكن لنا الحق في طرح الأسئلة، وإبداء التخوف والشك والريبة. لنا الحق في طرح الأسئلة، لأننا شاهدنا وسمعنا التسجيل المعلوم، مثلما شاهده وسمعه المغاربة، والعالم.
لنا الحق في طلب أجوبة واضحة وصريحة. نريد أن نطمئن، أن نفهم، وأن نتيقن أن الأمر لم يكن مجرد محادثة عابرة أو انزياحًا عن احترام مبدأ فصل السلط وحياد السلطة القضائية واستقلاليتها.
لا نريد مغربًا تُمس فيه حرمة واستقلالية السلطة القضائية. ولا نريد مغربًا يسير بـ Un petit mot. ولا مغربًا “يُطحن” فيه مصير وحقوق صحافي مغربي بـ Un petit mot.
لكل ذلك، نريد من السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يقدم للرأي العام أجوبة واضحة وشافية، حول إقحام اسمه في هذه القضية وبالإيحاءات التي سمعناها. هل تمت الاستجابة لهذه “الخدمة القضائية” أم لا؟
نريد أن يطمئننا، وأن نسمع منه ضمانات بأن ما وقع لم يتجاوز تلك الغرفة التي تم فيها “طحن” الصحافي حميد المهداوي، والاستقواء عليه بقربٍ حقيقي أو مفترض بواسطة Un petit mot.
إن ما وقع هو توريط وإقحام للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في ملف معروض على القضاء. لا نملك الأجوبة عمّا حصل بعد ذلك. لذلك فمن حقنا طلب التوضيح، ومن واجب السيد عبد النباوي تقديم أجوبة للرأي العام.
الأمر لم يعد يتعلق بـ Un petit mot أو بعشرة أحرف، بل بسمعة جهاز بأكمله.
لا شيء يهزّ الثقة في العدالة مثل أن يُلوَّح فيها بـ”كليمة” عابرة، وكأن القضاء باب خلفي تُقضى عبره الحاجات بالهواتف والوساطات. ما سمعه المغاربة في فضيحة فيديو المهداوي لم يعد مجرّد زلة لسان، بل إنذار خطير يكشف كيف يمكن لكلمة واحدة أن تفتح باب الشك في نزاهة مؤسسة يفترض أن تكون فوق كل الشبهات.
حين يُقحم اسم الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في حديث رسمي ومداولة رسمية بين مسؤولين بالمجلس الوطني للصحافية، فذلك لم يعد “حادثة”، بل مسّ مباشر بهيبة القضاء، ومحاولة إلباسه دورًا لا يليق به. من هنا يبدأ السؤال الكبير لتلك “الكليمة” الصغيرة: هل باتت العدالة في هذا البلد تُدار بـ Un petit mot؟.

