حذر محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، من دخول المغرب مرحلة ديموغرافية حرجة تتسم بتراجع عدد الأطفال وارتفاع مؤشرات الشيخوخة. معتبرا أن المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تعكس تحولات بنيوية عميقة في الأسرة المغربية قد تؤثر مستقبلا على التوازن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
وأوضح بنزاكور في حوار مع “سفيركم”، أن عدد الأسر المغربية ارتفع من 7 إلى 9 ملايين أسرة. غير أن هذا الارتفاع يتسم بتراجع مقلق في عدد الأطفال، حيث أصبح متوسط عدد الأطفال لكل أسرة أقل من طفلين (1.9)، وهو ما اعتبره “مؤشرا سلبيا”، ينذر بتقلص قاعدة الهرم السكاني، أي فئة الشباب، مقابل توسع فئة المسنين. ما يعني أن المغرب يتجه تدريجيا نحو مجتمع الشيخوخة.
التضامن الأسري
وفي هذا السياق، نبه المتحدث إلى أن هذا التحول الديموغرافي لا تواكبه جاهزية كافية للمؤسسات الاجتماعية. مشيرا إلى أن بنية السكن المغربي، التي أصبحت تتسم بضيق المساحات، لم تعد قادرة على استيعاب الأسر الممتدة أو توفير شروط العيش الأسري المتكامل. فضلا عن استقبال كبار السن داخل نفس الفضاء الأسري.
وسجل بنزاكور أن التضامن الأسري في المغرب لم يختف، لكنه تحول إلى “تضامن رمزي” بدل أن يكون تضامنا فعليا، نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. ما يستدعي، حسب قوله، إعادة تفكير السياسات العمومية لضمان كرامة الأفراد وتعزيز الدفء الأسري. محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي حتى إلى تآكل هذا التضامن الرمزي.
ومن أبرز المؤشرات التي توقف عندها بنزاكور، تصريح أكثر من 55 في المائة من الشباب المغربي بعدم رغبتهم في الزواج، خاصة الذكور. وهو ما أرجعه إلى عوامل موضوعية، في مقدمتها الوضع الاقتصادي الصعب. حيث تبلغ نسبة البطالة حوالي 14 في المائة، 90 في المائة منها في صفوف حاملي الشهادات. ما يحد من قدرة الشباب على الاستقرار وتأسيس أسرة.
إلى جانب العامل الاقتصادي، أشار الأستاذ الجامعي إلى بروز نزعة فردانية متزايدة لدى الشباب. حيث لم يعد الزواج يمثل الهدف المركزي في مسار الحياة، كما كان في السابق. بل أصبح الاهتمام موجها نحو تحقيق الذات والسفر والاستمتاع بالحياة، وهو تحول مرتبط أيضا بالانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي والتجارب العالمية.
وفي ما يتعلق بالبنية الأسرية، أبرز بنزاكور تنامي ظاهرة الأسر أحادية المعيل (monoparentales)، نتيجة ارتفاع معدلات الطلاق التي تصل إلى حوالي 23 ألف حالة سنويا. لافتا إلى أن غالبية هذه الأسر تعيلها الأمهات، بحكم إسناد الحضانة لهن. ما يطرح تحديات اجتماعية وتربوية جديدة، خاصة في ظل غياب الدور الأبوي.
الولادة خارج الزواج
كما لم يخف المتحدث بروز ظاهرة الولادات خارج مؤسسة الزواج. معتبرا أنها مؤشر إضافي على التحولات القيمية التي يعرفها المجتمع المغربي، وتستدعي نقاشا عموميا حول مستقبل الأسرة.
وعلى المستوى النفسي، أكد بنزاكور أن تأخر سن الزواج، الذي يبلغ في المتوسط حوالي 33 سنة لدى الرجال، يفرز صعوبات في التأقلم داخل الحياة الزوجية، نتيجة ترسخ أنماط عيش فردية خلال سنوات العزوبة الطويلة. إضافة إلى غياب التأهيل النفسي والاجتماعي للزواج، وهو ما يجعل العديد من العلاقات الزوجية عرضة للفشل في سنواتها الأولى.
كما أرجع جزءا كبيرا من حالات الطلاق إلى غياب التفاهم والتواصل بين الأزواج. معتبرا أن الزواج في كثير من الأحيان يتم دون تقييم حقيقي لمدى التوافق النفسي بين الطرفين، ما يحوله إلى “مغامرة” غير محسوبة النتائج.
النساء المطلقات
وفي حديثه عن وضعية النساء المطلقات، شدد بنزاكور على أن التجارب تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية. غير أن التحدي الأكبر يظل مرتبطا بتربية الأطفال في غياب الأب. وما قد يترتب عن ذلك من اختلالات على المستوى النفسي والتربوي، إضافة إلى الضغوط الاجتماعية التي تمارسها المحيطات القريبة.
وخلص بنزاكور إلى أن هذه التحولات لا يمكن معالجتها بحلول ظرفية، بالنظر إلى أنها نتاج مسار امتد لعقود. مؤكدا أن الإشكال الأساسي يكمن في غياب سياسة عمومية شاملة لمواكبة الأسرة المغربية. داعيا إلى إرساء آليات للدعم تشمل الجوانب الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتعزيز الوساطة الأسرية، وتطوير خدمات رعاية الأطفال، بما يضمن استقرار الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع.

