في شهادة مؤثرة نشرها على صفحته الشخصية، عاد الصحراوي مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، الذي شغل مناصب قائد شرطة سابق بجبهة البوليساريو قبل أن ينشق عليها، الى واحدة من أكثر صفحات حياته وجعا، حين وجد نفسه في أكتوبر من سنة 1979 طفلا في العاشرة من عمره، يُقتاد من مدينة السمارة إلى مخيمات تندوف بالجزائر، رفقة نحو 750 صحراويا اختطفتهم ميليشيات البوليساريو بعد هجومها على المدينة.
يقول مصطفى سلمى: “قالوا إنهم حررونا، وكنت صغيرا لا أستوعب لغة الساسة، كل ما عرفته أني كنت أسكن بيتا إسمنتيا مع عائلتي، ثم وجدت نفسي أسكن خيمة وسط بحر من الخيام في أرض لا أعرفها، وقد فقدت والدي وأختيّ الكبرى والصغرى…”
يحكي أنه بعد أكثر من شهرين من الاحتجاز، جاءتهم شاحنة حملته رفقة شقيقه إلى مدرسة داخلية تبعد نحو أربعين كيلومترا عن المخيم، تدعى “مدرسة 9 يونيو”، كانت أقرب إلى معسكر جماعي يضم مئات الأطفال الذين جرى فصلهم عن أسرهم تحت ذريعة “التربية الثورية”.
ويصف مصطفى سلمى تلك المرحلة قائلا: “كانت حياتنا مضبوطة بالجرس والصفارة… تعلمنا متى نستيقظ ومتى ننام، متى نأكل ومتى نصطف تحت العلم، وكان من المستحيل تمييز صديق بين مئات الأطفال بزي رمادي موحد…”
في شهادته، يعيد مصطفى سلمى فتح جرح آلاف الصحراويين الذين عاشوا تجربة مشابهة، إذ اقتيد الكثير منهم من مدن الصحراء إلى مخيمات تندوف قسرا، في ظروف وصفتها منظمات حقوقية بأنها احتجاز جماعي خارج القانون الدولي.
وتأتي هذه الشهادة ضمن سلسلة يكتبها بعنوان “كيف وجدتني عالقا بين الحدود”، يسرد فيها تفاصيل طفولته، وحياة المخيمات، وكيف كبر بين الشعارات السياسية والمصير المجهول، قبل أن يتمكن لاحقا من العودة إلى المغرب ويفضح ما جرى داخل المخيمات.
وتحمل قصة مصطفى سلمى اليوم رسالة إنسانية وسياسية في آن، تلخص معاناة جيل كامل عاش طفولته بين الأسلاك والخيام، لا لذنب سوى أنه ولد في أرض تنازعتها السياسة، وضاعت بين حدود لم يخترها.

