يعيش سد المسيرة، أحد أكبر وأهم السدود بالمغرب والمزود الرئيسي لمدينة الدار البيضاء ومناطق واسعة من دكالة وعبدة، وضعا مائيا مقلقا، بعدما لم تتجاوز نسبة ملئه عتبة أربعة في المائة، وهي من أدنى المستويات المسجلة في تاريخه، رغم التساقطات المهمة التي عرفها المغرب في الآونة الأخيرة.
هذا الوضع يعكس بوضوح حجم الضغوط التي يواجهها حوض أم الربيع، في ظل تداخل عوامل مناخية وبشرية زادت من حدة الإجهاد المائي.
ويعزى هذا التراجع الحاد أساسا إلى توالي سنوات الجفاف، التي أثرت بشكل مباشر على الواردات المائية للسد، نتيجة الانخفاض الكبير في التساقطات المطرية على مستوى الحوض.
فالأمطار التي كانت تشكل المورد الأساسي لتجديد المخزون المائي باتت غير كافية، سواء من حيث الكمية أو الانتظام الزمني، ما قلص قدرة السد على الاستفادة من الفترات المطرية المحدودة.
إلى جانب العامل المناخي، يواجه سد المسيرة ضغطًا متزايدا بفعل الطلب المرتفع على المياه، إذ يضطلع بدور محوري في تزويد الملايين من السكان بالماء الصالح للشرب، فضلا عن تلبية حاجيات مساحات فلاحية شاسعة تعتمد بشكل كبير على مياه السقي.
هذا الطلب المتنامي، في مقابل موارد محدودة، يسرّع وتيرة استنزاف المخزون المتبقي.
كما أسهم ضعف الواردات المائية، مقارنة بالسنوات العادية، في تعميق العجز المسجل، حيث لم تعد الكميات الوافدة إلى السد قادرة على تعويض ما يستهلك يوميا.
ويضاف إلى ذلك استمرار أنماط الاستهلاك غير الرشيد، خصوصا في المجال الفلاحي، ما يزيد من الضغط على الموارد المائية المتاحة في ظرفية تتسم بندرة حادة.
أمام هذا الوضع، لجأت السلطات العمومية إلى اعتماد مجموعة من الحلول والإجراءات الاستراتيجية للحد من تداعيات الأزمة.
وفي مقدمة هذه الحلول، مشروع الربط بين الأحواض المائية، من خلال تحويل المياه من حوض سبو مرورا بأبي رقراق نحو حوض أم الربيع، بهدف دعم سد المسيرة وتخفيف العجز المسجل.
كما تم تسريع وتيرة إنجاز مشاريع تحلية مياه البحر، خاصة بمحطتي آسفي والجديدة، لتوفير موارد بديلة للماء الصالح للشرب وتقليص الاعتماد على السدود.
إلى جانب ذلك، جرى اعتماد تدبير أكثر صرامة للموارد المائية، عبر تقليص كميات المياه المخصصة للسقي، وتشديد المراقبة للحد من التبذير والاستعمال غير المشروع.
وفي السياق ذاته، يتم اللجوء إلى استغلال المياه الجوفية بشكل مدروس لسد جزء من الخصاص، مع التأكيد على ضرورة حمايتها من الاستنزاف المفرط.
ويبرز وضع سد المسيرة، بما يحمله من مؤشرات مقلقة، حجم التحديات التي تواجه الأمن المائي بالمغرب، ويؤكد الحاجة إلى تسريع الانتقال نحو نموذج مستدام في تدبير الموارد المائية، يقوم على التنويع، والترشيد، والتأقلم مع التغيرات المناخية المتسارعة.

