فتحت المفتشية العامة للمالية تحقيقات موسعة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، بعدما كشفت معطيات أولية شبهات تزوير وثائق استُعملت للفوز بصفقات وسندات طلب بمبالغ ضخمة. وسط مؤشرات على وجود تواطؤ داخلي مكّن شركات من الهيمنة على الطلبيات العمومية خلال السنوات الأخيرة.
وشملت عمليات التدقيق، في مرحلتها الأولى، عينة من 11 مؤسسة ومقاولة عمومية، بعدما توصلت مصالح التفتيش بتقارير رقابة داخلية وشكايات من شركات تحدثت عن إقصائها من طلبات عروض بطرق “غير شفافة”. واعتمد المفتشون على مراجعة عشرات الملفات المرتبطة بصفقات أُبرمت خلال السنوات الأربع الماضية. مع التركيز على محاضر لجان فتح الأظرفة ودراسة العروض، إضافة إلى وثائق موقعة من آمرين بالصرف سمحت بالإفراج عن اعتمادات مالية كبيرة لفائدة شركات يشتبه في عدم استحقاقها لتلك الصفقات.
تدقيق في الضمانات البنكية والتصريحات الاجتماعية
وكشفت النتائج الأولية للتحقيقات وجود تناقضات وصفت بـ”الصارخة” بين المعطيات التي صرحت بها شركات فائزة بصفقات عمومية، وبين بيانات صادرة عن مؤسسات بنكية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمديرية العامة للضرائب، وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
وتركزت الشبهات حول استعمال ضمانات بنكية ووثائق جبائية وتصريحات بأجراء اعتُبرت “مشبوهة”. استُعملت ضمن ملفات الترشح لطلبات العروض وسندات الطلب.
وامتدت التحقيقات أيضا إلى فحص شهادات جودة وتسوية ضريبية وشهادات خبرة وصفقات مرجعية. يشتبه في تزويرها أو توظيفها بشكل مضلل داخل ملفات المنافسة على الصفقات العمومية.
شركات استغلت ثغرات منظومة التحقق
كما أظهرت المعطيات المتوفرة أن بعض الشركات المتورطة لم تكتف بالوثائق المطلوبة ضمن دفاتر التحملات. بل عمدت إلى الإدلاء بوثائق إضافية غير مطلوبة أصلا. وذلك بهدف تعزيز مصداقية عروضها أمام لجان الصفقات وترجيح كفتها في المنافسة.
وركزت هذه الممارسات، بحسب المعطيات نفسها، على صفقات متوسطة القيمة مرتبطة بأشغال التهيئة والتجهيزات الدقيقة. وهي قطاعات تعتمد عادة على تعدد الشهادات والوثائق التقنية. ما جعلها مجالا مناسبا لاستغلال ضعف آليات التحقق من صحة المعطيات المقدمة.
كما رصد المفتشون ما وصفته المصادر بـ”أساليب محكمة” اعتمدتها بعض الشركات لتضليل لجان الصفقات. عبر استعمال وثائق مزورة ونسج علاقات مشبوهة مع مسؤولين بأقسام المشتريات والطلبيات داخل مؤسسات عمومية.
شبهات تواطؤ داخل مؤسسات عمومية
وتوسعت أبحاث المفتشية العامة للمالية لتشمل فرضية وجود تواطؤ بين مسؤولين عموميين وأرباب شركات مهيمنة على الصفقات، بعدما تبين تجاهل ملاحظات صادرة عن لجان الترشح والتنقيط.
وتحدثت المعطيات ذاتها عن وجود إشارات سابقة داخل بعض الملفات إلى تورط شركات معينة في تزوير شهادات مرتبطة بصفقات مع إدارات عمومية، غير أن تلك الملاحظات لم تمنع استمرار حصولها على طلبيات جديدة.
ويأتي ذلك في وقت يتيح فيه المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، خاصة المادة 152 منه، إمكانية الإقصاء المؤقت أو النهائي من الصفقات العمومية لكل شركة يثبت تورطها في تقديم تصريحات غير صحيحة أو وثائق مزورة، أو ارتكاب أعمال غش أو رشوة ومخالفات متكررة لشروط العمل.

