بقلم: نجوى الشادلي*
عرفت وضعية المرأة المغربية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة، سواء على مستوى حضورها في الفضاء العام أو على مستوى مساهمتها في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فقد أصبحت المرأة اليوم فاعلا أساسيا داخل المجتمع، تعمل في الإدارة والمقاولة والمدرسة والمستشفى والمصنع، وتتحمل في الوقت نفسه مسؤوليات الأسرة والتربية والتدبير اليومي لشؤون البيت.
غير أن هذا الحضور الواسع والمكثف لا يزال يقابله ضعف واضح في تمثيلية النساء داخل مراكز القرار، سواء على مستوى الأحزاب السياسية أو النقابات أو في مواقع القيادة داخل عدد من المؤسسات.
هذا التفاوت بين حجم المساهمة الفعلية للمرأة في المجتمع، وبين حضورها المحدود في مواقع القرار يعكس استمرار بعض العقليات التقليدية، التي لم تستوعب بعد التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، فبالرغم من أن المرأة أثبتت كفاءتها في مختلف المجالات، ما تزال بعض الصور النمطية القديمة، تحاول حصر دورها في وظائف محددة أو التقليل من قدرتها على تحمل المسؤوليات الكبرى.
لقد خاضت المرأة المغربية نضالا طويلا، من أجل تجاوز تلك الوضعية القديمة التي كانت تسجنها، داخل أدوار تقليدية ضيقة، حيث كان ينظر إليها أساسا باعتبارها مسؤولة عن البيت والأعمال المنزلية فقط، ومع مرور الزمن، استطاعت الحركة النسائية، ومعها العديد من القوى الديمقراطية داخل المجتمع أن تفتح نقاشا واسعا حول ضرورة إنصاف المرأة وإقرار قوانين تضمن حقوقها الأساسية، سواء في العمل أو في المشاركة السياسية أو في تحمل المسؤولية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
وقد شكل دستور سنة 2011 محطة مهمة في هذا المسار، حيث نص بوضوح على مبدأ المساواة بين النساء والرجال، وعلى السعي إلى تحقيق المناصفة، إضافة إلى التنصيص على مجموعة من الحقوق المرتبطة بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في النصوص، بل في مدى تفعيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، وفي ملاءمة القوانين والسياسات العمومية مع روح الدستور ومع تطلعات المرأة المغربية.
ومن بين القضايا التي أصبحت اليوم تطرح بإلحاح في إطار هذا النقاش، قضية العدالة الاجتماعية داخل منظومة الحماية الاجتماعية، وخاصة ما يتعلق بحقوق المرأة العاملة وحقوق أبنائها، فالكثير من النساء المغربيات يعملن لسنوات طويلة في مختلف القطاعات، ويساهمن باقتطاعات شهرية في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، تماماً كما يفعل الرجل، غير أن بعض المقتضيات القانونية، ما تزال لا تضمن في جميع الحالات استفادة أبنائهن من معاشاتهن أو تعويضاتهن بعد وفاتهن، بنفس الكيفية التي يستفيد بها أبناء الرجل.
إن هذا الوضع يطرح سؤالا أساسيا يتعلق بمبدأ العدالة والمساواة، داخل منظومة الحماية الاجتماعية، فالأم العاملة التي أفنت سنوات من عمرها في العمل وخدمة المجتمع، والتي ساهمت بانتظام في تمويل صناديق التقاعد، عبر الاقتطاعات من راتبها، ومن الطبيعي أن يتمتع أبناؤها بنفس الحقوق التي يتمتع بها أبناء الرجل بعد وفاته، فهذه الأموال ليست منحة أو امتيازا تمنحه الدولة، بل هي حقوق ناتجة عن مساهمة فعلية للمرأة في منظومة الحماية الاجتماعية.
لذلك أصبح من الضروري اليوم إعادة النظر في عدد من المقتضيات القانونية، التي لا تزال تعكس تصورات قديمة لدور المرأة داخل الأسرة والمجتمع، فواقع المجتمع المغربي تغير بشكل كبير، وأصبحت هناك آلاف النساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن بشكل كامل، سواء بسبب الطلاق أو الترمل أو غياب الزوج.
وتزداد أهمية هذا النقاش بشكل خاص في حالة المرأة العاملة أو الموظفة المطلقة، التي تعيش بدون زوج وتعيل أبناءها بمفردها، فهذه الفئة من النساء تتحمل أعباء مزدوجة؛ فهي من جهة تشتغل وتساهم في الاقتصاد الوطني، ومن جهة أخرى تتحمل مسؤولية التربية والإعالة اليومية لأطفالها، وفي مثل هذه الحالات، يصبح من غير المنطقي أن لا يستفيد أبناؤها من تعويضاتها أو معاشها في حالة وفاتها، رغم أنها أدت طوال سنوات عملها الاقتطاعات القانونية نفسها التي يؤديها الرجل.
إن ضمان استفادة أبناء المرأة العاملة أو الموظفة المطلقة ، من معاش أمهم بعد وفاتها يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية داخل منظومة الحماية الاجتماعية، فهذا الحق لا يتعلق فقط بإنصاف المرأة، بل يتعلق أيضا بحماية الأطفال وضمان استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي بعد فقدانهم لأحد أهم مصادر العيش، وهو الأمر الذي ينسحب كذلك عن النقاش الذي أثير سابقا عن أحقية استفادة الوالدين من التعويضات العائلية للإبن المؤمن.
فالأطفال الذين تفقدهم الوفاة أمهم العاملة، لا يجب أن يجدوا أنفسهم في وضعية هشاشة إضافية بسبب فراغ قانوني أو بسبب تصورات قديمة لم تعد تتناسب مع واقع المجتمع. بل على العكس من ذلك، يفترض أن تكون منظومة الحماية الاجتماعية سنداً لهم في تلك اللحظة الصعبة، عبر ضمان حقهم في الاستفادة من معاش أمهم أو من التعويضات المرتبطة بعملها.
إن تحقيق هذه المساواة لا يشكل امتيازا خاصا لفائدة النساء، بل هو ببساطة تطبيق لمبدأ العدالة والمساواة، الذي ينص عليه الدستور، ويعكس التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، فحين تؤدي المرأة نفس الواجبات المهنية والقانونية التي يؤديها الرجل، فمن الطبيعي أن تتمتع هي وأبناؤها بنفس الحقوق دون تمييز.
لذلك فإن استمرار النضال من أجل تعديل بعض القوانين المرتبطة بالحماية الاجتماعية والتقاعد، يظل جزءا أساسيا من معركة المرأة المغربية من أجل العدالة والإنصاف، فالمجتمع الذي يعترف بحقوق النساء بشكل كامل، ويضمن الحماية الاجتماعية لأسرهن وأطفالهن، هو مجتمع يسير بثبات نحو تحقيق التنمية والكرامة الإنسانية للجميع
وفي النهاية، فإن إنصاف المرأة في هذا المجال لا يعني فقط إنصاف نصف المجتمع، بل يعني أيضا بناء نظام اجتماعي أكثر عدلا وتوازنا، يعترف بجهود المرأة وتضحياتها، ويضمن لأبنائها نفس الحقوق التي يتمتع بها أبناء الرجل، دون تمييز أو انتقاص. لأن العدالة الاجتماعية الحقيقية تبدأ حين تصبح الحقوق متساوية، والكرامة مصونة، والقانون منصفا للجميع.
*فاعلة نقابية وحقوقية وسياسية

