شكلت الدورة الثامنة عشرة لمعرض الفلاحة بمكناس أو “الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب”، المنظمة تحت شعار “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية”. محطة بارزة جمعت بين الرهانات الاستراتيجية الكبرى للقطاع الفلاحي، والتعاون الدولي، والابتكار المؤسساتي، إلى جانب إبراز التميز المهني في سلاسل الإنتاج الحيواني. وذلك من خلال سلسلة من الاتفاقيات واللقاءات رفيعة المستوى والأنشطة الميدانية.
مستجدات الدورة
في واجهة أبرز مستجدات هذه الدورة، برز التوقيع على اتفاقية انضمام وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات إلى برنامج “DATA-TIKA”، بشراكة مع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. كخطوة مؤسساتية تروم إدماج حماية المعطيات الشخصية في صلب التحول الرقمي للقطاع الفلاحي. وتندرج هذه المبادرة في إطار تنزيل مقتضيات القانون 09.08. حيث تسعى إلى مواكبة الفاعلين الفلاحيين لضمان الامتثال القانوني. من خلال إحداث قطب متخصص يُعنى بخصوصيات القطاع. ويقدم دعما ميدانيا لتبسيط المساطر وتعزيز الممارسات المهنية المسؤولة، بما يكرس حماية المعطيات كرافعة للثقة والاستثمار.

وعلى المستوى الدولي، احتضن المعرض ندوة رفيعة المستوى حول “الإنتاج الحيواني وتحول النظم الغذائية”، شكلت فضاء استراتيجيا لتبادل الرؤى بين صناع القرار والخبراء الدوليين. وقد أكدت هذه الندوة أن التحولات العميقة التي تعرفها النظم الغذائية العالمية. في ظل التغيرات المناخية والضغط على الموارد الطبيعية وتقلبات الأسواق، تفرض إعادة هيكلة سلاسل الإنتاج الحيواني وفق مقاربات مستدامة. وفي هذا السياق، تم التأكيد على الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع، الذي يساهم بحوالي 35% من الناتج الداخلي الفلاحي. ويوفر مصدر عيش لنحو 1.2 مليون مربي. فضلا عن إحداثه لما يقارب 135 مليون يوم عمل سنويا. كما خلصت النقاشات إلى ضرورة تطوير الأعلاف المستدامة، وتحديث الضيعات، وتحسين السلالات، وتعزيز تنظيم السلاسل الإنتاجية لمواكبة التحولات العالمية.
شراكات دولية
وفي سياق تعزيز الشراكات الدولية، احتضنت مكناس أشغال اللجنة الفلاحية المشتركة المغربية-الفرنسية، التي مثلت محطة جديدة في مسار التعاون الاستراتيجي بين البلدين. وقد مكن هذا اللقاء من تقييم حصيلة خارطة الطريق السابقة. وتحديد أولويات التعاون للفترة 2026-2027. خاصة في مجالات التعليم والتكوين، والبحث العلمي، والسلامة الصحية، وتنمية سلاسل الإنتاج. كما تم التركيز على قضايا حيوية مرتبطة بالإنتاج الحيواني، من قبيل إعادة تكوين القطيع، والتحسين الوراثي، وتطوير الموارد العلفية. في أفق تعزيز صمود الأنظمة الفلاحية أمام التحديات المناخية والاقتصادية.

وامتدت أبعاد المعرض إلى العمق الإفريقي، من خلال احتضان المؤتمر الوزاري السادس لمبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية (AAA). الذي تزامن مع الذكرى العاشرة لإطلاق هذه المبادرة. وقد شكل هذا الحدث منصة قارية لتقييم حصيلة عقد من العمل المشترك، واستشراف آفاق التكيف الفلاحي في ظل التغيرات المناخية. وأجمع المشاركون، من وزراء وخبراء ومؤسسات دولية، على أن التكيف الفلاحي بات ضرورة استراتيجية لضمان السيادة الغذائية والاستقرار الاقتصادي في إفريقيا. في ظل فجوة تمويلية تقدر بنحو 61 مليار دولار سنويا. كما تم اعتماد “إعلان مكناس”، الذي يجسد التزاما جماعيا بجعل التكيف الفلاحي أولوية قارية، مع تعزيز التعاون جنوب-جنوب وتنسيق الجهود في المحافل الدولية المقبلة.

الإنتاج الحيواني
وبالتوازي مع هذه الدينامية المؤسساتية والدبلوماسية، برز البعد المهني والتقني بقوة من خلال تنظيم سلسلة من المباريات الوطنية لاختيار أفضل رؤوس الماشية، والتي بلغ عددها 71 مباراة، بمشاركة أكثر من 237 مربيا يمثلون مختلف سلاسل الإنتاج الحيواني. وقد توزعت هذه المشاركة بين مربي الأبقار الحلوب واللحوم، والأغنام والماعز، إضافة إلى الإبل، فيما بلغ عدد الرؤوس المعروضة داخل رواق المواشي حوالي 669 رأسا. وأشرفت على هذه المنافسات لجان تقنية وطنية ودولية اعتمدت معايير دقيقة لتقييم الجودة وتحسين السلالات. مع تخصيص جوائز تحفيزية للفائزين، في خطوة تروم تعزيز التميز المهني وتشجيع الممارسات الفضلى في مجال تربية الماشية.

وتعكس هذه الدورة، من خلال تنوع محاورها وتكامل أبعادها، تحول الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس إلى منصة استراتيجية لصياغة السياسات الفلاحية، وتعزيز التعاون الدولي. ومواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع. كما تؤكد مكانة المغرب كفاعل إقليمي وقاري في بلورة حلول مبتكرة لفلاحة أكثر استدامة وقدرة على الصمود في مواجهة التحديات المستقبلية.

