بقلم: أشرف بولمقوس – باحث في القانون الدستوري و العلوم السياسية
أن تُحاط المشاورات الجارية حول ملف الصحراء بقدرٍ عالٍ من التكتم الرسمي، ليس مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل مؤشر سياسي قائم بذاته. هذا الغموض المنظَّم يوحي بأن الفاعل الدولي المركزي في هذه المرحلة، أي الولايات المتحدة، لا يتحرك بمنطق جسّ النبض أو إدارة الوقت، بل وفق تصور دقيق المعالم، مضبوط الشروط، ومفصل الأدوات. نحن، على ما يبدو، أمام مقاربة أمريكية تشتغل بهدوء، ولكن وفق هندسة سياسية وقانونية معدّة سلفاً، حيث لا يُترك الكثير للصدفة.
ورغم شحّ المعطيات الرسمية، فإن ما تسرب إلى المجال الإعلامي والسياسي يسمح برصد ثلاثة مؤشرات أساسية:
أولها أن الاجتماعات لا تدور حول “حلول كبرى” أو “خيارات سيادية متنافسة”، بل تهم بالأساس الجوانب الفنية والتقنية للورقة المغربية المفصلة حول الحكم الذاتي، والتي يقال إنها تمتد على نحو أربعين صفحة. وهذا يعني أن النص المغربي لم يعد يُتعامل معه كشعار سياسي عام، بل كمقترح مؤسساتي قابل للفحص، والتدقيق، وإعادة الصياغة الجزئية من حيث الهندسة الدستورية والوظيفية.
المؤشر الثاني، يمكن رصده عبر المتداول في بعض الصحافة الإسبانية، بحيث الاخبار عن احتمال الاتجاه نحو إحداث لجنة فنية أو تقنية تضم ممثلين عن مختلف الأطراف. وإذا صحّ هذا المعطى، فنحن نكون أمام انتقال من منطق اللقاءات السياسية العامة إلى ورش تقني شبه دائم، يشتغل على التفاصيل الدقيقة للاختصاصات، والمؤسسات، وآليات الضمان، والعلاقة بين المركز والجهة.
أما المؤشر الثالث، وهو المستنتج من الأول والثاني معاً، فيتعلق بما يمكن تسميته بـ“حرب المصطلحات” أو “حرب التكييفات القانونية”. فعندما نغادر منطق الشعارات الكبرى وندخل منطقة الصياغات الدقيقة، يصبح كل لفظ محسوب، وكل توصيف قانوني مجال للمناورة. هنا لن يكون الصراع حول “هل نوافق على حكم ذاتي أم لا؟”، بل حول: ما معنى الحكم الذاتي تحديداً؟ ما حدوده؟ ما طبيعته القانونية؟ ما موقعه داخل بنية الدولة؟ إنها معركة اللغة، لكنها في العمق معركة السلطة والاختصاص والتأويل المستقبلي.
في هذا السياق، يصبح من الضروري توضيح مسألة منهجية أساسية: لا يمكن توصيف الدينامية الجارية، خصوصاً في مدريد، باعتبارها مفاوضات سياسية مفتوحة حول الوضع النهائي للصحراء. الأدق هو الحديث عن مسار مشاورات سياسية وتقنية يندرج في إطار تدقيق وتحيين مقترح الحكم الذاتي المغربي، على حد ما يبدو إلى حدود اللحظة.
الفارق بين التوصيفين جوهري. فالمفاوضات، في معناها الكلاسيكي، تفترض تكافؤاً تفاوضياً بين أطراف تتداول بشأن خيارات متعددة ومفتوحة، وقد تفضي إلى صيغ متباينة أو حتى متعارضة. أما ما يجري حالياً، فيتحرك داخل أرضية مرجعية محددة سلفاً: مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. بمعنى آخر، النقاش لا يدور حول مبدأ السيادة أو طبيعة الانتماء القانوني للإقليم، بل حول ما يمكن تسميته بـ“تثبيت النقاط على الحروف”: ضبط التفاصيل المؤسساتية، توضيح الجوانب العملية والسياسية، مناقشة الآليات، الضمانات، وكيفيات التفعيل. نحن أمام عملية صقل لنموذج قائم، لا أمام ورشة تأسيس لنموذج بديل.
وبهذا المعنى، تبدو الدينامية الجارية أقرب إلى مسار يروم جعل المقترح المغربي أكثر قابلية للتسويق الدولي، وأكثر وضوحاً من حيث الهندسة المؤسساتية، لا إلى مسار تفاوضي يعيد فتح الأسئلة التأسيسية للنزاع من نقطة الصفر.
انطلاقاً من هذا التمييز، يبرز سؤال غاية في الأهمية و يهم كل المغاربة و التجربة المغربية تماما كقضية الصحراء : هل يمكن القول إننا نتجه نحو نوع من الملكية البرلمانية في الصحراء المغربية؟ أو بصيغة أخرى: هل يقود تفعيل الحكم الذاتي إلى ملكية برلمانية؟
علمياً وسياسياً، العلاقة بين المفهومين ليست علاقة سببية ولا شرطية. تفعيل الحكم الذاتي في الصحراء لا يقود في حد ذاته إلى تحويل النظام السياسي المغربي إلى ملكية برلمانية، لأن طبيعة النظام الملكي تُحسم على مستوى الدستور وبنية السلطة المركزية، لا على مستوى تنظيم إقليم بعينه، كما ان شكل النظام السياسي مسألة وطنية شاملة، تتعلق بتوازن السلط في المركز، وبموقع الملك داخل النسق الدستوري العام.
وفي المقابل، الحكم الذاتي لا يشترط وجود ملكية برلمانية حتى يكون قابلاً للتطبيق. فالتجارب المقارنة تُظهر أن صيغ الحكم الذاتي وُجدت داخل أنظمة ملكية تنفيذية، وأنظمة جمهورية رئاسية، وأنظمة شبه رئاسية، دون أن يكون شكل النظام السياسي على المستوى الوطني محدِّداً حصرياً لإمكانية قيام حكم ذاتي.
الأقرب إلى المنطق الدستوري والسياسي على الأقل المغربي، هو أن ما يجري التفكير فيه بالنسبة للصحراء يتمثل في إدراج نموذج حكم ذاتي موسع داخل النظام بشكله وطبيعته الحالية، بغض النظر عن الجدل النظري حول مدى اقتراب النظام المغربي ككل من نموذج الملكية البرلمانية.
لا يمكن اهمال فرضية هامة في هذا الصدد، و هو أن الممارسة السياسية والمؤسساتية بعد تفعيل حكم ذاتي قد تسهم، على المدى البعيد، في الدفع نحو مزيد من عقلنة توزيع السلطة وتعزيز منطق المسؤولية السياسية، وهو ما قد يُغذي نقاشاً أوسع حول تطور في هذا الباب . لكن هذا يبقى أثراً غير مباشر ومشروطاً، لا نتيجة حتمية ولا مساراً آلياً.
وعليه، فالأدق القول إن مسار تدقيق الحكم الذاتي بالصحراء يتحرك في أفق لامركزية سياسية متقدمة داخل الدولة المغربية، لا في أفق إرساء ملكية برلمانية، ولا باعتباره خطوة حتمية نحو تحويل النظام السياسي برمته. نحن أمام إعادة توزيع عمودي للاختصاصات داخل الدولة، لا أمام إعادة تأسيس أفقية لطبيعة النظام.

