أكد أكاديميون وباحثون في الدراسات الأندلسية، اليوم الجمعة بالرباط، أن العلاقة بين الكتابة والعمارة في الأندلس تتجاوز الوظيفة المادية للمباني، لتتحول إلى فضاء وجداني ناطق يحتضن الإبداع الأدبي. وأوضح المشاركون في ندوة احتضنها المعرض الدولي للنشر والكتاب. أن المعمار الأندلسي شكل وعاءً مادياً حاملاً للنقوش والكتابات الفنية التي توثق لذاكرة المكان.
قصور الحمراء ودواوين الشعر الحية
وأفاد الباحث الأكاديمي والخبير في الدراسات الأندلسية، محمد العمارتي، بأن قصور الحمراء بغرناطة لا تمثل صرحاً معمارياً فحسب، بل هي “دواوين شعرية حية”. وذكر أن النوافذ والأسوار والقباب والنافورات تحولت إلى فضاء يحتضن زخارف على شكل أبيات شعرية ونصوص وأدعية، تعكس الذاكرة الوجدانية والتاريخية.
كما شدد العمارتي على أن دراسة هذه النقوش حظيت باهتمام واسع من المستعربين الإسبان، عبر مراحل بدأت بالتوثيق اللغوي لحفظ الذاكرة. وصولاً إلى الدراسات الجمالية الحديثة التي توظف التكنولوجيا لربط جمالية الخطوط بالبناء. وأشار إلى أن النص الشعري كان يتفاعل هندسياً مع بنية المعمار ليصبح جزءاً من الهوية البصرية والروحية للمكان.
براعة الخلق في “الجدران الناطقة”
من جانبه، استعرض الباحث في الدراسات الأندلسية، السعيد الدريوش، مفهوم “الجدران الناطقة”. مبرزاً قدرة الشاعر الغرناطي على التجديد عبر نقش القصائد على الحجر والرخام والخشب. وأكد أن المبدعين الأندلسيين وظفوا الخطوط العربية كأداة زخرفية قائمة بذاتها. بل وصل الأمر إلى الرسم بالأشعار والتطريز بالكلمات على الأقمشة.
كما ذكر الدريوش أن هذه الأنماط الجمالية كانت محكومة بأبعاد روحية تهدف لتخليد الأمجاد الحضارية. مشيراً إلى قصائد رواد الشعر الأندلسي التي زاوجت بين الاحتفاء بالفضاء والبعد الروحي. كما لفت إلى ظاهرة إضفاء الطابع الإنساني على الجماد. حيث تنطق الجدران بلسان المتكلم عبر القصائد. مما يمنح الفضاء المعماري روحاً تتفاعل مع الزائر.
إشعاع دولي بمعرض الكتاب
ويأتي تنظيم هذه الندوة في إطار فعاليات الدورة الـ 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، المنظم تحت الرعاية الملكية. ويشهد المعرض مشاركة واسعة تصل إلى 891 عارضاً (321 عارضاً مباشراً و570 غير مباشر)، يمثلون المغرب و60 بلداً من مختلف قارات العالم. مما يجعله منصة دولية لتدارس قضايا الفكر والثقافة والعمارة في الأندلس.

