سجل تصنيف حرية الصحافة لسنة 2026، الصادر عن مراسلون بلا حدود، تراجعا غير مسبوق، حيث بلغ مستوى الحريات الإعلامية أدنى نقطة له منذ 25 عاما. في مؤشر يعكس تحولات مقلقة على الصعيد العالمي.
وللمرة الأولى منذ إطلاق هذا التصنيف، أدرج أكثر من نصف دول العالم ضمن الفئات التي يوصف فيها وضع حرية الصحافة بـ”الصعب” أو “الخطير للغاية”. ما يؤكد اتجاها متصاعدا نحو تقييد العمل الصحفي وتقويض الحق في الوصول إلى المعلومات، حتى داخل عدد من الديمقراطيات العريقة.
أكبر انتكاسة
ويعزى هذا التراجع، وفق التقرير، إلى التوسع الملحوظ في الترسانة القانونية المقيدة. خصوصا في سياق تنامي سياسات الأمن القومي. حيث شهد المؤشر القانوني أكبر انتكاسة هذا العام. بما يعكس توجها متزايدا نحو تجريم الممارسة الصحفية وتشديد الرقابة على وسائل الإعلام.
وفي هذا السياق، أكد محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير (حاتم) أن تحسن ترتيب المغرب في تصنيف حرية الصحافة لسنة 2026 لا يعكس تقدما حقيقيا. بل يعود أساسا إلى تراجع محيطه الإقليمي والدولي. مؤكدا أن وضع حرية الإعلام في المملكة ما يزال “صعبا” وفق المعايير الدولية.
وضع صعب
وأوضح العوني، في تصريح لـ”سفيركم”، أن المعطيات التي قدمها تقرير مراسلون بلا حدود تظهر أن أكثر من نصف دول العالم انتقلت إلى وضع “صعب” أو “خطير جدا”. وهو ما انعكس على ترتيب عدد من الدول، من بينها المغرب، دون أن يعني ذلك تحسنا جوهريا في واقع الحريات. وربط هذا التوجه بتداعيات “الثورات المضادة” في المنطقة العربية. وتأثيرات النزاعات الدولية، من الحرب على غزة إلى الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى تحولات سياسية دولية.
وسجل المتحدث تراجع عدد من الدول المغاربية، من بينها تونس والجزائر، مقابل تقدم موريتانيا في التصنيف، مشيرا إلى أن هذه التحولات الإقليمية أعادت تشكيل موقع المغرب دون أن تغير من طبيعته. التي ما تزال، حسب تعبيره، ضمن خانة الدول ذات الوضع الصعب في حرية الإعلام.
احتكار الإعلام العمومي
وفي تشخيصه للوضع الداخلي، أبرز العوني أن التقرير لم يأخذ بعين الاعتبار عددا من الإشكالات البنيوية، من بينها احتكار الإعلام العمومي، واتساع الفجوة بينه وبين المواطنين الممولين له. فضلا عن “التضييق المتزايد” على حرية التعبير، خصوصا في الفضاء الرقمي. كما انتقد ما وصفه بتجاهل مؤشرات التقرير لمسألة “الوصاية” على التنظيم الذاتي للقطاع، في ظل استمرار الجدل حول مشاريع قوانين أثارت احتجاجات واسعة في صفوف الصحفيين.
وأشار رئيس “حاتم” إلى أن المؤشرات المعتمدة، رغم دقتها في بعض الجوانب، تظل عامة ولا تعكس بشكل كاف واقع الانتهاكات والتضييقات التي ترصدها منظمته. خاصة تلك المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين، التي وصفها بـ”الهشة وغير المقبولة”. مضيفا أن هذه الهشاشة أفقدت المهنة جاذبيتها لدى الشباب.
كما توقف العوني عند تنامي ظاهرة الرقابة الذاتية. معتبرا أنها نتيجة اتساع “الخطوط الحمراء” التي أصبحت، حسب تعبيره، “أكثر غلظة”. وهو ما يؤثر على الممارسة المهنية ويحد من استقلالية التحرير. وفي السياق ذاته، حذر من تراجع التعددية الإعلامية. مشيرا إلى أن عددا من وسائل الإعلام باتت تقترب من تبني خط تحريري موحد.
وعلى صعيد آخر، شدد المتحدث على أن استمرار تسجيل تراجعات في مؤشرات حرية الصحافة، خاصة في الأقاليم الجنوبية، يظل “غير مقبول” في ظل التحولات السياسية والدبلوماسية التي يشهدها المغرب. داعيا إلى معالجة هذه الاختلالات بما ينسجم مع طموحات الانتقال الديمقراطي.
متابعة الصحفيين
وفي تقييمه لأسباب التحسن النسبي في ترتيب المغرب، أوضح العوني أن ذلك يعود أساسا إلى جهود “محدودة” تقودها بعض المقاولات الإعلامية. وإلى صمود عدد من الصحفيين، مشيرا في المقابل إلى أن الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، عززت سيطرتها على القطاع. إلى جانب لجوء مسؤولين حكوميين، من بينهم وزير العدل، إلى متابعة صحفيين أمام القضاء.
وشدد العوني على أن أي تقدم في التصنيف يظل إيجابيا من حيث المبدأ، لكنه لا يجب أن يحجب الحاجة إلى إصلاحات عميقة، تمكن المغرب من الارتقاء إلى مستوى تطلعات مجتمعه. بدل الاستمرار في مقارنته بدول تعرف تراجعا أكبر في مجال حرية الإعلام.

