تكشف وثائق رسمية وتقارير تقنية حديثة عن وجود اختلالات تطال تدبير الشريط الساحلي لمدينة الدار البيضاء، الذي يعد من أكثر الفضاءات الحيوية ارتباطا بالتنشيط السياحي والاستثمار العقاري.
وتبرز هذه الوثائق، التي تشمل محاضر تعميرية وإدارية وجداول تتبع الأنشطة الاقتصادية، أن عددا من المرافق الساحلية يزاول نشاطه في وضعية قانونية ملتبسة، إما بسبب غياب التراخيص الضرورية أو انتهاء صلاحيتها، أو بسبب توسعات عمرانية غير مطابقة للتصاميم الأصلية.
وتظهر المعطيات أن مجموعة من الفضاءات التجارية والسياحية تحتل الملك العمومي البحري دون وثائق سارية، أو بدفاتر تحمل ملاحظات بخصوص عدم التجديد أو عدم احترام بنود الاستغلال المؤقت.
كما تشير الوثائق إلى تجاوزات مرتبطة ببناء منشآت إضافية على مساحات غير مرخصة، أو تحويل طبيعة النشاط الأصلي دون المرور عبر المساطر القانونية التي تشترط الرخص البيئية والهندسية قبل أي تعديل أو توسعة.
ولا تتوقف التجاوزات عند الجانب العمراني، بل تمتد إلى اختلالات في التدبير المالي والإداري، حيث تسجل في بعض الملفات ديون معتبرة تجاه مؤسسات عمومية، إضافة إلى غياب وثائق محاسباتية أو ملفات تقنية محدثة، ما يجعل وضعية عدد من المستغلين خارج منظومة المراقبة القانونية.
وتبرز الوثائق أيضا أن بعض المرافق تستغل مواقع ذات قيمة عقارية عالية دون تقديم مساهمات مالية تتناسب مع طبيعة النشاط ولا مع قيمة الاستغلال، الأمر الذي يطرح إشكالات تتعلق بالعدالة الجبائية وحماية الملك العام.
كما تفيد التقارير بوجود تفاوت واضح في التعامل الإداري مع المستغلين، حيث تخضع بعض الوحدات لإنذارات متكررة بسبب مخالفات عمرانية أو تنظيمية، بينما تستمر أخرى في مزاولة نشاطها رغم ملاحظات صريحة تدعو إلى تسوية وضعيتها أو تجديد رخصها.
هذا التفاوت في الإجراءات يعكس خللاً في آليات الرقابة وغياب مقاربة موحدة تضمن المعاملة المتساوية بين مختلف المتدخلين.
وترصد الوثائق أيضا عدم تنفيذ عدد من قرارات الإفراغ أو الإنذارات، إذ تواصل بعض المنشآت الاشتغال رغم انتهاء العقود أو صدور قرارات إدارية نهائية، ما يكرس حالة من الضبابية القانونية ويؤشر على محدودية التنسيق بين المصالح المعنية، سواء تعلق الأمر بالشرطة الإدارية أو مصالح التعمير أو إدارة الملك العمومي البحري.
الصورة العامة التي تعكسها هذه الوثائق تتجاوز مجرد مخالفات تقنية معزولة، لتكشف عن خلل بنيوي في منظومة تدبير الساحل، حيث تتداخل الاختصاصات بين مؤسسات محلية ومركزية دون رؤية مشتركة أو آليات تنسيق فعالة. ويؤدي هذا الوضع إلى استمرار أنشطة في منطقة رمادية قانونيا، مستفيدة من بطء المساطر وتعدد المتدخلين وغموض الصلاحيات.
وتبرز الحاجة اليوم إلى إصلاح شامل، يقوم على رقمنة المساطر واعتماد قواعد واضحة وشفافة لمنح التراخيص، وتعزيز آليات المراقبة الميدانية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الملك العمومي البحري.
كما أن توحيد منهجية العمل بين مختلف المصالح المعنية أصبح أمرا ضروريا لضمان حماية الشريط الساحلي، وصيانة التوازن البيئي، وضمان احترام القانون بشكل منصف يقطع مع التفاوتات التي ميزت المرحلة السابقة.

