بقلم: عمر لبشيريت
ماذا جاء يفعل رئيس الحكومة بالتلفزة؟
نحن في بداية شتنبر، زمن الدخول السياسي والاجتماعي، وفي سنة انتخابية، وبعد أربع سنوات من التدبير الحكومي، وفي عزّ النقاش حول القوانين الانتخابية، وفي وقت ينزل فيه سكان المداشر والقرى من جبال الأطلس للمطالبة بأدنى ضروريات العيش.
كلّ التوابل كانت مهيَّأة لنعيش نقاشاً تلفزيونياً حقيقياً وممتعاً.
لكن، للأسف، جاء اللقاء التلفزيوني المسجَّل مثل «العشاء البائت»؛ بلا طعم ولا لون ولا مذاق.
بدأ ذلك من ديكور الاستوديو؛ حيث يتوسّط رئيس الحكومة محاوريه وسط ديكور منزلي باهت، وكأنّه يستضيفهم في بيته. وبدا رئيس الحكومة وكأنّه هو من يستضيف ويحاور الصحافيَّين.
في هذا اللقاء حضر كلّ شيء إلا السياسة، التي كانت الغائب الأكبر؛ وهو ما يشكّل مؤشراً على ما ستكون عليه الانتخابات المقبلة. حاول السيّد أخنوش تقديم حصيلة حكومته وكأنّه يحضر مناسبة دعائية. لم يكن منزعجاً ولا قلقاً؛ كان مرتاحاً، وساعده الصحافيان في ذلك. بدا وكأنّه رجل أعمال يقدّم تقريراً أدبياً عن حصيلته أمام مجلس إدارة أو مستشاريه.
غابت الأسئلة المقلقة التي تولّد الحرارة في النقاش وتُخرج الضيف من «مساحته المريحة». كان اللقاء تقنوقراطياً بامتياز، وغلبت عليه برودةُ التقنوقراط، وغابت عنه حرارة السياسة. فكان المللُ سيّدَ الموقف.
لا أظنّ أنّ السيّد أخنوش انتفع باللقاء، ولا أنّه أفاد المشاهدين والمواطنين.
لم ينتفع به لأنّ أجوبته كانت باردة وغير مقنعة، وكأنّه في جلسة للأسئلة الشفوية يتلو أجوبة مُعَدّة سلفاً. يتحدّث عن «حلول» قادمة، رغم أنّه أمضى أربع سنوات في الحكومة، ويتحدّث عن توقّعات وزرائه لما سينجزونه مستقبلاً.
ولم يُفِد المشاهدين، الذين كانوا ينتظرون «سهرة سياسية» لمعرفة رأي الرجل الأول في الإدارة المغربية في ملف «الفراقشية»، الذي أُهدرت فيه الملايير؛ واحتمال وقوعه في شبهة تضارب المصالح في ملف تحلية مياه البحر؛ وكيف تحوّل برنامج وزير الداخلية إلى برنامج حكومي موازٍ لبرنامج أخنوش؛ وما تكلفة هذا البرنامج ومن أين ستُرصَد له الاعتمادات؛ وكيف سيُعالِج أزمة صناديق التقاعد بعيداً عن جيوب المتقاعدين؛ وأين وصلت التحقيقات في تسريبات المعطيات الشخصية للمواطنين. وكان الغائب الأكبر أيضاً هو المطبخ الداخلي لحزب التجمّع الوطني للأحرار، الذي تحوّل إلى نادٍ لكبار الأعيان.
ظلّ السيّد أخنوش وفيّاً لنفسه: رجل غير سياسي، لا يحبّ الحديث في السياسة، وحتى حين ينتقد معارضيه يتّهمهم بممارسة السياسة. رجل لا علاقة له بالتواصل؛ لا يُقنع ولا يُفيد؛ يتقوقع داخل جبّته التقنوقراطية ويحتمي بها من حرارة السؤال السياسي.
والأهمّ من كلّ ذلك أنّ أخنوش جاء إلى بلاطو قناتين عموميتين تموَّلان من جيوب دافعي الضرائب ليقدّم حصيلته، لا ليُجيب عن أسئلة الناس ويُنعش النقاش السياسي. ما شاهدناه كان أقرب إلى عمل وكالات الإشهار والعلاقات العامة، وإنْ كان بشكل مملّ وبدون احترافية. فهل سيؤدّي السيّد أخنوش أو حزبه للقناتين تكلفة هذه الخدمة؟ عليه أن يفعل، لأنّ ما شاهدناه ليس خدمة عمومية.

