بقلم: مريم أبوري
حين تسكنك روح الرحالة ، يصبح انقطاعك عن السفر لشهر أو أقل بمثابة قيد يدمي جناحي الطائر الحر الذي في دواخلك. فلن تجد بدا من البحث عن وسيلة للتحليق؛ ولو عبر أجنحة خيالك أو باسترجاع ذكريات أسفارك التي استمتعت بها في حياتك .
فتحاول أن تبحث عن وسيلة، تجعلك.
تسافر، ولو عبر خيالك، أو تسترجع أسفارا كنت قد استمتعت بها في حياتك.
هذا تماما ما حدث مع الكاتب المغربي ياسين عدنان بعد أن حال بينه وبين السفر الحجر الصحي خلال تفشي جائحة كورونا. إذ ارتد إلى تدويناته الفيسبوكية التي أرخ فيها لرحلاته عبر عقدين من الزمن ( من غرناطة 2001 إلى مراكش 2022).ومن رحم هذا الحجر والحصار ولد كتاب ” مدائن معلقة، تدوينات العابر “.
سيتنقل القارئ من عراقة الأندلس (غرناطة، إشبيلية) إلى حواضر عربية (طنجة، الجزائر، البصرة، بيروت…) وصولاً إلى عواصم عالمية ( كوبنهاجن، بروكسيل ، مونتريال ،أمستردام…). يجمع الكتاب بين أدب الرحلة، السيرة الذاتية، والتدوين الرقمي. فكل مدينة زارها الكاتب ظلت معلقة في ذاكرته، كالمعلقات في تاريخ الأدب العربي. ومن هنا استمد الكتاب العنوان و غلافه المزدان بساعات معلقة تشير كل واحدة إلى توقيت يرمز لمدينة من الم دن التي زارها.
أرخ ياسين عدنان رحلاته بأسلوب نثري يحمل روح الشاعر، مقتنصا التفاصيل التي تحتفي بروح المكان؛مطعم شعبي ، متاجر المطار، محادثة عابرة مع سائق تاكسي، أو حتى رائحة أرض المدينة بعد المطر.
هنا يبرز الفرق بين “للعابر” و “المقيم”. ف”العابر” هو الأقدر على اكتشاف تفاصيل روح المكان التي يغفل عنها ” المقيم” بسبب الاعتياد. وله كذلك قدرة فائقة للاحتفاظ على استمرار متعة الدهشة.
ولم يكن الكاتب مدافعا أو منحازا لمدينة من المدن التي زارها. فقد انتقد إشبيلية و بيروت، وبحث عن أثر الموريسكي في تفاصيل المدن الأندلسية، وربط بين الموسيقى و العمارة و أمزجة سكان المدن المتوسطية باحثا عن خيوط استمرار الهوية والثقافة وسط ركام التاريخ والسياسة.
تعامل الكاتب مع مع المدن كأنها شخصيات حية، فرسم بروتريهات لها تجمع بين الجمال والقبح، وطرح من خلالها تساؤلات وجودية و ثقافية وهوياتية من خلال الانتقال الجغرافي والزماني. تساؤلات حول نظرة “الاخر” الغربي لنا و نظرتنا إليه، مستحضرا قامات فكرية و أدبية مثل محمد شكري وعبد الرحمن الداخل وإبراهيم نصر الله و أدونيس و سعد الدين العثماني وفاطمة المرنيسي، وشخصيات نسائية ورجالية خرى. مما جعل الكتاب أرشيفا حيا للمشهد الثقافي والسياسي العربي والعالمي، بأسلوب يمزج بين الجدية والسخرية، وبين حداثة المدن الغربية وهشاشة المدن العربية.
فكما كتب عدنان ياسين عن المدن الكبيرة لم يهمل الاهتمام بالمدن الهامشية و مقاهيها وأسواقها و ناسها. فقد عاش رحلاته بكل حواسه؛ المشي في الأزقة وتذوق الأكل والاستماع لرنة أصوات الطيور و ولمس منتوجات المدن…
وأنا أتنقل مع ياسين عدنان من مدينة إلى أخرى، حضرتني روايته ( هوت ماروك )؛ فهما في نظري وجهان لعملة واحدة تمثل عين الرحالة الراصدة للتفاصيل الدقيقة للأمكنة.
في “مدائن معلقة” نجد” العابر” في فضاءات متعددة ومفتوحة، حيث المكان هو موضوع للتأمل. أما في رواية ” هوت ماروك ” نجد ” المقيم” في مدينة مراكش، المنغلقة على تحولاتها الاجتماعية .مراكش ، المكان الثابت ، بطل الرواية.
يحضر الرقمي في العملين لكن بطريقتين مختلفتين . استخدم ياسين عدنان في ” مدائن معلقة” التدوينة كأساس للسرد، فكانت الإنترنت وسيلة لتوثيق لحظات الرحلات و لتشارك جمال تجربة رحلاته مع القراء الفايسبوكيين من خلال الوصف الدقيق للمدن و تفاصيلها. أما في رواية ‘ هوت ماروك” استعرض الوجه القبيح للشبكة العنكبوتية من خلال شخصية ‘ رحال العوينة” ، رمز آفات التشهير، الابتزاز، والصراع السياسي والهدم الاجتماعي.
كُتبت ” مدائن معلقة ” بلغة أنيقة ، لغة السائح المثقف الذي يرصد باحترام المكان/ المدينة ، بينما في ” هوت ماروك ” نجد لغة السخرية والتهكم والجرأة؛ لغة واقعية إذا صح هذا الوصف. لغة المراكشي الذي ينتقد واقع مدينته التي يعرف خباياها ، فكانت السخرية السوداء لتشريح وفضح الفساد والنفاق الاجتماعي .
وبخصوص الشخوص، ففي ” مدائن معلقة ” هي رموز ثقافية او عابرة تفتح للعابر أبواب أسرار المدينة، أما شخصيات ‘ هوت ماروك ” فهي بشرية ،غالبا ما يشبهها الكاتب بالحيوانات، شخصيات تمثل شرائح المجتمع المغربي في صراع دائم بينها. فالشخصيات في ” مدن معلقة” هي رفيقة للكاتب في الرحلة ، بينما شخصيات ” هوت ماروك ” هي مصدر و أداة الصراع .
في ” مدائن معلقة ” يطل علينا الشاعر ياسين عدنان الذي يقتفي أثرا لجمال ويدفعك لحزم حقيبتك و مجاراته في أسفاره. أما في ” هوت ماروك ” يظهر الروائي الذي يحذر من قبح يجتاح مدينته الأم، مما يجعلك تتأمل بحذر ما تخفيه حقيبتك من تناقضات و صراعات و انتماءات معقدة.

