الرئيسي

إعلان ابتعاد أخنوش، البلوكاج القبلي

بقلم: عبدالاله ابعيصيص

بعيدا عن السؤال البسيط الذي سيطرحه خصوم السيد عزيز أخنوش بصيغ عديدة ومتعددة لعل أولها: هل يملك السيد أخنوش قراره ليعلن عدم ترشحه؟ أو بصيغة أكثر لباقة من أين للسيد أخنوش بهذه الجرأة ليعلن قرارا بهذه الأهمية؟ وهل تلقى الضوء الأخضر من جهات ما ليعلن قراره؟ أرى أن قراءة إعلان السيد أخنوش عدم الترشح لقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار يجب أن يوضع في سياق يليق به.

فالحزب رقم مهم في المعادلة السياسية الوطنية. والسيد أخنوش رئيس حكومة المملكة المغربية.

فالمغرب، منذ عقود، يقدم نفسه كنموذج خاص في الانتقال السياسي: انتقال بلا قطيعة، وإصلاح بلا مغامرة، وديمقراطية مضبوطة بسقف الاستقرار. غير أن هذا “الاستثناء المغربي” لا يُفهم فقط من خلال النص الدستوري أو نتائج الانتخابات، بل أساسًا عبر شبكة من الأعراف فوق-الدستورية التي تتحكم في مسار السياسة قبل أن تبدأ، وفي نتائجها قبل أن تُعلن .

مثّلت تجربة الاستاذ عبد الرحمن اليوسفي لحظة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي. فقبوله بقيادة حكومة التناوب التوافقي لم يكن انتصارًا انتخابيًا بقدر ما كان تسوية سياسية تاريخية. غير أن المنعطف الحقيقي جاء سنة 2002، حين تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي نتائج الانتخابات دون أن يُعيَّن أمينه العام رئيسًا للحكومة. حينها صاغ الاتحاديون بكثير من الجرأة السياسية  مفهوم “الخروج عن المنهجية الديمقراطية”، في اعتراف نادر بأن منطق الصناديق لا يكفي وحده لتحديد من يحكم. لم يكن الأمر خرقًا قانونيًا صريحًا، بل تفعيلًا لعرف سياسي غير مكتوب يضع اعتبارات أخرى فوق الإرادة الانتخابية. كانت تلك اللحظة إعلانًا ضمنيًا بأن الديمقراطية في المغرب محكومة بسقف غير مرئي. فإبعاد اليوسفي مثل ضربة قاسية للتجربة الدمقراطية المغربية و لحظة مؤسسة لعرف “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” فهذه الصيغة أو الصياغة تبقى أكثر عمقا وذات دلالات سياسية.

أما مع عبدالاله بنكيران فالذي حدث يمكن عنونته بالانتقال من الخروج عن المنهجية إلى هندسة البلوكاج  )والبلوكاج هي التسمية البديلة للصياغة الاتحادية الخروج عن المنهجية الديمقراطية( .فبعد دستور 2011، بدا أن القواعد قد تغيّرت. فقد جاء النص الجديد ليؤكد على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات فالفصل 47 من الدستور صريح في هذا الشأن. غير أن تجربة عبد الإله بنكيران كشفت أن التحكم لم يُلغَ، بل أعاد ترتيب أدواته. فبعد فوز حزبه في انتخابات 2016، دخل المغرب في بلوكاج حكومي طويل. لم يكن البلوكاج نتيجة تعقيد سياسي طبيعي، بل أداة ضغط لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الحكومة المقبلة. انتهى الأمر بإعفاء بنكيران وتعيين شخصية أخرى من الحزب نفسه، في رسالة واضحة قد تفوز، لكن لا يمكنك أن تحكم بالشروط التي تريدها.

وهكذا انتقلنا من “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” إلى البلوكاج كآلية ضبط، دون المساس الظاهري بالدستور. مع ما تحمله العبارتان من تحول في القدرة على انتاج المعنى في الخطاب السياسي.

اليوم مع إعلان السيد عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية أخرى، والذي يجب الاعتراف أنه وحزبه له من الإمكانيات لاكتساح الانتخابات المقبلة جرى ابتكار ما يمكن تسميته بالبلوكاج القبلي. ففي السياق الراهن، يبدو أن الأعراف تطورت مرة أخرى. لم نعد ننتظر ما بعد الانتخابات لبدء عملية الضبط، بل يتم تفعيلها قبليًا. فحتى لو كانت المؤشرات ترجّح فوز حزب بعينه، فإن النقاش لا يدور حول البرامج أو التحالفات، بل حول مدى قابلية شخصية معينة لرئاسة الحكومة. هنا يظهر مفهوم البلوكاج القبلي والذي يمكن معه ترك الحقل الانتخابي يفرز نتائجه بحرية نسبية ويمكن معه الابتعاد عن التحكم في الخريطة الانتخابية وربما الابتعاد حتى عن تشكيل الحكومة بعد الفوز، ولكن  سيناريو الرئاسة يجب أن يهندس عبر رسائل سياسية استباقية، تدفع المعنيين بالأمر إلى الابتعاد “طواعية” تفاديا لإحراج المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة الملكية. إنه الاستثناء المغربي الذي يريد ديمقراطية بلا مفاجآت من اليوسفي إلى بنكيران إلى أخنوش، ومن الخروج عن المنهجية الديمقراطية الى البلوكاج البعدي فالبلوكاج القبلي، تتأكد فرضية واحدة أو أطروحة وحيدة : الديمقراطية في المغرب عملية مُدارة، لا تُترك فيها النتائج النهائية للمجهول. في المغرب النص الدستوري متقدم نسبيا انتخابات تُنظم بانتظام لكن التداول السياسي محكوم بأعراف غير مكتوبة.

ليس هذا بالضرورة حكم قيمة مطلق، بل هو مجرد توصيف لمسار يرى في الاستقرار أولوية، وفي التحكم وسيلة، وفي الديمقراطية أفقا لا بأس من تأجيله كما أنه خاضع لحدود مرسومة بعناية فائقة ومتفق عليها بين أطياف النسق السياسي إن تصريحا أو تلميحا. في الختام نقول أن الخروج عن المنهجية الديمقراطية أوالبلوكاج بأشكاله المختلفة البعدي منها والقبلي، يجبرنا أن نعود إلى شكنا القديم وأن نتساءل من جديد أي السؤالين أولى:

من يفوز بالانتخابات؟ أو، هل يُسمح للفائز أن يحكم؟

Shortened URL
https://safircom.com/k5oe
سفيركم

Recent Posts

شد وجذب بين “وعود” أخنوش و”غضب” النقابات بسبب الغلاء

انطلقت بالرباط جولة جديدة من الحوار الاجتماعي بالمغرب لدورة أبريل 2026، وسط أجواء مطبوعة بالتباين…

22 دقيقة ago

بلمسة مغربية.. Gims وILYAH يطلقان “Labubu” في تعاون موسيقي عالمي

أطلق النجم العالمي Gims أحدث أعماله الموسيقية بعنوان "Labubu"، والذي جمعه بالفنان الأمريكي ذو الأصول…

ساعة واحدة ago

الموت يفجع الكوميدي يسار في والدته بعد صراع مع المرض

فُجع الفنان الكوميدي المغربي، يسار لمغاري، اليوم السبت، بوفاة والدته بعد صراع مرير مع المرض.…

ساعتين ago

مجلس “اعمارة” ينتقد مشروع قانون العدول

انتقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يترأسه عبد القادر اعمارة، غياب دراسة الأثر، للقانون رقم…

ساعتين ago

أخنوش يُبرز حصيلته: أكثر من 4.25 ملايين استفادوا من تحسين الدخل

كشف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن عدد المستفيدين من إجراءات تحسين الدخل في إطار الحوار…

3 ساعات ago

ارتفاع الدرهم مقابل الدولار.. بنك المغرب يكشف تطورات السوق المالية

شهد سعر صرف الدرهم تحركات ملحوظة خلال الأسبوع الثاني من أبريل، حيث سجل ارتفاعاً أمام…

4 ساعات ago

This website uses cookies.