تتكرر بين الفينة والأخرى أخبار صادمة عن تعرض قاصرين، ذكورا وإناثا، لاعتداءات جنسية وهتك عرض، وهي وقائع تهز الرأي العام لما تحمله من بشاعة وخطورة، وتترك آثارا نفسية لا تمحى في نفوس الضحايا.
وفي هذا السياق، تبرز آخر هذه الوقائع تلك التي تتعلق بطفل من مدينة اليوسفية، تعرض لهتك عرض جماعي داخل خيمة بموسم مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، وتختلف الروايات حول عدد الجناة بين خمسة وأربعة عشر شخصا، إلا أن الحقيقة المؤلمة واحدة”جريمة مروعة تهز المجتمع وتفطر القلوب”.
وتسلط هذه الحادثة الضوء على الأثر النفسي العميق لمثل هذه الجرائم على الأطفال، وضرورة التدخل السريع لتوفير الدعم النفسي والرعاية المتخصصة، لضمان استعادة الضحايا لبراءتهم وحياتهم الطبيعية قدر الإمكان، بعيدا عن صدمة لا ينساها عقلهم الصغير أبدا.
حماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية بالمغرب ما زالت تواجه تحديات كبيرة
قالت نجاة أنوار، رئيسة منظمة “ماتقيش ولدي”، إن واقع حماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية بالمغرب ما زال يعاني من نقائص واضحة، لافتة أن المجهودات المبذولة على مستوى التشريعات ووجود خلايا للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف داخل المحاكم والمصالح الأمنية، لم تؤد بعد إلى حماية فعالة، حيث أن ضعف آليات الوقاية المبكرة، تأخر التبليغ، بطء المساطر القضائية، وقصور التكفل النفسي والاجتماعي للأطفال الضحايا، جميعها عوامل تزيد من هشاشة الوضع.
وأفادت أنوار بأن غياب نصوص واضحة بشأن الجرائم الرقمية مثل الاستدراج عبر الإنترنت أو تبادل الصور ذات الطابع الجنسي، وضعف التنسيق بين القطاعات المعنية كالتعليم والصحة والعدل والداخلية، ونقص التخصصات الطبية والنفسية الموجهة للأطفال، فضلا عن غياب آليات حماية فعلية بعد التبليغ، مما يترك الضحية تحت ضغط اجتماعي وأسري كبير.
وأوضحت أنوار على أن مسألة العقوبات، القانون المغربي يتضمن عقوبات تصل إلى 30 سنة سجنا في بعض الحالات، لكنها تبقى غير كافية ما دامت لا تطبق بالصرامة اللازمة، وما دام الإفلات من العقاب لا يزال قائما في بعض القضايا، مؤكدة أن الردع الحقيقي لا يتحقق فقط عبر العقوبات، بل أيضا عبر سرعة البت في الملفات وضمان العدالة للضحايا في آجال معقولة، قائلة:” إن “ماتقيش ولدي” تواكب الضحايا وأسرهم عبر التوجيه القانوني، والتنصيب كطرف مدني، والمرافعة، إلى جانب حملات التحسيس وفتح النقاش العمومي والمطالبة بتشديد العقوبات وتحسين آليات التكفل”.
وأفادت أنوار أن الوعي ما زال ضعيفا نسبيا، فالكثير من الأسر تتردد في التبليغ خوفا من الفضيحة أو لعدم الثقة في مسار العدالة، علاوة على أن بعض الأسر تلجأ إلى الصمت أو الحلول الودية، وهو ما يشجع على تكرار الجرائم، لأن التبليغ واجب قانوني وأخلاقي، وأن حماية الطفل مسؤولية جماعية.
و دعت المتحدثة ذاتها، إلى إرساء منظومة حماية متكاملة تشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والفضاء الرقمي، وتسريع المساطر القضائية الخاصة بالاعتداءات على الأطفال، وتعميم مراكز التكفل النفسي للأطفال ضحايا العنف الجنسي، ومراجعة المناهج الدراسية لإدماج التربية الجنسية والوقاية من الاستغلال، مع إشراك المجتمع المدني في صياغة وتنفيذ الاستراتيجيات الوطنية.
وشددت أنوار في تصريح لجريدة، “سفيركم “الالكترونية على أن أسباب استفحال هذه الظاهرة متعددة، منها ضعف الوعي الأسري، هشاشة التربية الجنسية، تفكك العلاقات الاجتماعية، غياب الرقابة على الفضاء الرقمي، بالإضافة إلى الإفلات من العقاب في بعض الحالات، مشيدة أن العلاج يكمن في التوعية المجتمعية، التربية على حماية الجسد، تقوية سلطة القانون، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا حتى لا تتحول الصدمة إلى مأساة مستمرة.
الاعتداء الجنسي يترك آثارا عميقة على الطفل ويستلزم تدخلا عاجلا
أكدت فردوس الدحيمن، أخصائية ومعالجة نفسية مختصة في علاج الصدمات، أن التعرض لهتك العرض يعد من أشد الصدمات النفسية المعقدة، لما يتركه من أثر عميق على هوية الطفل وثقته بالآخرين وقدرته على التمدرس ، حيث أن الطفل قد يعاني من انسحاب اجتماعي، صعوبات في تكوين الصداقات، تراجع في الأداء المدرسي، واضطرابات في التركيز والانتباه، إضافة إلى الخوف المستمر والشعور بالوصم والعار، رغم كونه الضحية، منبهة إلى أن هذه التبعات قد تستمر لسنوات إذا لم تتم معالجتها بشكل مناسب.
وأبرزت الدحيمن أن التدخل النفسي ضروري وطارئ حيث أن جلسات العلاج المتدرجة تساعد الطفل على الخروج من حالة الصدمة، وتعلمه استراتيجيات تنظيم الانفعالات والتأريض النفسي، علاوة على إعادة بناء شعور بالأمان، دعم تقدير الذات، وتعزيز الصلابة والمرونة النفسية، بما يمكنه من الانخراط مجددا في بيئته الاجتماعية والمدرسية.، مشددة أن غياب التثقيف الجنسي الصحيح يجعل الطفل أكثر عرضة للانتهاك، نظرا أن الموضوع غالبا ما يقدم كمحظور، ما يخلق جهلا وخوفا ويمنع الطفل من التبليغ أو طلب المساعدة.
وأردفت الدحيمن ان التوعية النفسية والجنسية، عند تقديمها بلغة مناسبة لسن الطفل، تعلمه حدود جسده، حقه في الرفض، وكيفية طلب النجدة، لتصبح هذه المعارف خط دفاع أول ضد الاعتداء، قائلة: ” أن التدخل النفسي لا يقتصر على الطفل فقط، بل يجب أن يشمل الأسرة والمجتمع من خلال حملات تحسيس، برامج مدرسية، وآليات حماية قانونية أكثر فعالية، مشددة على أن مثل هذه الأحداث المأساوية تكشف هشاشة منظومة الحماية وخطورة غياب التوعية والرقابة في الفضاءات العمومية”.
و أكدت المتحدثة ذاتها، أن دور الأسرة محوري وأساسي، خصوصا عندما يكون الضحية قاصرا، نظرا أن الأخصائي النفسي يواكب الأسرة لتفهم الصدمة، ويقدم العلاج الأسري لتقوية الروابط، وتدريب الأهل على الإصغاء والتصديق وتقديم الدعم العاطفي دون لوم، ما يمنح الطفل شعورا بـ”ملاذ آمن” ويسرع عملية التعافي.
وأشارت الدحيمن إلى أن أفضل الطرق لدعم القاصر نفسيا بعد وقوع الحادث تشمل تأمين الأمان النفسي والجسدي، الإصغاء والتصديق دون لوم أو تشكيك، احترام صمته إذا لم يكن مستعدا للحديث، مع توفير بيئة مليئة بالحنان والطمأنينة، والحفاظ على روتين يومي ثابت، وممارسة أنشطة تفريغ عاطفي على سبيل المثال “اللعب أو الرسم أو الرياضة، إلى جانب الاستعانة بأخصائي نفسي مختص بصدمات الطفولة لتفادي المضاعفات طويلة .
ونبهت الدحيمن إلى أن علامات الصدمة تختلف حسب عمر الطفل، وتشمل عادة اضطرابات النوم كالكوابيس والأرق، القلق المفرط أو نوبات الفزع، التراجع الدراسي المفاجئ، تغيرات في السلوك مثل الانعزال أو العدوانية أو حساسية زائدة للمسافة الجسدية، شكاوى جسدية متكررة بدون سبب طبي، وسلوكيات غير معتادة مثل التبول الليلي أو مص الأصابع أو سلوكيات جنسية غير ملائمة للعمر حيث ذكرت ان” انتباه الوالدين لهذه الإشارات يسمح بالتدخل السريع وتجنب تفاقم الأعراض”
وأضافت الدحيمن أن التدخل النفسي المبكر يعد عاملا حاسما في حماية الطفل من تطور الصدمة إلى اضطرابات أعمق كالاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة، فهو يساعد على استعادة الإحساس بالأمان، التعبير عن المشاعر بطريقة صحية، وتعزيز المرونة النفسية، بما يحافظ على مساره الدراسي والاجتماعي، مؤكدة على أن التدخل النفسي المبكر هو استثمار في حاضر الطفل ومستقبله.
التشريع المغربي منح حماية واسعة للأطفال ضحايا هتك العرض
قال محمد الفرسيوي، المحامي بهيئة سطات، إن المشرع المغربي لم يقدم تعريفا محددا لجريمة هتك العرض، وإنما ترك مسألة التعريف للفقه والقضاء، مؤكدا أن هذا الخيار يحمل إيجابيات عدة، حيث يمنح صلاحيات أوسع للحماية، نظرا لتعدد الأفعال التي يمكن أن تشكل جريمة هتك العرض، والتي يصعب حصرها في نموذج قانوني واحد قد يحد من فعالية النص القانوني في حماية الأفراد.
وأوضح الفرسيوي أن المشرع اكتفى في الفصلين 484 و485 بذكر الجريمة وعقوباتها وأركانها، دون الخوض في التعريف، موضحا أن العقوبة المقررة تختلف حسب طبيعة المتابعة: إما باعتبارها جنحة عند وقوعها بدون عنف وفق الفصل 484، أو كم جناية مع ظروف التشديد وفق الفصل 485، ويتحدد الاختصاص بناء على ذلك لغرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف.
وأكد الفرسيوي أن النص القانوني جاء واضحا وبعقوبات قاسية بحق مرتكبي هذه الجرائم الخطيرة، مشددا على أن التحدي يكمن في التطبيق العملي وكيفية اختيار العقوبة المناسبة بين الحد الأدنى والحد الأقصى في إطار السلطة التقديرية للمحكمة، بما يحقق فكرة الردع الخاص والعام لاستئصال هذه الظواهر من المجتمع.
و أفاد الفرسيوي أن هذه القضايا غالبا ما تأخذ طابع الخصوصية، مع مراعاة كيان الطفل وحقوقه وحرياته الأساسية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، مبرزا أن أغلب المحاكم أحدثت خلايا للتكفل بالنساء والأطفال، تضم جميع مكونات الجسم القضائي، مهمتها الاستماع، التكفل، التوجيه والمتابعة، إلى جانب الجهات الأساسية الأخرى.
ونبه الفرسيوي إلى أن أوجه الحماية تشمل مجموعة من الإجراءات القانونية الجاري بها العمل، أبرزها مبدأ السرية الذي يحيط بهذه القضايا، بحيث تعقد الجلسات سرية لا تفتح في وجه العموم لحماية الضحية، مشددا على أن السياسة الجنائية اليوم بحاجة لإعادة الاعتبار إلى السياسة الوقائية قبل الزجرية، للقطع مع الجريمة في مهدها وأسبابها، وليس مجرد التعامل مع نتائجها.
وفي هذا الصدد، أكد المتحدث ذاته لجريدة “سفيركم ” الالكترونية أن الحاجة اليوم ملحة لتكثيف الجهود نحو نشر الوعي المجتمعي بخطورة هذه الأفعال وعواقبها، وتوحيد الجهود لمواجهة هذه الظواهر الإجرامية سواء الظاهرة منها أو الخفية.
دنيا بنلعم (صحفية متدربة)
في سياق الاستعدادات المتسارعة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يواصل حزب العدالة والتنمية استكمال مسطرة تزكية مرشحيه…
يستعد المغرب لتأمين احتياجاته من مادة القمح عبر اللجوء إلى الأسواق الدولية خلال سنة 2026.…
أوصى وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، المنتخبين بعدم إعطاء الشيك على سبيل الضمان خلال الانتخابات.…
في انتقاد لأداء قطاع التشغيل الذي يشرف عليه وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات…
وجه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، رسالة خطية إلى نظيره…
استبعد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إمكانية إحالة مشروع تعديل مجموعة القانون الجنائي على البرلمان.…
This website uses cookies.