بقلم: يدير اكيندي، خبير في مجال التنمية الشاملة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقررة في شتنبر المقبل، يعود النقاش حول جودة الخطاب السياسي والإعلامي إلى الواجهة بقوة. غير أن أحد أكثر أوجه هذا النقاش إلحاحًا يظل، في كثير من الأحيان، مهمشًا أو غير مُنتبه إليه بالقدر الكافي: اللغة التمييزية حين تتحول الإعاقة إلى استعارة للفشل أو القصور أو العجز.
ففي عدد من الخطابات السياسية، وفي بعض التعليقات الإعلامية والرياضية، لا تزال تُستعمل أوصاف مرتبطة بالإعاقة للدلالة على سوء الأداء أو ضعف القرار أو فشل السياسات. فنسمع عن “إصلاح أعرج”، أو “سياسة عمياء”، أو “قرار أصم”، أو “حوار مشلول”، أو تُستحضر الإعاقة البصرية أو الحركية في سياق التشكيك في الكفاءة أو النزاهة أو الفعالية.
قد يبدو ذلك للبعض مجرد مجازات لغوية مألوفة، أو تعبيرًا بلاغيًا عابرًا. لكنه في الحقيقة نمط خطابي يُعيد إنتاج التمييز الرمزي، ويُرسّخ صورًا نمطية خطيرة تمس كرامة ملايين الأشخاص في وضعية إعاقة.
ليست زلة لسان… بل بنية فكرية مكرسة
المقلق في هذا النوع من الخطاب أنه لا يظهر في الهامش فقط، بل يتكرر في قلب النقاش العمومي: في السياسة، في الإعلام، وفي الرياضة. وقد تابعنا مؤخرًا استعمال تعبير “الإصلاح الأعرج” في خطاب سياسي علني وخلال برنماج تلفيزيوني من طرف زعيم أكبر حزب مغربي عدديا على الاقل، كما رُصدت في تعليق رياضي على مباراة دولية عبارات مرتبطة بالإعاقة البصرية في سياق التشكيك في قرارات التحكيم.
حتى عندما لا يكون القصد مباشراً، فإن الأثر واضح: إعادة ربط الإعاقة بالفشل والقصور، وتطبيع هذا الربط في المخيال الجماعي. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقوقية.
فالإعاقة ليست مرادفًا للعجز، ولا نقصًا في القيمة الإنسانية، ولا معيارًا للفشل أو الخطأ. بل إن الأشخاص في وضعية إعاقة مواطنات ومواطنون كاملو الحقوق والكرامة، يشاركون في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية، ويساهمون في بناء المجتمع بشكل فعّال.
اللغة تصنع الوعي… والوعي يصنع المجتمع
لقد بيّنت تجارب مكافحة العنصرية والتمييز عبر العالم أن اللغة ليست محايدة. كما قال مارتن لوثر كينغ الابن Martin Luther King Jr.: «الظلم في أي مكان تهديد للعدالة في كل مكان»، في إشارة إلى أن أنظمة التمييز مترابطة، تبدأ من الوعي وتنتهي في المؤسسات.
وفي السياق نفسه، أكدت إليانور روزفلت Eleanor Roosevelt، إحدى أبرز صانعات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن حقوق الإنسان تبدأ من الحياة اليومية البسيطة، أي من المدرسة والإعلام واللغة التي نتداولها في وصف الآخرين.
أما نيلسون مانديلا Nelson Mandela فقد ذكّر بأن الكراهية ليست فطرية، بل مكتسبة، وهو ما ينطبق بدقة على الصور النمطية التي تُلصق بالإعاقة داخل الخطاب العام.
ويضيف إدغار موران Edgar Morin أن قوة المجتمعات الحديثة تقاس بقدرتها على الاعتراف بالتنوع، لا على إقصائه أو تحويله إلى مادة للسخرية أو الاستعارة السلبية.
من المقاربة الحقوقية إلى الدستور المغربي
في المغرب، لا يتعلق الأمر فقط بنقاش أخلاقي أو ثقافي، بل بمرجعية دستورية واضحة. فديباجة دستور المملكة تنص صراحة على حظر ومكافحة جميع أشكال التمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الإعاقة، وتكرس مبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص، والكرامة الإنسانية.
كما أن المغرب، ومنذ مصادقته المبكرة سنة 2009 على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التزم بالانتقال من المقاربة الإحسانية إلى المقاربة الحقوقية التي تعتبر أن الإقصاء لا ينتج عن الإعاقة في حد ذاتها، بل عن الحواجز الاجتماعية والمادية والثقافية التي يصنعها المجتمع.
وتُكرس المادة 8 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مبدأ “إذكاء الوعي”، حيث تلزم الدول بـ:
كما تؤكد المادة 5 على المساواة وعدم التمييز، بما في ذلك أشكال التمييز غير المباشر والرمزي، فيما تضمن المادة 21 الحق في التعبير والحصول على المعلومات دون وصم أو إقصاء أو تشويه.
وقد شددت اللجنة الأممية المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في ملاحظاتها الختامية وتعليقاتها العامة، خاصة التعليق العام رقم 6، على أن التمييز لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يشمل الخطاب واللغة والصور النمطية التي تُرسّخ دون وعي في المجتمع.
كما أكدت في التعليق العام رقم 7 أن تغيير الصور النمطية مسؤولية جماعية، تتطلب إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم في صياغة السياسات وحملات التوعية.
خطاب سياسي في لحظة انتخابية حاسمة
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يكتسي هذا النقاش بعدًا إضافيًا بالغ الأهمية. فالخطاب السياسي في هذه المرحلة لا يعكس فقط مواقف آنية، بل يساهم في تشكيل الثقة العامة، وبناء شرعية الفعل السياسي، وتوجيه الوعي الجماعي.
ومن غير المقبول أن يتم الترويج لخطابات حول الدولة الاجتماعية، والإدماج، وتكافؤ الفرص، في الوقت الذي تستمر فيه بعض التعبيرات السياسية في إعادة إنتاج استعارات تمييزية تمس فئة من المواطنين.
إن المسؤولية هنا ليست فردية فقط، بل مؤسساتية وأخلاقية. فالمؤثرون في الرأي العام—من سياسيين وإعلاميين ومعلقين رياضيين—يُساهمون بشكل مباشر في تشكيل الثقافة العامة، إما نحو الإدماج أو نحو الإقصاء.
من الإدانة إلى التحول: نحو لغة دامجة
إن المطلوب اليوم ليس فقط رصد هذه الانزلاقات، بل إحداث تحول ثقافي في اللغة العمومية. وهذا يقتضي:
كما أن الاعتذار عن استعمال خطاب تمييزي لا ينبغي أن يُفهم كضعف، بل كمؤشر على نضج ديمقراطي ووعي متقدم بمسؤولية الكلمة.
في النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة لكنها حاسمة: الكلمات لا تصف الواقع فقط، بل تصنعه أيضًا. وعندما تتحول اللغة إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز، فإننا لا نكون أمام إشكال لغوي، بل أمام إشكال مجتمعي يمس أسس المساواة والكرامة.
فالكرامة الإنسانية، كما الحقوق، لا تقبل الاستعارة، ولا التجزيء، ولا التأجيل.
افتتح مهرجان كوميديا بلانكا بالدار البيضاء دورته الثالثة بحفل مغربي خالص، جمع مساء الخميس بالمركب…
تعزز شركة Africa Morocco Link، المعروفة اختصارا بـAML، عرضها البحري خلال عملية مرحبا 2026. عبر…
كشف تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول الظرفية الاقتصادية لقطاعي الصناعة والبناء برسم الفصل الأول من…
أعلنت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني أن المغرب استقبل أكثر من 7.7 ملايين…
افتتح المغرب ضيف شرف مهرجان تاريخ الفن في فونتينبلو بفرنسا حضورا ثقافيا غير مسبوق، باعتباره…
يناقش أطباء ومتخصصون، ضمن ملتقى علمي تنظمه رابطة الأطباء الاختصاصيين في التخدير والإنعاش بالشمال بطنجة،…
This website uses cookies.