بقلم: الغالي محمد الرشاشدة
أثارت واقعة طريفة وغريبة في الوقت نفسه نقاشًا واسعًا في سويسرا، بعدما تلقى مواطن يبلغ من العمر 32 سنة إشعارًا من مكتب تحصيل الديون بسبب مبلغ متبقٍ من الضرائب لا يتجاوز خمسة سنتيمات فقط اي (ما يعاد 0.59 درهم مغربي). وبحسب ما نشره موقع 20 Minuten السويسري، فقد ترتب عن هذا المبلغ الزهيد فتح مسطرة تحصيل أجبرته على أداء 36.25 فرنكًا سويسريًا كغرامة إدارية عن التأخير، قبل أن تعترف السلطات الضريبية لاحقًا بأن فتح هذه المسطرة كان خطأً نادرًا وغير مبرر.
ورغم أن الإدارة أقرت بأن متابعة شخص بسبب خمسة سنتيمات لا تتناسب مع الكلفة الإدارية المترتبة عنها، فإنها قدمت توضيحات للرأي العام واعترفت بالخطأ، وهو ما يعكس ثقافة مؤسساتية تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام المال العام. ففي سويسرا، لا يُنظر إلى قيمة المبلغ فقط، بل إلى المبدأ، وإلى حق المواطن في الحصول على تفسير وتوضيح عندما يتعلق الأمر بالمال العام أو بالقرارات الإدارية.
وعندما ننتقل إلى المغرب، نجد أنفسنا أمام مفارقة تستحق التأمل. فبينما تحركت الإدارة السويسرية بسبب خمسة سنتيمات، ما زال المغاربة ينتظرون أجوبة واضحة بشأن أموال عمومية خُصصت لدعم الفلاحين والكسابة، في ملف أثار جدلًا واسعًا داخل الرأي العام الوطني.
وينص الفصل 67 من الدستور المغربي على حق مجلس المستشارين في تشكيل لجان لتقصي الحقائق، باعتبارها إحدى أهم الآليات الرقابية التي خولها الدستور للمؤسسة التشريعية من أجل البحث في قضايا تهم تدبير الشأن العام والمال العام. غير أن تفعيل هذه الآلية يقتضي الحصول على 40 توقيعًا من أعضاء المجلس، وهو الشرط الذي لم تتمكن المبادرة المتعلقة بملف دعم الكسابة من تحقيقه.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الأحزاب التي تتوفر مجتمعة على 83 مستشارًا من أصل 120 داخل مجلس المستشارين لم تدعم هذه المبادرة، وهو ما أدى عمليًا إلى وأدها قبل أن ترى النور. وهنا يطرح المواطن المغربي سؤالًا بسيطًا ومشروعًا: إذا كانت لجنة تقصي الحقائق لا تصدر أحكامًا ولا تدين أحدًا، وإنما تبحث في الوقائع وتجمع المعطيات وتقدم تقريرًا للرأي العام، فما المانع من تفعيلها؟
إن جوهر الإشكال لا يتعلق بإثبات وجود اختلالات من عدمها، لأن ذلك من اختصاص مؤسسات الرقابة والتحقيق، بل يتعلق بحق المواطنين في المعرفة. فالمغاربة الذين ساهموا من خلال الضرائب والموارد العمومية في تمويل برامج الدعم من حقهم أن يعرفوا كيف صُرفت هذه الأموال، ومن استفاد منها، وما هي النتائج التي حققتها على أرض الواقع.
لقد أصبح من الصعب إقناع المواطنين بأهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة إذا كانت آليات البحث والتقصي نفسها تجد صعوبات في التفعيل كلما تعلق الأمر بملفات تثير اهتمام الرأي العام. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالشفافية، وبإتاحة المعلومة، وبتمكين المؤسسات الدستورية من القيام بأدوارها كاملة.
والدرس الذي يمكن استخلاصه من الواقعة السويسرية ليس أن خمسة سنتيمات أهم من مليارات الدراهم، بل إن قيمة المؤسسات تُقاس بقدرتها على احترام المال العام، وباستعدادها لتقديم التوضيحات للمواطنين مهما كانت قيمة المبلغ موضوع النقاش. فحين تتحرك الإدارة وتبرر وتوضح بسبب خمسة سنتيمات، بينما يتعذر فتح نقاش مؤسساتي معمق حول أموال عمومية تقدر بمليارات الدراهم، يصبح من حق المواطن أن يتساءل عن موقع الشفافية والمساءلة داخل منظومة تدبير الشأن العام.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابه: هل المطلوب من المواطن فقط أن يؤدي الضرائب ويلتزم بواجباته، أم أن من حقه أيضًا أن يعرف كيف تُصرف أمواله وأن يطالب بالكشف عن الحقيقة كلما تعلق الأمر بالمال العام؟ فالديمقراطية لا تكتمل بالانتخابات وحدها، بل تكتمل كذلك بحق المواطن في المعلومة، وبوجود مؤسسات رقابية قوية، وبإرادة سياسية تجعل من الشفافية قاعدة لا استثناء.
دعت النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص بالمغرب إلى إطلاق إصلاحات مستعجلة في قطاع طب…
في خضم ما تم تداوله على بعض مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات إلكترونية، من معطيات تتعلق…
فشل مجلس مقاطعة حسان، في عقد الدورة العادية لشهر يونيو، اليوم الخميس، بسبب عدم اكتمال…
حسم المجلس الإقليمي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بالرباط هوية مرشحه للانتخابات التشريعية المرتقبة في 23…
بقلم: حسن حمورو بعد مسار طويل من التكوين الذاتي في مدرسة الانتظار، وما راكمته من…
نفت ناميبيا دخولها في أي ترشح مشترك لاحتضان كأس إفريقيا 2028. بعدما ربطت تقارير إعلامية…
This website uses cookies.