اعتبر تقرير “خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد” أن استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات شكلت أحد أبرز الرهانات التي حملها النموذج منذ إطلاقه. انطلاقا من قناعة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تتحقق فقط عبر المشاريع والاستثمارات. بل تحتاج أيضا إلى مؤسسات قوية وفاعلين سياسيين قادرين على تأطير المجتمع وتعبئته حول الأهداف المشتركة.
وسجلت هذه الوثيقة التي أشرف عليها الدكتور علي الغنبوري أنه رغم ما تحقق من أوراش كبرى في مجالات الحماية الاجتماعية والاستثمار والبنيات التحتية والتحول الرقمي. فإن ورش استعادة الثقة لم يحقق النتائج المأمولة بالقدر نفسه. حيث ما تزال فئات واسعة من المواطنين تنظر إلى المؤسسات العمومية والسياسية بنوع من التحفظ. كما يستمر النقاش حول محدودية المشاركة السياسية وضعف الانخراط في العمل الحزبي والمدني.
هيمنة المقاربة التكنوقراطية وتراجع دور الوساطة السياسية
وفي هذا السياق، رصد المحررون تنامي حضور المقاربة التكنوقراطية في تدبير عدد من الإصلاحات والأوراش الكبرى. مقابل تراجع أدوار الأحزاب السياسية والهيئات الوسيطة في تأطير النقاش العمومي وشرح الخيارات والسياسات المتبعة للمواطنين.
وأشارت القراءة التقييمية إلى أن جزءا مهما من القرار العمومي أصبح يرتبط بمنطق التدبير التقني والنجاعة الإدارية أكثر من ارتباطه بالنقاش السياسي والمجتمعي الواسع. وهو ما انعكس على مستوى التفاعل الشعبي مع عدد من الإصلاحات الكبرى. كما ساهم في تراجع أدوار الوساطة السياسية التي يفترض أن تضطلع بها الأحزاب والتنظيمات المدنية.
وأكدت الخلاصات أن استمرار ضعف الانخراط السياسي. خاصة في صفوف الشباب. يعكس محدودية قدرة الفاعل الحزبي على استعادة دوره التأطيري والتعبوي. الأمر الذي ساهم في اتساع المسافة بين المواطن ومؤسسات الوساطة التقليدية. وعزز الشعور لدى جزء من الرأي العام بأن القرارات العمومية تصاغ بمنطق تقني أكثر من كونها ثمرة نقاش سياسي ومجتمعي واسع.
الاحتجاجات الاجتماعية واختبار الثقة
من جانب آخر، لفتت المعطيات الواردة إلى أن المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة عددا من الاحتجاجات الاجتماعية والفئوية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار. إلى جانب احتجاجات همت قطاعات التعليم والصحة والجماعات الترابية والنقل وعددا من المهن الأخرى.
واعتبرت القراءة التحليلية أن هذه الاحتجاجات عكست وجود فجوة بين منطق تدبير الإصلاحات وبين انتظارات فئات واسعة من المجتمع. كما أبرزت الحاجة إلى حوار سياسي واجتماعي أوسع يضمن انخراط مختلف الفاعلين في مسار الإصلاح. ويعزز الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية.
وأوضح المتدخلون أن هيمنة لغة الأرقام والمؤشرات. رغم أهميتها في تقييم السياسات العمومية. لا تكفي وحدها لبناء الثقة. إذ يتطلب الأمر إشراك المواطنين في صناعة القرار. وتعزيز الشفافية. وتقوية آليات الحوار والإنصات. وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وخلصت المادة إلى أن الحديث عن فشل كامل للنموذج التنموي الجديد في إعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات يبقى أمرا مبالغا فيه. غير أنها أكدت أن هذا الهدف ما يزال من بين أكثر الأهداف تعثرا ضمن مسار التنزيل. مشددة على أن إعادة الاعتبار للعمل السياسي وتقوية أدوار الوساطة المجتمعية تظل من الشروط الأساسية لتحويل الإنجازات الاقتصادية والتقنية إلى رأسمال حقيقي من الثقة والمشاركة والانخراط الجماعي في المشروع التنموي للمملكة.

