بقلم: بوشعيب شكير
شهدت المدن المغربية مساء اليوم السبت مشهداً لافتاً يوضح تحولاً حقيقياً في شكل الاحتجاج والمطالبة بالحقوق، شابات وشبان محتجون تعرضوا للمطاردة من قبل القوات العمومية، وجوه جديدة لم يعرفها المراقبون من أجيال قديمة، وكأنهم جاءوا من زمن مختلف تماماً عن الزمن الذي كان يهيمن على الساحات سابقاً. كان هؤلاء الشباب يتصرفون وفق أدواتهم الخاصة، دون الحاجة إلى خطاب أو وصاية، ليكون المشهد بمثابة “شرارة” تنذر بما قد يشهده المستقبل القريب.
هذا الجيل، الذي يطلق عليه اسم Gen Z – الجيل زد، غالباً ما وُصف بأنه غارق في الترفيه والترندات، لكنه أثبت أنه يمتلك وعيه الخاص ويفهم أولوياته بوضوح، يطالب بالكرامة والتعليم والصحة والحياة اللائقة، ويعبر عن ذلك بلغة مباشرة ومختصرة، بعيدة عن البلاغة التقليدية أو الخطاب الشعائري.
الدرس الأول: القطيعة الجيلية
الأجيال السابقة، التي اعتقدت أنها ورثة الساحات، اكتشفت أنها خارج اللعبة، وأن الجيل زد لا يهتم بالرموز التقليدية، الشباب يتصرف وفق أدواته الخاصة، بينما النخب التقليدية عاجزة عن فهم لغة هذا الجيل الجديد.
الدرس الثاني: أزمة الفهم لدى الدولة والمعارضة
الدولة، التي أدمنت الاطمئنان إلى قدرتها على فرض السيطرة بالقمع التقليدي، تواجه اليوم جيلًا لا يخاف ولا يخضع للرقابة القديمة، ويعرف كيف يستخدم الفضاء الرقمي لتشكيل تحركاته والتواصل عبر الشبكة، بما يمكن تسميته “المنهجية 2.0″، هذا الجيل يعتمد على التفاعل الجماعي عبر منصات التواصل وابتكار أفكار وحركات من دون وساطة الأحزاب أو النقابات التقليدية، ما يصعب على الدولة والمعارضة التقليدية فهمه أو احتواؤه.
الدرس الثالث: إضعاف النقابات والأحزاب ومؤسسات الوساطة
سياسات الدولة التي أضعفت الأحزاب والنقابات وقتلت مؤسسات الوساطة، حولت الفضاء السياسي والمدني إلى فراغ يواجه الشباب مباشرة السلطة بدون أي قنوات تمثيلية موثوقة. هذا الفراغ أتاح للجيل زد فرصة اكتساب قوة تعبئة أكبر، وفرض نفسه كفاعل مباشر على المشهد العام، متجاوزاً أي وصاية سياسية أو نقابية.
الدرس الرابع: الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
تراكم الفشل التنموي، وانتشار الفساد، وسياسات إفقار الفئات الضعيفة وإغناء القلة، أدى إلى فجوة هائلة بين طبقات المجتمع وخلق حالة من الاحتقان لدى الشباب، الذي تجاوز التنظيمات التقليدية وأصبح يرفض الخطاب الرسمي والسياسات العمومية غير العادلة. الحل الأمني وحده لا يمكن أن يخدم الوطن، بل يزيد السخط الشعبي ويعمّق فقدان الأمل.
الدرس الخامس: وضوح المطالب والتحرك الرقمي
الجيل زد يمتلك برنامجاً واضحاً ومطالب محددة: التعليم والصحة، محاربة الفساد، إصلاح القضاء، والنهوض بالبلاد. هو يعرف ما يريد ويشخص أعطاب الدولة، ويستعمل أدوات العصر الرقمي لتنظيم مبادراته الجماعية والتواصل مع الرأي العام، بعيدًا عن الشعارات التقليدية والأيديولوجيا.
المشهد، إذن، ثلاثي: الشباب يحتجون، القوات العمومية تطاردهم، والدولة والمعارضة التقليدية عاجزة عن استيعاب التحولات الجديدة. “اليوم كانت الشرارة”، لكنها تكشف ولادة أول جيل زد لا يخضع للمفاهيم القديمة، يفرض وجوده، ويعيد تعريف لغة الشارع والاحتجاج والمطالبة بالحقوق.
خاتمة: مفارقة جيل زد وكسر القفص القديم
وهنا تكمن المفارقة اللافتة: نفس هذا الجيل الذي يتابع تفاهة طوطو ويشارك في الترفيه الرقمي السطحي، هو نفسه الذي ينظم احتجاجاته، ويفهم حقوقه، ويعرف كيف يواجه السلطة، ويصر على المطالبة بحياة كريمة ومجتمع عادل. هذه التناقضات الظاهرية تكشف قوة جيل زد ومرونته، وقدرته على الدمج بين الثقافة الشعبية والوعي الاجتماعي والسياسي.
دعوة جيل زد ليست مجرد احتجاج عابر، بل مؤشر على نضج مجتمع بدأ يتجاوز القفص القديم – أي سياسات التحكم القسري في نمو المجتمع وتقييد حركته. السؤال اليوم: هل حان الوقت ليكسر هذا الجيل القفص القديم ويعيد رسم مستقبل الوطن؟

