فن وثقافة

“الدردور ” للكاتب المغربي جمال خيري.. متاهات لغوية في حكي وتأمل سيرة شبه ذاتية

مريم أبوري

أول ما يشد القارئَ وروايةُ ” الدردور ” بين يديه، هو أرضيةُ الغلاف البيضاء التي تمثل الطابق السفلي للولوج إلى الرواية، حيث العنوان مدخلها. فيا ترى، هل وُظف اللونُ الأبيض ليرمز للصفاء والسلم والبراءة والسكينة والفرح؟ أم ليُهيِّئَ القارئَ كي ينغمس في عالم بارد، فارغ وحزين؟

يُمَثِّلُ هذان السؤالان تخمينين افتراضيين. ومن بين ما يرجح أن التخمين الثاني هو الأصح؛ الغلافُ الذي، بعد التمعن والتأمل في تفاصيله، تنكشف فيه لوحةُ كومة أوراق تتمزق وكأن ريحا ما جعلت منها زوبعةً. ويأتي ليؤكد هذا التخمين، عنوانُ الرواية ذاتهُ ” الدردور”، المكتوب باللون الأحمر؛ لون الحب والعاطفة والجرأة والغضب والخطر. وكلمة الدردور نفسها تعني الدوامة، مثل دوّامة البحر التي نخشاها ونتجنبها كي نتفادى الغرق. وهذا ما يؤكد، أيضا، أن الكاتب-الراوي، جمال خيري يحاول أن يلقي بنا في يُموم نص أو بالأحرى نصوص لا قعر لها، وقد يغرقنا في دردورها. وما إن تفتح الكتاب، حتى يداهمك تحذير الكاتب-الراوي، منذرا ومؤكدا التخمين الثاني، حيث يقول: “إني مانع قراءة هذا الانكتاب على ذوي القربى والمساكين، وعلى من لا يناهز عمرهم الثلاثين، ومن لا كد لهم ولا كبد، وكل عبيط خليط، وكل من لا يفقه القط القرطيط. وشكرا”.

وهذا التحذير، كما يبدو، يشبه الوجهين للعملة الواحدة؛ فهو يمنعنا من مغامرة دخول الرواية، وفي الوقت نفسه يدفع بنا إلى ارتكاب خطيئة اقتحامها، لأن الممنوع مرغوب فيه، كما يقال.

والنص كما يتبين لنا من التذييل أو الهامش الأول للعنوان، ” بُرُدٌ روائية”، يعني أنه تشكيلة من الرسائل جمعت في رواية، كما صرح الكاتب-الراوي، مجيبا في ذات حوار صحفي: “في البدء لم تكن رواية أو حتى مشروع رواية. فقط لعبة كتابية أردت أن أقترفها مع صديقين عزيزين. فطلبت منهما أن نتراسل نحن الثلاثة دون تنظيم ودون انقطاع ودون حتى رد مباشر. نتراسل ونتحدث في رسائلنا عن كل ما نريد بحرية تامة. غير أني لم يصلني منهما شيء يذكر واستمررت رغم ذلك في الكتابة كما كنت أتصورها. وبالاستمرار والمثابرة تبلورت التيمات والحكايات. لهذا وصفتها ببرد روائية”. ويضيف كهامش ثان للعنوان، ربما، بغية تجنيس النص “بعض من سيرة شبه ذاتية”، فيقول: ” وهي سيرة شبه ذاتية وليست ذاتية. فالكثير من الأحداث والوقائع جلبتها من حياة آخرين.”.

هذه الرواية عبارة عن تأملات كتبت بأسلوب” ذهاب -إياب “، أو كما يحلو للكاتب-الراوي، أن يسميه الاذهياب؛ وهذه الكلمة عبارة عن دمج كلمة ذهاب مع كلمة إياب أو بالأحرى تركيبهما في كلمة واحدة، ربما ليشدد على الاستمرارية والديمومة، أو ليرمي القارئ في متاهات لغوية تعبر عن عالم المهجر، “المغرَب” كما ينعته الكاتب-الراوي. وهي تتكون من ثلاثة أجزاء: الأبلوغ، الترنوف، الزنبوء. هذه العناوين تتيه بك وتأخذك إلى عالم ساحر، فتستمتع بلغة تجبرك على التوقف للتأمل في الأحداث وفي الصياغة وإبداع كلمات جديدة خاصة بالكاتب-الراوي. تبحث عن معناها في المعاجم فلا تجد لها أثرا، بل تكتشف معناها وأنت تغوص في الصفحات.

والرواية فعلا، عبارة عن شبه سيرة ذاتية، تبدأ من طفولة الكاتب-الراوي، إلى أن هُجِّر من وطنه إلى فرنسا، مرورا بمراهقته وشبابه. يحكي الأحداث، لكن ليس بتراتبية المراحل العمرية ولا حسب تراتبية الأحداث، بل يسرد أحداثا ومواقف ويحكي عن شخصيات متعددة وأمكنة مختلفة وأزمنة كثيرة في الوقت نفسه وفي الصفحات نفسها. فيكون التشويق جميلا والفضول كبيرا لمعرفة نهاية القصص والحكايات المؤثثة للرواية. وتستمر هذه التقنية في الحكي إلى نهاية الرواية. كتبت الرواية بأسلوب الاذهياب، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، حيث يتلاعب الكاتب-الراوي، بالقارئ كما تتلاعب الأمواج ببوحنا لها، تأخذه إلى قاع البحر ثم ترجعه إلى الشاطئ؛ وتأخذه وترجعه مرارا وتكرارا بين كل مد وجزر. هناك صفحات كثيرة كتبت بدون فاصلة أو نقطة، كأنه يريد أن يفرغ كل ما في جعبته من ألم ووجع وغضب وحب وعتاب، دفعة واحدة كي يتخفف منها ويزيحها عن كاهله. فيجد القارئ نفسه يلهث وراء الراوي-الكاتب، الذي يجرجره بكل ذلك البوح الذي قد يكون غضبا أو حبا أو وصفا لأمكنة أو لحدث أو لموقف أو لشخص…

فتح لنا الكاتب-الراوي باب عالمه الذي ولجناه بصحبته، حيث سيرته الذاتية وسير عدة شخوص له بهم صلة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالوطن المغرب الذي يقول عنه إنه قد رماه، أو “بالمغرَب”، فرنسا، بلد التهجير والإقامة، وطنه المستعار الذي أُجبر على الاستقرار فيه.

تعرفنا على والده الذي يحلو له أن يناديه سيدنا يوسف بدل مناداته باسمه المسجل في دفتر الحالة المدنية، والده الذي لم يعترف الوطنُ بما قدم له من تضحيات قبل وبعد الاستقلال، بل بالعكس، خانه وزج به وراء قضبان سجونه، إلى أن مات، بل قضى ورحل كما يقول الكاتب-الراوي. وتعرفنا أيضا على أمه، تلك المرأة القوية التي تدافع عن حق ابنها وتحب أن تغني كثيرا. وعرج بنا متحدثا عن أصدقاء الطفولة والمراهقة والشباب (زهير، عمر، خالد…)، الذين عاش معهم ذكريات فيها شغب الطفولة وتمرد المراهقة وتساؤلات وحيرة وجرأة الشباب.

أخذتنا الرواية في سفر طويل ومشوق لاكتشاف علاقة الكاتب-الراوي، بالسياسة وبالقضية الفلسطينية وبالله. وعلاقته بالدين (المسجد والصلاة والوضوء…) وتجار الدين (الإمام مثلا…). وتُحدثنا عن فزعه حين تحول الماء البارد ساخنا بين أصابعه، بقدرة ما.

أدخلنا الكاتب-الراوي، معه نفق تأمل كبير، وأقحمنا في متاهة تساؤلاته وتحاليله وآرائه التي أوصله إليها تأمله العميق، في أسطورة خروج حواء من ضلع آدم وتشكيكه في اتهام حواء بإثم إغراء آدم وتسببها في طرده من الجنة، وأيضا في تفاحة نيوتن وقانون الجاذبية، دون أن ننسى تشريحه للسؤال الوجودي: هل البيضة أسبق من الدجاجة أم العكس؟

ذكرنا الكاتب-الراوي بالهجوم الغاشم على العراق وإعدام الرئيس صدام حسين، وما ترك هذان الحدثان في نفسه من غصة وشعور بالانهزام. وشاركنا حكايات عاشها أو عايشها؛ حكايات عن التحرش والاغتصاب والاختطاف، عن التعليم والمعلمين، عن الشذوذ، عن ممارساته وعلاقاته الجنسية المتنوعة والمتعددة، عن أول حب طفولي عاشه، عن النساء اللواتي علمنه الأبجديات الأولى للجنس، واللواتي أحبهن أو اللواتي كن مجرد عابرات في حياته، عن النساء اللواتي تركن بصمة في قلبه مجيبة أو سالبة، سواء اللواتي قُدر له الالتقاء بهن في وطنه الأول أو في الثاني.

ولم ينس الحديث عن معاناة هؤلاء النساء اللواتي نذكر منهن: (ربيعة، فاطمة، مريم، خديجة، زينب، كارين، كريستين، فابيان، صوفي، نزهة…)، معاناة أوصلت، مثلا، ياسمين بباريس وفاطمة بالبيضاء، إلى الانتحار.

وقد كان للفن وأصحابه نصيبهم في حكاياته، مثل العطية والغيطة، وأغاني نعيمة سميح التي زاحمت إيديت بياف في باريس، مغنيتان خففتا بعضا من وجع غربة الراوي-الكاتب.

وقد جاء في الرواية الحديث عن المرض وما فعل بالأحبة، عن الموت الذي خطف منه أحبابا في الوطنين، عن الهجرة والغربة والوجع، عن التشرد في مدينة باريس والكراتين التي افترشها على أسفلت شوارعها وأزقتها، وعن الدعارة في بلاد الغربة…

ونجد كذلك حضور الحيوانات بقوة في رواية الدردور، فحكى عن القطط وتعذيبها، وأطنب الحديث عن قطه مسروق، عن جرجار، الحلزون الذي أهدته إياه الهيرمافروديت صوفي، التي نفر منها.

وَصَلَنا، عبر الرواية، حبُ الكاتب -الراوي، للغة العربية والدفاع عنها، وقدرته على خلق كلمات عربية عوض توظيف كلمات عجمية اجتاحت قاموس لغة الضاد مثل: الترنوف، الأبلوغ، السترون… وكذلك قدرته على تركيب كلمة من كلمتين مثل: اذهياب…

لقد عشنا معه معاناته مع الانكتاب وإلحاحه على صديقيه زهير وربيعة كي تكون بينهم مراسلة أي بُرُدٌ تجعل الكتابةَ ثلاثية برمدية، لكن خيبته فيهما رافقته وهو يكتب وحيدا حيث لم تصله أية رسالة منهما ردا على كتاباته المتتالية إليهما. فهما لم يكتبا إلا قليلا ولم ينكتبا قطعا. وأخبرنا كذلك عن حسن ظنه في زينب التي ينعتها بزينة صاحبة ” العرس الأحمر” ولكنها هي الأخرى لم تحقق له حلم كتابة “مثنى مثنى”، رغم أنه طالبها وشجعها كثيرا على الانكتاب، وهو من فعل (انكتب) حيث يصبح الكاتب حبرَ القلم الذي يكتب به ما يحسه ويعيشه، يكتب بتجاربه الخاصة ومعاناته وتأملاته، بجوارحه و آلامه وآماله وأحزانه وأفراحه. فربما هذا ما كان يصبو إليه الكاتب-الراوي، بطلبه من زينة وزهير وربيعة الانكتاب، وليس الرد أو التعليق على ما جاء في رسائله إليهم. لكنه لم يجد تجاوبا منهم الثلاثة.

أسر لنا الكاتب / الراوي بأن له وجوها متعددة، فحدثتنا عن آخره وأوله وعن يساره ويمينه، عن غيره وعن الزنبوء الذي اكتشفه فيه، عن إدمانه على التبغ، عن معاناته مع الأرق ورغبته الشديدة في النوم. وواصل الكاتب-الراوي، حكيه عن سقوطه ما مرة، عن البدايات والنهايات، عن صعوبة كتابة رسائل العزاء، عن الخمرة وكؤوسها، عن أحياء وساحات البيضاء وباريس، عن الحنين إلى الوطن، عن أولياء صالحين وكتاب وشعراء، وعن أشياء أخرى كثيرة.

يصل القارئ إلى الصفحة 574، وهي آخر صفحة من الرواية، منهكا، لكن يغمره استمتاع، كبير وفريد، لذيذ، بسفر عجائبي وغرائبي. استمتاع بأسلوب وتقنيةَ كتابة مغايرين، ويخرج منها محملا بمعجم جديد يغني قاموسه اللغوي. سفر في سيرة راوي جريء وطليق اللسان لا يبالي بالطابوهات.

لم تصلنا للأسف كل فصول رواية الدردور؛ لأن الكثير من صفحاتها قد أحرقها الكاتب في لحظات قد تكون يأسا أو غضبا أو شعورا بعدم الجدوى من الكتابة والانكتاب، كما كان مصير الفصل الخامس ” المَنكَب ” من الجزء الأول الأبلوغ، الذي أعدمه حرقا، كأنه يحرق بعضا من ذاكرته بكبريت النسيان.

” الدردور” عبارة عن سرد حكايات متشابكة في ثلاثة أجزاء: الأبلوغ والترنوف والزنبوء. تبدو لنا وكأنها ثلاثة أضلاع، كما أرادها الكاتب-الراوي، لكتابة ثلاثية يبتلعها الدردور. لكن التجربة لم تنجح كي تكون كما أرادها عبر المراسلات البريدية التي صبا إليها عبر طلبه وإلحاحه الذي بدأ كي لا ينتهي. كل جزء يتكون من خمسة فصول لا تزيد ولا تنقص، كأنه مهندس معماري، صمم الرواية على شكل منزل بثلاثة طوابق، حيث كل طابق فيه خمس غرف، وكل غرفة أثثها بأحداث ومواقف وذكريات ووجع وفرح وغضب وتيه…

الغرفة الأولى من الطابق الأول، ” الأبلوغ “، هي ” المَغرَب”، حيث يبدأ الدُردور دورانه، ويجد الراوي-الكاتب، نفسه مجبرا على الاستمرار في الكتابة ولو كما يقول: ” بَيْنَيَّ، مكتفيا بما في ذاتي من ذوات؛ أناس وأماكن وأوقات، أشياء وأحداث، ذكريات أحلام وكوابيس، أفراح وجراح، وكل جميل، كل مضى.. لا آتي يأتي، كل سيمضي، وسيبقى صدى…”. في الغرفة الثانية، “المَزغَب”، حيث لم يتركه الدردور وشأنه نراه يتساءل: “ماذا حدث؟ من تسلل بينيَّ (يعني بها بينه وبينه) هكذا، وكتب عني؟ من نحاني؟ أهي اللغة نشفت عروقها في دماغي؟ أم هو الدردور زاد شدة ودورانا؟”.

وفي الغرفة الثالثة، “المَرغب”، يتساءل بأسف عن البيضة والدجاجة وأيهما أسبق. وقد يكون هذا التساؤل الوجودي نتيجة تأمله في بدأ الخلق، حيث يتوصل إلى أن حواء ليست من ضلع آدم بل كلاهما من الطينة.

وفي الغرفة الرابعة، “المَقلَب”، يحكي عن التشرد في أرض الغربة يقول:” كان الشارع خيبة لذيذة مليئة بالمغامرات. لم أكن أتصور أنني في يوم ما كنت سأسقط كل هذا السقوط. فمن جسد كاترين الوثير سقطت على صفائح من كارتون. متوسدا محفظتي وكثير الأمل والألم…”. وأما بُرُدُ الغرفة الخامسة “المَنكَب” فقد أحرقها.

نصعد مع الراوي-الكاتب، إلى الطابق الثاني ” التُرْنُوف”؛ وهي من الكلمات التي أبدعها بدل مفك البراغي. والغرفة الأولى للتُرنوف هي “المَغضَب”، حيث يواصل فيها وصف معاناته النفسية: ” إنني يا رفيق، لفي جحيم. إنني أنقرض، رويدا رويدا، هوينى هوينى. إنني، أنا يا رفيق، أرفض، أرفض وأرفض إلى الانقراض. وهذا عزائي، وعزاء هذا الجنون المر اللذيذ.”. وفي الغرفة الثانية “المَهرب”، يخبرنا بأن زغردة حبيبته فاطمة قد كتمت بانتحارها، فقد “(…)انتظرتُها طويلا، ولم تأت. قفزتُ من سطح لسطح إلى سطحها، وجدت الباب موصدا، مقفلا حتى…وانتظرتها إلى أن عن الفجر(…)أصابني برد أرقدني، بين سعال وحمى، لأيام. أذكره، أتى لعيادتي عمر، ولم يخبرني بشيء. لكنني علمت بالأمر من أمي، حين عادت من الجنازة باكية. لم أصدق، لم أحزن، ولم أبك. وقفزت مرارا، بعيد ذلك إلى سطحها، وانتظرت في أرجائي تلك الزغردة. مثلما تعلمت العنقاء، بعدا والسقوط، تعلمت إذ الانتظار.”. وفي الغرفة الثالثة “المَندب “، يحاول أن يبدأ النهاية، فيستنجد بحبيبة له ويطلب منها: “(…) صُبي لي كأسا، وأشعلي سيجارة، وتوسدي قلبي، كي أبدأ النهاية، وأعلن بما يشبه النهاية، أريد أن أرتكب حماقة أخيرة قبيل ذي النهاية. (…) لا، ليس أنا. أنا لا أريد شيئا. أحدهم فيَّ يملي عليَ إرادته؛ يريد بي، أن أفتح النافذة ويرى تلك الساحة…اغفروني لي …أريد فقط، أن أنام.”. أما في الغرفة الرابعة، ” المَعطب”، فنجده يسأل رفيقه بألم ومرارة: “(…) ألم تشهدني ميتا هناك، أيام كنا نملأ ليالي ذاك الوطن بالدخان والقهقهة والدردشة؟ ألم تشهدني ميتا أعانقك في رحيل لا رغبة لي فيه؟ ألم تشهدني ميتا وأنت تأتيني من الألفة راجلا، يا رجل؟ لا أحد يعرفني ميتا على ما يرام، سوى ذاك الرفيق. لا أحد يراني بالبصر والبصيرة سوى هذاك الرفيق. ولا أحد مرام الموت مثلي إلا هو…يا من أناهوكم، إنكم دفنتموني فيَ بالحياة. وإنا لله وإنا إليه راجعون…”. وفي الغرفة الخامسة، “المصلب”، يحكي عن ولادته التي كانت بمثابة بداية مأساته وموته: ” في ليلة شتوية ما، ولدت آلافُ النساء آلافَ المواليد في نفس الثانية(…) خرج إلى الوجود ملايير من صغار كائنات حية أخرى غير الإنسان. وفي تلك الثانية نفسها، وأنا يقتحم الهواءُ الأرضي رئتي ذاك الجسد الذي قدر له أن يستضيفني، بدأت غربتي. وبدأ العد العكسي إلى الموت (…) في تلك الثانية بالذات، بدأت المأساة(…): دخلت جسدا ضيقا، نحيلا، ضعيفا، صغيرا، كسيح الأطراف، عاري العورة، وغواغا من جوع وبرد وخوف، أصم أبكم لا يفقه ولا يرى. دخلته بقدرة ما. دخلته مرغما، مخيرا أو مسيرا كان دخولي فيه مبهما.”

أما الطابق الثالث والأخير فهو ” الزُنبوء”؛ كلمة من الكلمات التي أبدعها الراوي-الكاتب بدل الكلمة الفرنسية ” الزومبي”. فالغرفة الأولى في هذا الطابق هي ” المَجلب “، حيث يشرح لنا معنى الزنبوء قائلا:” الزنبوء من أميت مكرها، ثم أعيد إلى العيش مكرها، ثم أميت، ثم أعيد، مكرها، مكرها، تعدادا، مرارا وتكرارا. ولأمر في نفس الموت، أو في نفس العيش، أو في نفسيهما كليهما، أحلقت كل زغبي سوى الشارب عفوت عنه والحاجبين. ثم رحت أكتب قصائد قصيرة جدا جدا إلى حد البخل في الانكتاب، تشبه كثيرا كثيرا شعر الهايكو، لا معنى لها إلا بالمشاهدة؛ ثم رحت أحرقها قصيدة قصيدة، وأداعب لهبها ببعض البصاق.”. وفي الغرفة الثانية، ” المَنقب”، يتلاعب بشخصيات أدبية وسياسية قائلا:” ونحن نتداعى بغاز الكؤوس ونتلذذ بفقاعاتها ونلهو بتحريق المشهيات، كانت تُلبس كافكا هيكل حوت هيمنجواي، وتضع سيف معلوف في قبضة مغاربي كامي، ومثلما أمطت سيزيف راحلة الكيخوطي، أرغمت نبي جبران ركوب الزورق العربيد. ثم أحلت صدام محل هيتلر، وسمت فلسطين إسرائيل وسلت عن الصهيون كل المجازر. وبكت شعوب العرب والهنود، الكرد والإنويت السود. وتلت بعض نيرودا، وعجت بانتحاب لوركا، وتغنت بألحان المتطرفين، وهددت بوش بما تخفيه الصين، وعارضتني متحمسة عند كل تدخل، فتخليت عن بياضها يزحف بين زغيباته الزنبوء.”. وفي الغرفة الثالثة “المَذهب”، يتساءل الراوي-الكاتب، عن الجنس الأدبي الذي يصبو إليه، وقد يعثر القارئ في هذه الفقرة، على التفسير لذلك التداخل الذي يجده بين الكاتب والراوي، فيصعب عليه أن يفرق بين بوح الراوي وكتابة الكاتب: “ربما هي سيرة غيرية وأنا أقحمت ذاتي الكاتبة فيه. سيرتي الذاتية لا غير أشعاري. نصوص الغريب، كما يسميها دونك عني ذاك الرفيق الصديق، تبتدئ بالليل الذي لا ينتهي. ولكي تستمر، ولكي تصير، ولكي تبقى، تحلم بالحيض والقمح وبالفرح. وكأنها سيرة جمعية محاصرة بالاذهياب بين التوحد والتعدد. يحملها الرحيل الممض، بين ما تقتضيه الخطوط وتضيق به الخطى، إلى مشاكسة الواقع ومحاصرته بالفعل اللغوي. وهكذا تتوارث كينونتها كقصيدة واحدة، متحولة من ظلمة وضيق شرنقة العيش إلى انفساح الأفق وفساحة نور اللغة. تتلاحق، تتسارع، تتحاور، تتكامل وتطول، تطول إلى أن تطفر كلها، أو بعضها، في قصيدة ديوان.”. وفي الغرفة الرابعة “المَضرب”، ننصت إليه وهو يقول باستسلام: ” وقضى الزنبوء إلا أن أقتفيه إلى باربيس، وأشتري راية الوطن وبعض الحناء والنعناع والجاوي وحصى اللبان. مرورا، توقفت عند الجزار، واشتريت خصيات خرفان، وطيحان عجل. وعند الخباز اقتنيت بعض الشباكية. وعند الخضار بعض اللفت المحفور. وتصدقت كثيرا، كثيرا، وما أكثر المتقاعدين عن العمل بباربيس. شيوخ نساء ورجال، شباب وأطفال، زرافات ووحدانا، يطلبون الصدقة. ونحن بباربيس، أفاق الراوي، واشترى بعض الحشيش، وتاه بنا عبر الدروب إلى ركن زقاق لا أعرفه، وفتخ جوانه، وكماه. سعل كثيرا كثيرا، ثم قال مقهقها: (لو حشرتَ المغاربة في جهنم لعقابهم، لرأيتهم يمغربون النار ولا يعاقبون)”. وفي الغرفة الخامسة والأخيرة ” المَرسب” ينهي شبه سيرته الذاتية مناديا رفيقه: ” ويا صاحبي، أيها الرفيق الصديق(…) أقمت بالدغل أياما؛ من سعال لزكام، من قيء لإسهال، بين برد وحمى، تمكنوا مني؛ قُبض علي…”.

لما يصل القارئ إلى نهاية الرواية، يحس برغبة شديدة في قراءة المزيد، وبحاجة كبيرة لكي تستمر الرواية، لأنه تعود على وجود كل شخوصها، الذين تعرف عليهم، وتقرب منهم، وتفهمهم من خلال تحليل الراوي-الكاتب لنفسيتهم، فتعاطف معهم وأحبهم، وحزن لمن فارق الحياة، قلق عمن انقطعت أخبارهم عنه وعن الراوي-الكاتب. فبعد نهاية قراءتها، يصبح القارئ شخصا غير الذي كان قبل أن يلتقفه دردورها، فيلازمه لمدة ليست بالقصيرة، الإحساسُ كأن دوران البحر يمخضه؛ فاللغة والأحداث والسرد والأسلوب معا، جعلوا من الرواية تجربة جديدة، غريبة وممتعة رغم الوجع الثقيل الذي أرهقه كما أرهق الراوي-الكاتب بدون شك.

إنها رواية تجتاحها يموم الدردور الذي زج بالكاتب -الراوي في قرارة المفاوز. رواية تحضر فيها مرايا كثيرة ومتنوعة، تعكس كل الأحداث التي وهي تتجلى للكاتب-الراوي، تدفعه لحكيها أو ترغمه على الحكي. فتصبح الرواية بدورها مرايا لا تعكس فقط الأحداث بل تتجاوزها لتعكس للقارئ حالات الكاتب-الراوي، النفسية خضم الكتابة. ومما يزيد في التشويق لمواصلة قراءتها بنهم، هو ذلك الإحساس بأنها كتبت بوتائرَ مختلفة، تارة ببطء شديد، وتارة بسرعة مثيرة، كأن الكاتب-الراوي، يهرول هاربا كي يبتعد عن حكي أرهقه أو يركض سريعا ليقترب أكثر من أحداث يجد راحته القصوى في البوح بها. وقد تعكس هذه التئر الاضطرابات النفسية التي واكبت كتابة كل الصفحات بكل ما فيها من أحداث ومواقف؛ صفحات أحيانا تعطي انطباعا على أن الكاتب-الراوي، قد قرر التوقف عن الكتابة، ولكنه يفاجئ القارئ بمواصلة الحكي صفحات تلو الصفحات.

ننهي الرواية ونحن مرهقين، لكن لن يصل تعبنا إلى درجة تعب ومعاناة الكاتب-الراوي، النفسية، وهو يخوض هذه التجربة الإبداعية. رواية أنهى كتابتها يوم الرابع عشر من شهر شتنبر سنة 2005، يوم عيد ميلاده، ولكنها لم تنشر عن مؤسسة الموجة الثقافية، إلا بعد ثمانية عشرة سنة، أي عام 2023. وقد نجد جوابا عن سبب هذا التأخير في نشرها بصفة خاصة وفي نشر كل كتاباته سواء الشعرية أو الروائية أو ترجماته ومقالاته، بصفة عامة، في هذه السطور للكاتب والشاعر والمترجم المغربي-الفرنسي، جمال خيري، على ظهر غلاف الرواية، حيث كتب بمرارة وخيبة وغضب هذا البوح الجريء:” إذا كان النشر قيمة الشعر وقمته؛ إذا كان النشر بطاقة اعتراف بالشاعر، فأنا لا أريد لا قيمة ولا قمة ولا اعترافا(…)، أريد فقط وسيلة للتواصل والاتصال مع قارئي.

هم يملكون الوسائل؛ الناقد والناشر والقاعة ومكبر الصوت. يملكون الإشهار والإعلام والورق والحبر والكلام. ولهم وزاراتهم ومطابعهم واتحاداتهم وبرامجهم(…)، هم يملكون الوسائل ويحاولون، بها ومن خلالها، امتلاك الشعر والشاعر والقارئ معا. وقضوا، ربما لطول النصوص كما قيل مرة، أو لانفلاتها من قبضة ما يستنسخون، أو لأنها عبثية تنبني على تكسير الصورة… قضوا بالصمت عنها وطمسوها بحصار الإهمال.”

وأخيرا، فإن هذه السطور تبقى مجرد انطباعات قارئة حول رواية الدردور، التي، في نظري، تستحق قراءة جدية و نقدية بل وحتى دراسة أكاديمية.

Shortened URL
https://safircom.com/u3a4
سفيركم

Recent Posts

منصة خاصة بتوكيلات مغاربة العالم من أجل التصويت.. أبرز مستجدات اجتماع الداخلية بالأحزاب غير الممثلة بمجلس النواب

بعد عقدها يوم الخميس المنصرم، لاجتماع دعت له ممثلي الأحزاب الممثلين بالبرلمان. عقدت وزارة الداخلية،…

11 دقيقة ago

تحقيق: ملايين الدعم وخروقات الحسابات.. الوجه الخفي لمالية الأحزاب

إعداد: يوسف المساتي  لم تعد الأحزاب السياسية في المغرب مجرد تنظيمات تتنافس انتخابياً أو تؤطر…

ساعة واحدة ago

الملك يودع عبد الوهاب الدكالي ببرقية مؤثرة

بعث الملك محمد السادس برقية تعزية ومواساة إلى أفراد أسرة الفنان الموسيقار الراحل عبد الوهاب…

ساعة واحدة ago

من حفلات الافتتاح إلى أزمة المدارس.. مونديال 2026 يثير الجدل

يدخل مونديال 2026 مرحلة غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم، بعدما أعلنت “فيفا” تنظيم ثلاث…

ساعتين ago

خسائر العملات المشفرة تضرب شركة ترامب للإعلام

سجلت شركة ترامب للاعلام، والشركة الأم لمنصة Trump Media & Technology Group المالكة لـثروت سوشيال…

3 ساعات ago

الفاتيكان يعيد فتح ملف المثليين داخل الكنيسة

بدأ الفاتيكان إرسال إشارات جديدة بشأن تعامله مع المثليين الكاثوليك في عهد البابا ليو الرابع…

4 ساعات ago

This website uses cookies.