دعا المصطفى الرميد، وزير الدولة السابق المكلف بحقوق الإنسان، إلى مراجعة المقاربات الفقهية والقانونية المرتبطة بالأطفال المولودين من علاقات غير شرعية، مؤكدا أن الشريعة الإسلامية، في جوهرها ومقاصدها الكبرى، تقوم على العدل وعدم تحميل الأبرياء وزر غيرهم، وأن أي اجتهاد يفضي إلى تهميش هذه الفئة أو حرمانها من حقوقها الأساسية يتعارض مع روح الإسلام ونصوصه المحكمة.
وشدد الرميد في مداخلته خلال الدورة التاسعة للملتقى الوطني لليتيم، على أن الأطفال المتنسلين من علاقات خارج إطار الزواج يظلون فئة بريئة، لا يجوز شرعا ولا أخلاقا مؤاخذتها بأفعال لم تكن طرفا فيها، مستحضرا النص القرآني “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، ومعتبرا إياها أساسا حاكما في هذا النقاش.
وأوضح الرميد أن الشريعة الإسلامية تأسست على ثلاث يقينيات كبرى، أولها أن الله تعالى عدل وأمر بالعدل، وثانيها مبدأ المسؤولية الفردية، وثالثها أن الحلال بين والحرام بين، مشددا على أن تحريم الزنا لا يعني بأي حال من الأحوال ترتيب آثار عقابية أو تمييزية على الأطفال الناتجين عنه، لغياب أي نص شرعي صريح يحملهم تبعات ذلك الفعل.
وفي هذا السياق، اعتبر المتحدث خلال الندوة التي نظمتها الجمعية المغربية لليتيم، أن عددا من الاجتهادات الفقهية التي حرمت هؤلاء الأطفال من الانتساب إلى آبائهم استندت إلى أعراف وتأويلات ضعيفة أو نصوص غير ثابتة، مؤكدا أن الشريعة لم تقر في أي آية محكمة أو سنة صحيحة مبدأ تأثيم الأطفال أو إسقاط حقوقهم بسبب أفعال آبائهم.
وسجل الرميد أن الطفل مجهول النسب يوجد، من حيث الحاجة إلى الرعاية والحماية، في وضعية أقرب إلى اليتيم، بل أشد هشاشة، مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على الإحسان إلى اليتيم وصون كرامته، ومؤكدا أن وصم الطفل أو حرمانه من حقوقه يعد شكلا من أشكال القهر الذي نهى عنه الشرع صراحة.
كما توقف عند مسألة النسب، مبرزا أن نسبة الطفل إلى أمه ثابتة في جميع الحالات، وأن منطق العدل يقتضي، متى ثبتت الأبوة بوسائل قطعية أو ظنية معتبرة، إلحاق النسب بالأب كذلك، خاصة في ظل التقدم العلمي الذي أتاح فحص الحمض النووي كوسيلة دقيقة تفوق في حجيتها وسائل الإثبات الظنية التي اعتمدها الفقه قديما.
وفي معرض حديثه عن قاعدة “الولد للفراش”، شدد الرميد على أنها قاعدة تم وضعها لحماية الأنساب داخل إطار العلاقة الزوجية، ولا يصح توظيفها لنفي نسب طفل مجهول النسب، معتبرا أن الاستناد إليها في هذا السياق يعد خلطا بين المناطات الشرعية وإقحاما لقاعدة في غير محلها.
وعلى المستوى القانوني، أشار وزير الدولة السابق إلى أن مدونة الأسرة المغربية لا تزال، إلى حدود اليوم، لا تنصف الأطفال المولودين خارج الزواج في ما يتعلق بإثبات النسب الأبوي، غير أنه أكد إمكانية اللجوء إلى قواعد المسؤولية التقصيرية للمطالبة بالتعويض عن الضرر، مستحضرا اجتهاداً حديثا لمحكمة النقض قضى بثبوت مسؤولية المغتصب تجاه الطفل الناتج عن فعلته، وعدم سقوط حق هذا الأخير في التعويض.
وأكد الرميد على أن إنصاف هذه الفئة من الأطفال يظل رهينا بتطور الوعي الفقهي والتشريعي، وبالجرأة في إعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصد الشريعة وروح العدالة، بما يضمن كرامة الإنسان، بغض النظر عن الظروف التي جاء فيها إلى الحياة.

