Non classé

“المحج الملكي” … أربعون سنة من الفشل البيروقراطي تحسمها جرافات مونديال 2030

إنجاز: عمر لبشيريت – عثمان عشقي

وسط الدموع والحسرة وألم الفراق، والغضب والإحساس بالعجز و”الحكرة”، ووسط ضجيج الجرافات والأتربة وانتشار رجال الأمن، هكذا ودّع أبناء وبنات وسكان المدينة القديمة بالدار البيضاء أحياءهم ودروبهم وأسواقهم ومحلاتهم وذاكرتهم، وأصدقاءهم وجيرانهم… ودّعوا جزءًا من لحمهم ودمهم.

درب لنجليز

درب لنجليز، درب الرماد، درب الفصة، درب الكلب، درب كناوة، بوطويل، موحا وسعيد، النزالة، البحيرة… كلها فضاءات وأحياء وأسواق انتهت تحت الأنقاض، وأجهزت عليها الجرافات.

يحكي أحد شباب المنطقة بألم وحسرة: “تركنا وراءنا حياة كاملة؛ وُلدنا هنا، ونشأ أطفالنا في هذه المنطقة، وحتى قوت يومنا كنا نتدبره من المدينة القديمة”.

ذاكرة وحيوات وحكايات وتاريخ، ومسارات لساكنة وأحداث مرّت من هنا، نُسجت على مدى عقود، شكّلت تاريخ المدينة القديمة بالدار البيضاء… طُمِرت تحت الأنقاض والغبار، واختفت إلى الأبد.

العربي أحرضان لاعب الوداد البيضاوي والمنتخب المغربي الفائز بالكان، إدريس عشا لاعب فريق الرجاء البيضاوي. عزيز بودربالة، لاعب الوداد والمنتخب المغربي، كلهم مروا من هنا، ونشأوا وصقلوا مواهبهم.

صورة لإحدى عمليات الهدم

بوطويل، درب التازي، كارتي كوبا، درب الطليان، لوبيلا، الطاهر العلوي، البحيرة… ليست مجرد أسماء، بل تاريخ كامل حافل بالأمجاد والانكسارات والمغامرات والأسواق والبشر. هنا موروث بيضاوي انمحى ولن يعود أبدًا. هنا سلخت الدار البيضاء جزءًا من لحمها وتاريخها، وتركته للجرافات تنهشه وتلقي به بين المتلاشيات.

بالنسبة لمراد مسعاد، أحد قاطني درب الرماد الذي انتهى، فعلا رمادا، فإن المدينة القديمة وطن وكائن حي بكل معنى الكلمة. ويؤكد بحسرة، “من الصعب أن يُفرض عليك مغادرة معقلك الذي تربيت فيه، وترك جيرانك وأصدقائك ويرمى بك إلى المجهول”.

صور لإحدى عمليات الهدم

المدينة القديمة تحفة ومدرسة في الفن والحياة، بين أزقتها ودروبها وفضاءاتها، خرج إلى الوجود الفنان الكوميدي لمفضل لحريزي، المعروف بمي الهرنونية، وملك العيطة الشعبية بوشعيب البيضاوي. ووسط هذا العالم الغني برز بطل الملاكمة العالمية مارسيل سيردان، والمصارع سعيد السواكن، والفنانة سعاد صابر.

إنها لعنة المونديال التي حلّت بأبناء المدينة القديمة، كأنها تراجيديا يونانية؛ هنا ورثة “آنفا” يتركون خلفهم أطلالًا جديدة. وأمام صمت الأحزاب والجمعيات وممثليهم في المجالس المحلية، باستثناء المستشار الجماعي عبدالله اباعقيل عن الاشتراكي الموحد، والبرلمان، لم يجد السكان سوى دموعهم وهواتفهم لتوثيق لحظات الهدم وتوديع منازلهم ومحلاتهم. ولم يجدوا سوى وسائل التواصل الاجتماعي لنشر مأساتهم وإيصال صوتهم إلى العالم.

جامع الشلوح بالمدينة القديمة للبيضاء

من درب الحداوي ودرب السنغال، مرورًا ببوسبير ودرب سلام، وصولًا إلى درب الفصة… عاش هنا ومرّ فنانون ورياضيون وسياسيون وإعلاميون، وسجّل التجار وسكان الحي وجمهور فريق الوداد ملاحم وبطولات صنعت ذاكرة المدينة القديمة. هنا كانت صيحات وشقاوة الأطفال والشباب تتعالى داخل 13 مؤسسة تعليمية، انطفأت نهائيا.

كل هذا الموروث الشعبي والثقافي والتاريخي عصفت به لعنة المونديال، وتدبير عشوائي وفوضوي، امتد ل 40 سنة، لمشروع سُمّي “المحج الملكي”.

أصل الحكاية… مسجد وحلم “محج ملكي”

في أواسط ثمانينات القرن الماضي، اتخذ الملك الحسن الثاني قرارًا بتشييد واحد من أكبر المساجد في العالم بعد الحرمين الشريفين، على شاطئ مدينة الدار البيضاء، وتحديدًا في منطقة “بحر مريزيكة”.

كان هذا الفضاء جزءًا من ذاكرة سكان المدينة القديمة، حيث تعلم كثيرون السباحة والصيد، واحتضن أطلال المسبح البلدي، وحوض الحوت، وفضاءً واسعًا يُعرف بـ”الشوينطي”، كان مسرحًا لمباريات رياضية ومكانًا لتعلم ركوب الدراجات.

بالتوازي مع إطلاق المشروع، راجت فرضية مفادها أن الأحياء المجاورة لن تبقى على حالها، وأنها ستُهدم لإفساح المجال أمام “محج ملكي” يربط المسجد بالقصر الملكي في درب السلطان. فرضية تحولت تدريجيًا إلى واقع مع بداية عمليات الإحصاء في أواخر الثمانينات، لترحيل نحو عشرة آلاف أسرة. ولهذا الغرض، أُطلق مشروع “مدينة النسيم” (جنوب غرب المدينة) على مساحة 350 هكتارًا، لاحتضان الساكنة المرحّلة.

المتاهة الكبرى: 40 عاماً من “البيروقراطية القاتلة”

بين منتصف الثمانينات ومنتصف التسعينات، وباستثناء عمليات إحصاء متفرقة ومرتبكة، لم يحدث شيء يُذكر. ظلت البيروقراطية الإدارية تتخبط بين الانتظارية والعشوائية.

تعاقبت السنوات، بينما ظلت وزارة الداخلية والسلطات المحلية تتقاذف الملف وسط تنازع الاختصاصات وتداخل المهام والأخطاء الإدارية والمسطرية. تنقّل مشروع “المحج الملكي” بين الوكالة الحضرية، والشركة البنكية، و”صوناداك”، وصندوق التجهيز الجماعي، وصندوق الإيداع والتدبير، والمحافظة العقارية لينتهي في الأخير بين مكاتب شركة جديدة سميت “شركة التنمية المحلية الدارالبيضاء للإسكان والتجهيز”…

في دوامة التخبط وغياب الفعالية.

لم تنطلق أولى عمليات الترحيل إلا منتصف التسعينات، مستهدفة منازل “درب الصوفي”، حيث نُقل السكان إلى حي التشارك. ورغم بعض الاختلالات، مرت العملية دون توترات كبيرة، واستفاد المرحّلون من سكن بديل، ما منح المشروع قبولًا نسبيًا في بدايته.

لاحقًا، شملت العملية “عرصة بن سلامة”، وبدأت المشاكل تظهر بوضوح: خلافات حول التعويضات، إشكالات بين المالكين والمكترين، وتعويض أصحاب المحلات.

كما عانت شركة “صوناداك” من اختلالات تنظيمية ومالية عطلت المشروع، مع تسجيل خروقات في الاستفادة، حيث حصل بعض الأفراد على شقق دون وجه حق.

أدى الترحيل أيضًا إلى تدهور الوضع الاجتماعي لعدد من الأسر التي فقدت مصادر رزقها، وأصبحت عاجزة عن تسديد الأقساط البنكية، ما دفع الأبناك إلى التراجع عن التمويل.

“المحج الملكي” يدخل غرفة الانتظار

ابتداءً من منتصف التسعينات، دخل المشروع حالة جمود. تفاقمت مشاكل البيروقراطية وتنازع الاختصاصات، وتوقفت العملية بشكل مفاجئ.

خلال هذه الفترة، تضاعف عدد السكان وتوسعت الأسر، وظهرت فئات جديدة تطالب بالاستفادة، من بينها مكترون حصلوا على شواهد سكنى، وآخرون استغلوا منازل مهجورة.

تحولت أجزاء من الحي إلى فضاءات مهجورة، أصبحت ملاذًا للانحراف ومسرحًا لبعض الجرائم، مع استمرار إعادة استغلالها للسكن أو الكراء، ما زاد من تعقيد الملف.

“لعنة المونديال”: حين يعلو صوت الجرافات

بعد سنوات من الاعتقاد بأن المشروع طُوي نهائيًا، تبدد ذلك سنة 2025، حين عادت الجرافات بوتيرة متسارعة، في سياق التحضيرات لكأس العالم 2030.

مع توصل السكان بإنذارات الإخلاء، عمّ الارتباك والخوف. تقول نعيمة، أم لثلاثة أطفال: “ضاقت بنا الدنيا… نحن مكترون، ولم نرَ شيئًا من الوعود. طُلب منا تدبير سكن مؤقت، ونقلت أثاثي إلى معارفي، بينما تكفلت أختي بأطفالي”.

ترحيل مستعجل وأسئلة مفتوحة

انطلقت عمليات الهدم خلال ليالٍ شتوية باردة، وفي عز الموسم الدراسي، وسط حضور أمني مكثف.
يقول أحد السكان: “أُخذنا على حين غرة… طُلب منا إخلاء المنزل بسرعة، دون أن نعرف إلى أين سنذهب”.

السرعة في التنفيذ طرحت أسئلة حول الإنصاف ومصير الأسر. ويحكي آخر: “لم نتمكن حتى من العثور على سكن بديل، وعدنا بعد الهدم للبحث عن دفاتر أبنائنا وسط الركام”.

كيف لمشروع عجزت السلطات عن إنجازه خلال أربعين سنة، ورُصدت له مليارات الدراهم، أن يُنجز في أربع سنوات فقط؟.

بين انطلاقة واعدة في الثمانينات، وتعثر طويل، ثم عودة مفاجئة، يكشف هذا المشروع أزمة أعمق في تدبير الزمن الحضري، وعجزًا عن التوفيق بين التنمية وحقوق السكان.

اليوم، بعد أربعة عقود من الارتجال والبيروقراطية وهدر المال العام، يُطلب من الساكنة دفع ثمن هذه الاختلالات. السكان لا يعارضون المشروع، لكنهم يرفضون أن يكونوا ضحيته.

السؤال الذي يطرحه الجميع بمرارة:

كيف لمشروع عجزت السلطات عن إنجازه خلال أربعين سنة، ورُصدت له مليارات الدراهم، أن يُنجز في أربع سنوات فقط؟. لا يمكن أن نوضع أمام خيارين: إما البيروقراطية أو الجرافات، هكذا لخصت سيدة من المدينة القديمة “العرض” الذي قدم للسكان.

بين حلم عمره عقود وواقع يُنفّذ على عجل، تقف المدينة القديمة اليوم شاهدة على مفارقة قاسية: مشروع وُلد باسم التنمية، لكنه يسير على أنقاض ذاكرة جماعية حيّة. ليست القضية مجرد حجر يُهدم أو بناية تُزال، بل تاريخ اجتماعي وثقافي يُقتلع دون أن يُمنح زمنًا عادلًا للانتقال.

في زحمة الجرافات وتسارع القرارات، يظل السؤال معلّقًا: هل يمكن لأي مشروع، مهما كانت أهميته، أن ينجح وهو يتجاهل الإنسان الذي يسكنه؟

الدار البيضاء اليوم لا تهدم أحياءً فقط، بل تختبر معنى العدالة في التخطيط، ومعنى الوفاء لذاكرتها. وبين هذا وذاك، يبقى الأمل معلقًا على أن لا يتحول “المحج الملكي” إلى شاهد جديد على فشلٍ قديم يتكرر.

كرونولوجيا الوهم: كيف ضاعت أربع عقود؟

كرونولوجيا مشروع المحج الملكي
  • 1989: بداية الحلم

انطلقت أشغال تشييد مسجد الحسن الثاني في 12 يوليوز 1986، لتنتهي بتدشينه رسميًا في 30 غشت 1993. وظلت فكرة إنشاء “المحج الملكي” تختمر طيلة فترة بناء المسجد، قبل أن يُعلن عنها رسميًا سنة 1989.

  • 1991: بداية التحرك

أنشأت الحكومة سنة 1991 شركة ذات طابع بنكي لتتولى الإشراف على إنجاز مدينة النسيم على وعاء عقاري يبلغ 350 هكتارًا، من أجل إيواء قاطني المدينة القديمة. كما شُرع في عملية إحصاء الساكنة.

  • 1994: الخطأ الأول

تنبهت السلطات إلى أن إنشاء شركة بنكية كان قرارًا غير ملائم، نظرًا لوجود صندوق التجهيز الجماعي، وكلاهما مؤسستان عموميتان بطابع بنكي، ما قد يفضي إلى تعارض في الاختصاصات.

فأقدمت هذه المرة على إحداث شركة “صوناداك” (الشركة الوطنية للتهيئة الجماعية)، كفرع من فروع صندوق الإيداع والتدبير.

  • 1998: استمرار العشوائية

طيلة سبع سنوات، ظل الجمود سيد الموقف. ومع توالي المسؤولين، جرى الانتباه إلى أن الشركة المكلفة ببناء مدينة النسيم هي “صوناداك”، بينما حيازة العقار كانت تحت مسؤولية الوكالة الحضرية للدار البيضاء. وهكذا، تم سنة 1998 تحويل ملكية الأرض باسم “صوناداك” لضمان موافقة المحافظة العقارية.

  • 2001: بداية التململ

مع تعيين مدير جديد على رأس “صوناداك”، قامت الشركة بحيازة حوالي 200 هكتار بمدينة النسيم. وتم الشروع في إسكان الدفعات الأولى من سكان المدينة القديمة (عرصة الصوفي).

غير أنه، مع توقف عملية الإحصاء والهدم، وُجّه مشروع النسيم لإيواء ضحايا الفيضانات التي عرفتها الدار البيضاء، فيما دخل مشروع المحج الملكي ثلاجة البيروقراطية، ونسي سكان المدينة القديمة قضية الترحيل.

  • 2006 في انتظار غودو

تم تعيين مدير جديد على رأس “صوناداك”، مع ضخ 50 مليار سنتيم في حسابات الشركة لتسريع وتيرة العمل. غير أن هذه المرحلة تميزت بالجمود، واستمرار الصعوبات في اقتناء مزيد من العقارات، إضافة إلى توترات بين السكان المرحلين والقرض العقاري والسياحي، بسبب صعوبة سداد أقساط القروض.

  • 2007 تعيين وراء تعيين

تعيين مدير جديد آخر على رأس “صوناداك”، انكب على حل مشاكل المرحلين الأوائل مع القرض العقاري والسياحي.
في المقابل، ظل مشروع المحج الملكي وإحصاء السكان وترحيلهم مجمدًا، حتى كاد يُنسى.

  • 2008 الجمود والمحاكم

أمام استمرار الجمود وتزايد القضايا المعروضة على المحاكم من طرف السكان المرحلين، غرقت مدينة النسيم في الإهمال والتلاشي. لتظهر صيغة جديدة تمثلت في قيام صندوق الإيداع والتدبير بشراء “صوناداك” وتفويت الرصيد العقاري لمدينة النسيم إليه.

وبموجب هذه الصيغة، جرى ترحيل السكان الذين كانوا ينتظرون إسكانهم إلى مدينة الرحمة، على الأطراف الشرقية للدار البيضاء، حيث اقتنى لهم الصندوق حوالي 1500 شقة، مقابل احتفاظه بالرصيد العقاري لمدينة النسيم، التي ستعرف لاحقًا طفرة عمرانية واقتصادية.

  • 2009 المجلس الأعلى للحسابات يدخل على الخط

وسط هذه الاختلالات وفشل “صوناداك”، وتقاطر الشكايات على المحاكم، أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرًا صادمًا، سجل فيه بطئًا شديدًا في تعبئة العقار (لم تتجاوز الاقتناءات 15.6% من الوعاء إلى حدود ماي 2009)، واختلالات في الحكامة والتدبير، وعدم احترام آجال الإنجاز، ما أثر بشكل كبير على مشروع “المحج الملكي”.

  • 2013 لا جديد إلا الفضائح

توالت فضائح صندوق الإيداع والتدبير، وأُحيل عدد من مسؤوليه على المحاكم على خلفية ما عُرف بفضيحة الحسيمة (ملف أنس العلمي ومن معه). كما تم تعيين مدير جديد على رأس “صوناداك” في محاولة لإخراج المشروع من حالة الجمود، غير أن الوضع ظل على حاله.

  • 2014 “صونداك” أمام القضاء

فتحت الفرقة الوطنية للأبحاث القضائية تحقيقات موسعة بخصوص “صوناداك”، اعتمادًا على تقرير المجلس الأعلى للحسابات، شملت 11 موظفًا ومسؤولين تعاقبوا على مالية الشركة، على خلفية شبهات تبديد المال العام واختلالات في الصفقات والتصرفات العقارية.

  • 2015 لا جديد سوى المحاكم

استمعت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء إلى المدير العام السابق لـ”صوناداك” بخصوص صفقات وتدبير أموال المشروع، استنادًا إلى ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات. فيما كاد النسيان يطوي صفحة “المحج الملكي”.

  • 2017 تجدد النزاعات

استمرت النزاعات القضائية والمدنية المرتبطة بملفات التعويضات ونزاعات الملكية بمحيط المشروع، في ظل توقف شبه كلي للأشغال ميدانيًا، وتحول مدينة النسيم إلى ما يشبه شبحًا إسمنتيًا.

  • 2025 كأس العالم والسرعة النهائية

دعا والي الدار البيضاء، بشكل مفاجئ، عقب إعلان فوز المغرب بتنظيم كأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال، إلى عقد دورة استثنائية لمجلس المدينة للمصادقة على اتفاقية شراكة جديدة لتسريع إنجاز المشروع.

وشملت هذه الخطوة حل “صوناداك”، ونقل مهامها إلى شركة “الدار البيضاء للإسكان” كشركة تنمية محلية يرأس مجلس إدارتها الوالي، مع ضخ مليار درهم لفائدة شركة “الدار البيضاء للإسكان والتجهيز” لإتمام عملية إخلاء المدينة القديمة وإنشاء “المحج الملكي”.

  • 2026 لا صوت يعلو على صوت الجرافات

أصوات حقوقية وسياسية تنتقد المشروع

فاطمة التامني، برلمانية عن حزب فدرالية اليسار:

ضحايا المشروع يشتكون من غياب الشفافية والكرامة

فاطمة التامني

تابعتُ، شخصيًا، هذا الملف منذ بداياته، من خلال تتبع ميداني مباشر، والتواصل مع عدد من الأسر المتضررة، وكذا عبر توجيه أسئلة كتابية وشفوية إلى الجهات الحكومية المعنية، قصد الحصول على المعطيات الدقيقة المتعلقة بالمشروع.
وأود التأكيد أن الملاحظات الأساسية التي نسجلها اليوم تتعلق أساسًا بطريقة تدبير الملف، حيث إن عددًا كبيرًا من شكايات الساكنة يلتقي حول غياب التواصل الواضح والشفاف، وغياب المعلومة الرسمية الدقيقة، إضافة إلى ما يعتبره المواطنون ارتباكًا في مساطر الإفراغ والهدم، وعدم احترام الكرامة الإنسانية في بعض الحالات، خاصة حين يتعلق الأمر بأسر فقيرة، أو مسنين، أو نساء في وضعية هشاشة، إلى جانب تجاهل الخبرات المضادة التي أثبتت أن عددًا من المساكن غير مهددة بالسقوط.

التجاوب الرسمي يظل محدودًا وغير كافٍ، وأن المعطيات التي تُقدَّم غالبًا ما تكون عامة، ولا تتيح لنا تتبع المشروع بالقدر المطلوب،

كما أن عددًا من المواطنين يؤكدون أنهم لا يتوفرون على رؤية واضحة بخصوص مصيرهم: هل سيتم تعويضهم؟ وأين سيتم ترحيلهم؟ وما هي الضمانات القانونية والاجتماعية التي تحميهم من التشرد أو من تدهور ظروفهم المعيشية؟ وهذه أسئلة مشروعة لا يمكن اعتبارها مجرد مطالب جانبية، بل هي جوهر أي مشروع يُفترض أن يهدف إلى التأهيل لا إلى التهجير. وينطبق الأمر نفسه على المباني والمحلات التجارية التي تم إفراغها رغمًا عن إرادة أصحابها، وهي مصدر رزقهم.

ومن خلال تتبعي لهذا الملف، أسجل، للأسف، أن التجاوب الرسمي يظل محدودًا وغير كافٍ، وأن المعطيات التي تُقدَّم غالبًا ما تكون عامة، ولا تتيح لنا تتبع المشروع بالقدر المطلوب، خصوصًا فيما يتعلق بعدد الأسر المعنية، ومعايير الإحصاء، ومعايير التعويض، ومسطرة الترحيل، ومواقع إعادة الإسكان، والآجال الحقيقية للتنفيذ.

وبالتالي، فإننا نعتبر أن هذا الملف لا يمكن تدبيره بمنطق “الأمر الواقع”، بل يجب أن يتم في إطار مقاربة تشاركية شفافة، تضع الساكنة في قلب القرار، وتحترم حقها في السكن والعيش الكريم، وتضمن ألا تتحول مشاريع التأهيل الحضري إلى مشاريع تنتج الإقصاء الاجتماعي والتهجير القسري.

كما نؤكد أن البرلمان مطالب بتتبع هذا الملف بدقة، وأننا سنواصل استعمال كل الآليات الرقابية المتاحة، لأن كرامة المواطنين وحقوقهم لا يمكن أن تكون ثمنًا لأي مشروع، كيفما كانت طبيعته أو رمزيته.

عبد الله باعقيل، عضو مجلس المدينة عن حزب الاشتراكي الموحد:

أعضاء مجلس مدينة الدار البيضاء صوّتوا على وثائق خالية من المعلومات

عبد الله باعقيل

كل ما نراه اليوم في أحياء المدينة القديمة بالدار البيضاء، من هدم منازل ومحلات تجارية، وتشريد للعائلات، والقضاء على القلب النابض للمدينة، هو، مع الأسف الشديد، نتيجة تصويت منتخبي مجلس المدينة دون دراسة، ولا حتى التوفر على أبسط المعلومات.

كانت الوثائق التي سُلّمت لنا خلال هذا الاجتماع شبه خالية من المعطيات الضرورية

توصلنا بـ”مشروع المحج الملكي” ونزع الملكية المرتبط به عن طريق دعوة إلى دورة استثنائية مفاجئة لمجلس المدينة من طرف الوالي، قصد دراسته والتصويت عليه. وكانت الوثائق التي سُلّمت لنا خلال هذا الاجتماع شبه خالية من المعطيات الضرورية، سواء المتعلقة بقرارات نزع الملكية أو بمصير السكان الذين سيتم ترحيلهم.

أكثر من ذلك، لم يتم إطلاعنا على تصاميم ومخططات المشروع، ولا على جدول تنفيذ الأشغال، ولا حتى على تحديد طبيعة العقارات المعنية بنزع الملكية، كما لم يُقدَّم لنا أي مبرر مقنع حول المنفعة العامة المنتظرة من العملية.

المبرر الوحيد الذي قدمته رئيسة المجلس، نبيلة الرميلي، هو أن المشروع تقرر من طرف وزارة الداخلية بالرباط، وأن الوقت قد حان لتنفيذ مشروع الملك الراحل الحسن الثاني، الذي تعطل لأكثر من أربعين سنة.

وللإشارة، فإن هذه المشاريع التعميرية عرفت تقادمًا مبدئيًا يقارب مدة جيلين، ما كان يستوجب إعادة الدراسات اللازمة وتحيين المخططات، وهو ما لم يتم.

لكل هذه الأسباب، وبصفتي ممثلًا للسكان بمجلس المدينة عن الحزب الاشتراكي الموحد، رفضت التصويت على ما قُدِّم لنا. لكن، مع الأسف، لم يتحلَّ عدد من أعضاء المجلس بالجرأة اللازمة ولا بروح المسؤولية تجاه السكان لرفض الطريقة التي قُدِّم بها المشروع.

يوسف مزي، عضو جمعية “أطاك”:

مشروع “المحج الملكي” نموذج واضح لتراكمات الفساد

يوسف مزي

نحن في جمعية أطاك المغرب، كفاعل داخل دينامية الائتلاف الجمعوي للدفاع عن ضحايا الهدم، كنا من بين المبادرين إلى تأسيس هذا الإطار الترافعي حول الحق في السكن. وقد اشتغلنا على جمع توقيعات عدد من جمعيات المجتمع المدني وجمعيات الساكنة، وبلغ عدد الهيئات الموقعة 17 هيئة. وجاء هذا العمل في سياق وعي جماعي بخطورة ملف السكن وتعقيداته، خاصة أنه ملف كبير تم تنزيله بسرعة قصوى، ما جعل مواكبته صعبة.

ورغم ذلك، حرص الائتلاف على المواكبة عبر مستويين: مواكبة ميدانية من خلال الزيارات واللقاءات المباشرة مع الساكنة المتضررة، ومواكبة إعلامية عبر إصدار البيانات والتفاعل مع الرأي العام لتسليط الضوء على ما يجري.

نعتبر أن مشروع المحج الملكي يشكل نموذجًا واضحًا لتراكمات الفساد المالي والإداري منذ عقود، حيث تعود جذوره إلى مراحل سابقة واستمرت إلى اليوم، وهو ما أكدته تقارير المجلس الأعلى للحسابات وأحكام قضائية في حق مسؤولين سابقين.

المفارقة اليوم هي أن الساكنة، التي لم تكن مسؤولة عن هذه الاختلالات، هي من تتحمل وحدها كلفة هذا الفشل، في وقت تحاول فيه الجهات المعنية إنجاز المشروع في ظرف قياسي لا يتجاوز بضعة أشهر، رغم أنه ظل متعثرًا لأكثر من 30 سنة، ودون إعداد مسبق كافٍ أو إشراك فعلي للساكنة.

وقد عرف المشروع اختلالات متعددة وخطيرة، على رأسها البعد الاجتماعي الذي تم تجاهله بشكل شبه كلي. فهناك فئات واسعة من الساكنة تعيش في وضعية هشاشة وفقر مدقع، ولا تتوفر على أي قدرة لتحمل تكاليف إضافية، مثل مبلغ 100 ألف درهم، دون أخذ أوضاعها بعين الاعتبار (العاطلون، المتقاعدون، المسنون، النساء الوحيدات، الأسر أحادية المعيل…). كما لم تتم أي مواكبة اجتماعية، ولا اعتماد مقاربة “حالة بحالة”.

من جهة أخرى، تم ترحيل ما لا يقل عن 10 آلاف أسرة، مع مطالبتها بالبحث عن سكن للكراء بشكل مؤقت، في ظل غياب بدائل حقيقية، وصعوبة إنجاز السكن الموعود في الآجال المحددة. وقد خلق هذا الوضع أزمة حقيقية في سوق الكراء، خاصة في الأحياء الطرفية مثل الرحمة وليساسفة، حيث ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ واستُنفدت العروض.

كما نسجل غياب الشفافية في مساطر الاستفادة، والاعتماد على إخبارات شفوية بآجال قصيرة جدًا للإفراغ، إضافة إلى لجوء السلطات إلى الهدم السريع دون ضمانات كافية، ما يضع الساكنة أمام مستقبل مجهول.

ولم يتم أخذ ظروف الموسم الدراسي بعين الاعتبار بالنسبة للتلاميذ، ولا ظروف عمل فئات واسعة من السكان وقربهم من أماكن اشتغالهم، ولا وضعية أصحاب المحلات التجارية، ولا حتى الظروف المناخية، حيث تمت عمليات الإفراغ خلال فصل الشتاء.

في المحصلة، نعتبر أن ما يحدث يشكل تراجعًا خطيرًا على مستوى الحق في السكن، ويمثل فشلًا تدبيريًا وعمرانيًا على مستوى مدينة الدار البيضاء، حيث يتم تحميل الفئات الهشة كلفة اختلالات بنيوية تراكمت لعقود.

ذاكرة طمستها الجرافات

احياء اختفت من المدينة القديمة
  • درب لمعيزي

كان فضاء لبيع الخضر والفواكه والأسماك واللحوم…، مما يوفر عملا بدخل متوسط لكثير من أبناء الحي، بعد الهدم سيجد الكثيرون أنفسهم بدون سكن ودون عمل.

  • درب السينغال

هو حي بكثافة سكانية مهمة يرتبط معيشها اليومي في الغالب بالمنطقة، بين باعة متجولين فقدوا مكان عرض سلعهم وحرفيين أتت الجرافات على محلاتهم و ورشاتهم. وسط هذا الحي، أنشأت أولى مدارس التعليم الخاص بالمغرب: مدرسة الرابطة.

  • كوري درب التازي

هو تجمع قديم لمجموعة من المنازل، يعيش أغلب ساكنتها على العمل في الميناء و أنشطة المعرض الدولي المجاور لهم.

  • بوطويل

حي يتواجد فيه واحد من أقدم مساجد البيضاء مسجد درب بن حمان، و عدد كبير من المحلات السكنية و التجارية، أتت الجرافات على نصفه في انتظار الاجهاز على ما تبقى في الأيام القليلة المقبلة، ولم تستثن إلا ” الميعارة” المقبرة اليهودية.

  • لبحيرة

و هو تجمع كبير للمحلات التجارية، تخصص أصحابها في بيع الكتب المستعملة، أشهرهم بوعزة بائع الكتب السعير بالبحيرة. إضافة إلى بيع وإصلاح النظارات، كما اشتهرت لبحيرة بمصانع صغيرة لإنتاج المحفظات وحقائب الظهر واليد بجودة متوسطة وأثمنة في المتناول. نهاية لبحيرة ستعصف بالعديد من الباعة والحرفيين الذين سيجدون أنفسهم بدون عمل ولا دخل..

  • موحا وسعيد والنزالة

الحي المجاور لشارع الجيش الملكي، تجمع كبير للنجارين بورشاتهم المجهزة بالآلات والتي تشغل عددا كبيرا من المياومين والحرفيين والحمالين، إضافة إلى مجموعة كبيرة من المحلات التجارية بمختلف السلع والأنشطة، يتوسطه “فندق” يضم الرصاصين والكهربائيين ومصلحي سخانات الماء الغازية والكهربائية وصانعي المفاتيح … إضافة إلى عدد كبير من معدي الوجبات الغذائية السريعة والرخيصة.

  • درب الفصة ودرب الكلب

أحياء تقع إلى جانب حياة ريجنسي وهي تجمعات سكنية كبيرة يرتبط عيشها في الغالب بما يتيحه الجوار من مناصب شغل بسبب توافد السياح الأجانب والمغاربة عليها.

القادم.. وقريبا جدا
ما تبقى من بوطويل ودرب لوبيلا ودرب الانجليز،
الطاهر العلوي، بوسبير، درب الجران، كارتيي كوبا، درب الطليان، درب سلام، درب التازي.

 

 

Shortened URL
https://safircom.com/wi5d
Lebchirit

Recent Posts

تقرير طبي يكشف إصابة نتنياهو بالسرطان

كشف تقرير طبي رسمي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خضع قبل أشهر لعملية جراحية…

ساعتين ago

تقدم متسارع في مشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش بعد عام من إطلاقه

أعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية، اليوم الجمعة، أن مشروع إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة…

ساعتين ago

مانشستر سيتي يستهدف التعاقد مع أوناحي لتعويض رحيل برناردو سيلفا

يسعى نادي مانشستر سيتي إلى استغلال علاقته مع جيرونا من أجل التعاقد مع الدولي المغربي…

3 ساعات ago

الرباط تحتضن أول مكتب إفريقي للابتكار السياحي تابع لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة

أشرفت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني فاطمة الزهراء عمور، إلى جانب الأمينة العامة…

3 ساعات ago

وزير خارجية إيران يتجه إلى باكستان والتفاؤل يتزايد بشأن احتمال عقد محادثات

من المتوقع أن يصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية إسلام اباد اليوم…

4 ساعات ago

السياحة القروية رهان المغرب الجديد لتعزيز الاستثمار

تتجه السلطات السياحية في المغرب نحو تغيير نموذج الاستثمار التقليدي عبر التركيز على "سياحة التجربة"…

4 ساعات ago

This website uses cookies.