الرئيسي

النمو المغربي بين انتصارات “الأرقام الحكومية” وهزائم “القدرة الشرائية (قراءة نقدية)

بقلم: محمد الحرش

تقديم:

في مغرب السرعتين، بات الحديث عن الاقتصاد أقرب إلى روايتين متوازيتين لا تلتقيان:

الأولى، رواية الأرقام الرسمية التي تتحدث عن نمو مريح وانخفاض تضخم مطمئن وارتفاع أجور في القطاع العام وفي الحد الأدنى للأجر بالقطاعين الفلاحي والصناعي، صورة وردية توحي برفاهية وتقدم باهر في “أجمل بلد في العالم”.

والثانية، رواية ملايين الأسر التي تشهد يوميًا، خلف أبوابها المغلقة ومع انهيار قدرتها الشرائية، على واقع مختلف تماما سمته الأساسية العجز عن تحمل تكاليف الحياة بفعل لهيب الأسعار، هذه الرواية الشعبية تقذف أسئلة حارقة في وجه المسؤولين من قبيل:

كيف يتصرف الأب الذي أعيته الحيلة من دون أن يستطيع توفير قوت يوم لأولاده؟

كيف تعيش الأم التي تدبر ميزانية لا تكفي لتغطية جزء من احتياجات المنزل برغم التقشف المزمن؟

كيف يشعر الشاب العاطل الذي قهرته البطالة وهو الحاصل على شواهد جامعية أو مهنية؟

كيف تشعر الأسرة التي تتراوح بين استنزاف مدخرات العمر أو الاستدانة لشراء أساسيات العيش؟

 

  • لعبة الأرقام المضللة:

الأرقام الرسمية تضع النمو في حدود 5% خلال الفصل الأول من 2026 (1)، والتضخم عند 1.3% (2)، وتبشر باستثمارات عمومية ضخمة ضمن مقولة “الدولة الاجتماعية”، وبارتفاع متوسط الأجر في القطاع العام من 8,237 درهم (2021) إلى 10,600 درهم (2025)، أي +29%، وبارتفاع الحد الأدنى للأجر في القطاع الصناعي (SMIG) 20% ليصل إلى 3,422.72 درهم، وبارتفاع 25% لحد الأدنى للأجر في القطاع الفلاحي (SMAG) ليصل إلى 2,533.44 درهم. (3)

تجتهد الحكومة في تقديم حصيلتها “بلغة الأرقام” لإضفاء “سلطة الإقناع” التي توفرها المؤشرات والإحصائيات، لكنها تنتقي الأرقام التي تخدم روايتها السياسية، وتهمّش الأرقام غير المريحة، وهوما يجعل تصريح الحكومة في الموضوع بمثابة “بيع للوهم”.
فعندما تقول الحكومة إن “متوسط الأجر في القطاع العام ارتفع 29%”، فإنها تتجاهل أن هذه الزيادة مركزة في الفئات العليا بنسبة كبيرة، وأن الفئات الدنيا لم ترَ سوى جزء ضئيل منها، فالمتوسطات تخفي التفاوتات، وهذا ما يجعلها أداة مثالية للتضليل.

93.3% من الأسر تؤكد أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال الأشهر الـ12 الماضية، هذا الغلاء لا يوزع عادلًا على الجميع، بل يضرب بقسوة المواد الأساسية التي تشكل ثقلًا كبيرًا في ميزانية الأسر ذات الدخل المحدود، بينما يُظهر بعض الانخفاض في السلع الكمالية (الترفيه والثقافة بنسبة -0.4%)التي لا خبر للفئات الكادحة بها.

الأكثر إثارة للقلق أن 78.9% من الأسر تتوقع استمرار هذا الارتفاع خلال الـ 12 شهرًا المقبلة، مقابل 2.4% فقط تتوقع انخفاضًا.

هذا يعني أن اليأس من المستقبل ليس مجرد شعور عابر، بل هو توقع راسخ يستند إلى تجربة يومية مريرة ومتكررة من التدهور المستمر.

وتؤكد أرقام المندوبية السامية للتخطيط لعام 2026 أن “القدرة الشرائية” والادخار دخلا مرحلة العناية المركزة لدى الغالبية العظمى من المغاربة، حيث أعلن 87.8% من الأسر تتوقع استمرار عجزها عن الادخار خلال الـ 12 شهراً المقبلة، بينما 77.8%   من الأسر صرحت بتدهور فعلي لمستوى معيشتها. (4)

بهذا تكون الطبقة العاملة بالمغرب “الخاسر الأكبر” في معادلة النمو الحالية، وشعورها المؤلم بالخسارة ليس عبارة عن أزمة عابرة، بل نتيجة حتمية لتناقضات بنيوية تضعها بين فكي كماشة قاتلة: غلاء يلهب الجيوب من جهة، وجمود أجري نسبي من جهة أخرى.

 

  • تناقض فاضح، حين يتحول “صمود الاقتصاد” إلى “أزمة معيشية”:

 

  • أرقام رسمية تخفي المعاناة: تتربع الحكومة على منصة من المؤشرات التفاؤلية، فهي تستعرض نموًا اقتصاديًا يرجح أن يبلغ 5% في الفصل الأول من 2026 وتضخمًا من المتوقع ألا يتجاوز 2% في أفضل الأحوال.

لكن ما الذي تعنيه هذه الأرقام للمواطن الذي يرى أمام عينيه في القفزات الصاروخية للأسعار “الحقيقية” اليومية؟ الأرقام تُبنى على “متوسطات عامة” قد تخفي التباينات الشاسعة، فمنذ أسابيع فقط، نُشرت تقارير تفيد بأن 75،1%   من الأسر المغربية صرحت بتدهور مستوى معيشتها في 2025. فكيف يمكن التوفيق بين هذه “الرواية المزدوجة”؟

  • القفة اليومية” المؤشر الفاضح عندما تفشل المؤشرات :

أسعار المحروقات عادت لتتصاعد بقوة، بفعل غياب استراتيجية أمن طاقي فعالة وتغول لوبي المحروقات وغياب تدخل ناجع للدولة وتقلبات سوق المحروقات العالمية، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول موجة تضخم جديدة ومخاطرها الفورية على القدرة الشرائية هذه الزيادات ليست مجرد رقم، بل هي مفتاح دخول لموجة غلاء شاملة تعصف بما تبقى من هامش مناورة لدى الأسر.

وهذا هو الفرق الجوهري: نظرية الاقتصاد تتحدث عن تضخم منخفض، بينما تكاليف المعيشة اليومية تكشف عن ضغط تضخمي انتقائي يطال السلع والخدمات الأكثر حيوية للفئات الشعبية، وهو ما لا تظهره المتوسطات.

  • حالة الجمود الأجرية، الجرح الذي لا يندمل:

بينما تشتعل الأسعار، تبقى الأجور في معظم القطاعات شبه مجمدة أو لا ترقى لمواكبة الوتيرة الحقيقية لارتفاع الأسعار، هذا هو السندان الحقيقي. فالفجوة بين ارتفاع الأسعار ودخل الأسر تظل “أحد أبرز التحديات”، وحتى الزيادات المعلنة في القطاع العام، والتي قُدرت بزيادة إجمالية في متوسط الأجر بنحو 29%، يواجهها واقع أن تضخم السنوات الأخيرة الذي أكل جزءًا كبيرًا من قيمتها الحقيقية قبل أن تصل إلى الجيوب.

النتيجة، معادلة خاسرة: دخلٌ لا ينمو كفاية + أسعارٌ تواصل القفز = احتقانٌ صامت يتنامى.

  • تشخيص الخلل “الحلول التقنية” لمشاكل “وجودية:

لفهم جذور الاحتقان الذي تعيشه الطبقة العاملة المغربية، من الضروري الغوص في طبيعة هذا الخلل المنهجي الذي يجعل الحكومات تتحدث بلغة الأرقام والمؤشرات، بينما تتحدث الجماهير بلغة الجوع والكرامة، هذا التناقض ليس مجرد سوء فهم، بل هو أزمة بنيوية في طريقة صنع السياسات وتصور الدولة لدورها.

الجانب الأكثر خطورة ليس مجرد وجود هذه المعادلة القاسية، بل هو طريقة التعامل معها، يبدو أن النقاش محصور في خانة “الحلول التقنية” ممثلة في مؤشرات كمية، وجداول زمنية، وميزانيات، وزيادات في ملفات الحوار الاجتماعي التي غالبًا ما توصف بأنها “انتقائية” و”محدودة الأثر”.

ما تغفله هذه المقاربة هو الطبيعة “الوجودية” للأزمة في نظر الطبقة العاملة، الأمر لا يتعلق بالنسبة المئوية للزيادة بقدر ما يتعلق بالشعور بالعدالة والكرامة والأمان.

  • العدالة المجالية والاجتماعية: شعور بعدم الاستفادة العادلة من ثمار النمو وقسوة النظر لفروقات مغرب السرعتين.
  • الكرامة: شعور بأن النقاش حول القدرة الشرائية للكادحين اختُزل في معادلات محاسبية تتعامل مع معاناتهم اليومية كمجرد “أرقام”.
  • الوجودية: الإحساس بفقدان الأفق، وانتظار يوم جديد يحمل نفس المعاناة.

عندما تغيب هذه الأبعاد الوجودية عن الحوار، يشعر المواطن بأنه خارج دائرة الاهتمام وليس شريكًا في النقاش، وهذا التحول في الإحساس هو الوقود الأكثر خطورة.

  • النقابات، صوت الاحتقان أم ضحيته؟

هو سؤال محوري لفهم ديناميات الاحتقان الاجتماعي الحالي، فالنقابات ليست مجرد وسيط بين الدولة والعمال، بل هي كيان يعكس، في آن واحد، قوة الحراك العمالي وضعفه، وللإجابة لا بد من تجاوز الخطاب الإعلامي السطحي وتناول ثلاث مسارات: الوظيفة التاريخية للنقابات، أزمتها البنيوية الراهنة، وعلاقتها المزدوجة بالاحتقان.

يهمنا في هذا المقام أكثر تبيان العلاقة المزدوجة للنقابات بالاحتقان الاجتماعي بعيدا عن وظيفتها التاريخية وأزمتها البنيوية التي تحيل إلى عملية جلد غير منصفة في كثير من الأحيان.

ما معنى أن تكون النقابات “صوت الاحتقان”؟

  • الترجمة السياسية للألم اليومي: تحويل “المعاناة المعيشية” إلى مطالب قابلة للتفاوض (أجر معين، حماية صحية، تقاعد).
  • الإطار التنظيمي والقيادة المناضلة: تحويل الغضب الفردي المتناثر إلى قوة جماعية منظمة قادرة على الضغط (إضرابات، مسيرات، حوار اجتماعي).
  • دور الوساطة التفاوضية: تمثيل الشغيلة أمام الحكومة وأرباب العمل، والسعي لتحقيق مكاسب ضمن علاقات قوة غير متكافئة.

في المحصلة تمثل النقابات امتدادا عضويا للاحتقان، وبدونها سيظل الاحتقان طاقة مدمرة أو مشتتة، وهي في أفضل حالاتها التنظيمية والنضالية تستطيع ترجمة الغضب الجماهيري والاحتقان الشعبي إلى قانون والإحباط إلى مكاسب.

ما معنى أن تكون النقابات “ضحية الاحتقان”؟

واقع النقابات اليوم في المغرب كما في كثير من البلدان، أكثر تعقيداً، هناك إجماع ضمني بين المراقبين (وحتى بعض النقابيين) على أن النقابات تعاني من أزمات تجعلها، في كثير من الأحيان، ضحية للاحتقان بدلاً من أن تكون قائدته.

وبقراءة سريعة يمكن إجمال أزمة النقابات في ثلاث مستويات: أزمة التمثيلية والشرعية، وأزمة الفعالية والإنجاز، وأزمة الاستقلالية والثقة.

  • سيناريوهات:

تجد النقابات نفسها أمام مهمة شبه مستحيلة، فهي تحاول، عبر حوار اجتماعي مركزي، ترجمة الاحتقان العمالي والشعبي إلى مطالب قابلة للتفاوض، لكن المخرجات الأخيرة (كما هو الحال في جولة 17 أبريل 2026) وُصفت بأنها شبه صفرية ولا تستجيب لانتظارات الشغيلة، مما جعل النقابات في موقف جد صعب مع قواعدها وعموم الشغيلة، كيف تمثل فئات تشعر بـ “الإقصاء” على طاولة الحوار الاجتماعي من دون القدرة على تحقيق زيادة في ظل اشتعال الأسعار؟

هنا يأتي خيار التصعيد: الذي يتحدث عن “أوضاع كارثية” ويعلن أن فاتح ماي 2026 سيكون محطة نضالية واحتجاجية مفصلية، داعيًا إلى مساءلة ما وصفه بـ “الفساد الإداري وتدهور الأوضاع”.

ويأتي بالتالي خيار “الشارع هو الحل” حين تفشل القنوات المؤطرة، باعتبار أن “الشارع قد يصبح الفضاء الوحيد للتعبير وتتحول الاحتجاجات من المنظمة إلى أشكال “أكثر حدة وعفوية”.

 

  • وختاما:

النمو المغربي بين انتصارات “الأرقام الحكومية” وهزائم “القدرة الشرائية”، هذه المقارنة جوهر الأزمة البنيوية التي يعيشها المغرب اليوم، يمكن تسميتها “الانفصام الاقتصادي” (Economic Schizophrenia) ، وتمثل حالة مرضية في بنية الاقتصاد السياسي حيث تعيش المؤشرات الكلية والنماذج التنموية في عالم، بينما تعيش الأسر والطبقة العاملة في عالم آخر مختلف تمامًا، وهذان العالمان لا يتواصلان، ولا يلتقيان، ولا يؤثر أحدهما في الآخر إيجابيًا.

وأبلغ مثال لحالة الاقتصاد المغربي: شجرة مثمرة، جذورها (البنية التحتية والاستثمارات) قوية نسبيا، وساقها (المؤشرات الماكرو اقتصادية) تبدو سليمة، لكن ثمارها (الرفاه الملموس) لا تصل إلى متناول الكادحين والفقراء، لأن الفروع (قنوات التوزيع) إما مقطوعة أو عالية جداً، والمشكلة ليست في أن الشجرة لا تثمر، بل في أن الثمار تسقط في حديقة الأغنياء.

 

مراجع:

  • مذكرة نشرة الظرفية الاقتصادية للمندوبية السامية للتخطيط، المتعلقة بوضعية المؤشرات الاقتصادية الرئيسية 2026
  • حسب المعطيات الواردة في توقعات صندوق النقد الدولي الخاصة بالتضخم لسنة 2026.
  • بلاغ حكومي عقب جولة الحوار الاجتماعي المركزي لدورة أبريل 2026.
  • نتائج المسح الاقتصادي للأسر الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط للربع الأول من عام 2026.
Shortened URL
https://safircom.com/tucj
سفيركم

Recent Posts

“مهرجان محمد الجم” يفتح خشبته أمام طاقات شبابية.. الجم: الدعم الملكي هو “قوة وجدانية كبرى” للاستمرار

انطلقت، مساء أمس الثلاثاء 5 ماي، فعاليات حفل افتتاح الدورة الخامسة من المهرجان الوطني لجائزة…

22 دقيقة ago

التنافي بين التدريس والمحاماة في قانون وهبي يفجر وقفة احتجاجية أمام البرلمان

نظم أساتذة العلوم القانونية، صباح يومه الأربعاء 6 ماي 2026، وقفة احتجاجية أمام البرلمان، استجابة…

52 دقيقة ago

يجمعهما “البحث عن الحقيقة”.. محامون وصحفيون يفكّكون العلاقة بين مهنتيهما

أثار صحفيون ومحامون، الحديث حول العلاقة الجدلية بين المحامي والصحفي. والتحديات التي تواجههما معا في…

ساعتين ago

المغرب وسورينام يطلقان أسبوعا لتعزيز الشراكة

أطلق المغرب وسورينام بالرباط أسبوعًا للترويج الاقتصادي، في خطوة تستهدف توسيع الشراكة الاقتصادية وفتح المجال…

ساعتين ago

الأمم المتحدة تطالب بإطلاق ناشطي أسطول الصمود

تضغط الأمم المتحدة باتجاه الإفراج الفوري عن ناشطين ضمن "أسطول الصمود"، بعد توقيفهما من طرف…

3 ساعات ago

سد بين الويدان يستعيد جاذبيته السياحية

استعاد سد بين الويدان بإقليم أزيلال حيويته بعد ارتفاع منسوب مياهه، ما أعاد تنشيط الإقبال…

3 ساعات ago

This website uses cookies.