دفعت سلسلة اضطرابات شهدتها مدن بريطانية ملف الهجرة في بريطانيا إلى واجهة النقاش العام، بعدما تحولت حوادث عنف متفرقة إلى مادة سياسية حساسة، تربط بين الأمن، والتماسك الاجتماعي، والضغط على الخدمات العمومية.
شهدت مدن ساوثهامبتون وبلفاست ولندن وليفربول وغلاسكو، خلال الأسابيع الأخيرة، مظاهرات ضد الهجرة، اتخذ بعضها طابعا عنيفا. وجاء ذلك في سياق اقتصادي واجتماعي مشحون، زادت فيه المخاوف المرتبطة بكلفة المعيشة والهوية والثقة في المؤسسات.
حوادث عنف تعيد الهجرة إلى الواجهة
أثار مقتل الطالب هنري نواك، البالغ من العمر 18 عاما، صدمة واسعة في ساوثهامبتون، جنوب إنجلترا. وتفيد المعطيات بأن الطالب تعرض للطعن على يد فيكروم سينغ ديغوا، وهو مهاجر سيخي.
ضاعفت صور متداولة تظهر الضحية مكبل اليدين من قبل الشرطة، بينما كان يحتضر، موجة الغضب في البلاد. وأعقبت الحادثة اضطرابات محلية، فتحت نقاشا سياسيا حول حفظ النظام والتوترات المجتمعية.
اندلعت اضطرابات جديدة في بلفاست، بإيرلندا الشمالية، بعد هجوم بسكين نُسب إلى سوداني متابع بمحاولة قتل. وتذكر المعطيات أنه وصل إلى المملكة المتحدة سنة 2023، قبل أن يحصل على صفة لاجئ.
امتدت تداعيات هذه الوقائع إلى مدن أخرى، حيث خرجت مظاهرات مماثلة في مدن اسكتلندية وليفربول، بمنطقة ميرسيسايد. وأدان قادة بريطانيون أعمال العنف، مع التأكيد على صورة المملكة المتحدة كبلد منفتح ومتسامح.
من ملف اقتصادي إلى سؤال أمني
أعادت هذه الهجمات طرح سؤال العلاقة بين الهجرة والجريمة والتماسك الاجتماعي والضغط على الخدمات العامة. ولم يعد النقاش محصورا في البعد الاقتصادي أو الإنساني، بل بات يمتد إلى زاوية الأمن الوطني.
دعا جوناثان هول، المسؤول المستقل عن مراجعة التشريعات البريطانية لمكافحة الإرهاب، إلى فتح نقاش حول آثار الهجرة على الأمن الوطني. واعتبر، في تصريح لإذاعة “بي بي سي راديو 4”، أن تناول الهجرة من هذه الزاوية أمر “مشروع تماما”.
أشار هول إلى أن أجهزة الأمن تتابع بالفعل ملفات بعض الرعايا الأجانب المتورطين في أنشطة مرتبطة بتهديدات صادرة عن دول، ولا سيما إيران. ويرى أن الجنسية الأجنبية، أو وضعية المهاجر الحديث، قد تصبحان عنصرين ضمن تقييم أوسع للمخاطر.
تجنب المسؤول البريطاني إقامة علاقة تلقائية بين الهجرة والجريمة. لكنه طرح سؤالا حساسا حول ما إذا كانت بعض السياقات migratoire، خاصة القادمة من مناطق حرب، ينبغي أن تدخل في التفكير الاستراتيجي حول الأمن.
أرقام الهجرة لا تهدئ المخاوف
يتزامن هذا النقاش مع توجه حكومة كير ستارمر العمالية إلى إدماج مفهوم التماسك الاجتماعي بشكل أكبر في عقيدة الأمن الوطني. ويمثل ذلك تحولا في نقاش ظل لسنوات محكوما أساسا باعتبارات اقتصادية.
تراجعت أرقام الهجرة الصافية في بريطانيا، وفق أحدث البيانات الرسمية الواردة في المادة، من ذروة تاريخية بلغت 944 ألف مهاجر صاف سنة 2023 إلى 171 ألفا. ومع ذلك، لا يبدو أن انخفاض الأرقام انعكس مباشرة على المزاج العام.
أظهرت دراسة حديثة لمركز “More in Common” أن الهجرة ما تزال ثالث أكثر القضايا إثارة لقلق البريطانيين، بعد كلفة المعيشة والصحة. ويشير ذلك إلى أن القلق لا يرتبط دائما بحجم التدفقات الفعلية.
تغذي صور عبور القنال الإنجليزي عبر قوارب صغيرة، وفتح مراكز لاستقبال طالبي اللجوء، والاضطرابات الأخيرة، شعورا عاما يتجاوز لغة الإحصائيات. ويرى محللون أن الهجرة أصبحت مؤشرا أوسع على قدرة الدولة على الضبط.
نقلت المادة عن الباحثة صوفي ستاورز، من مركز “More in Common”، قولها إن مستوى الهجرة الفعلي لا يرتبط دائما بالطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى الهجرة. وتضيف أن الموضوع بات يعكس تصورا أوسع عن أداء الدولة.
ستارمر بين الضغط والاحتواء
شدّد كير ستارمر تدريجيا خطابه حول **الهجرة في بريطانيا**، متعهدا بخفض التدفقات على المدى الطويل. ويدافع رئيس الحكومة عن تشديد مراقبة الحدود وتعزيز مواجهة شبكات تهريب المهاجرين.
يربط ستارمر هذا التوجه بالحاجة إلى تقليص اعتماد بعض القطاعات الاقتصادية على اليد العاملة الأجنبية، عبر تكوين العمال البريطانيين. وفي الوقت نفسه، يواصل التأكيد على مساهمة المهاجرين في الاقتصاد، ويدين العنف المعادي لهم.
يرى محللون أن هذه الاستراتيجية تحاول الاستجابة لمخاوف جزء من الناخبين، من دون تغذية الانقسامات المجتمعية. غير أن هذا التوازن يضع الحكومة تحت ضغط سياسي متزايد.
يطالب المحافظون بإجراءات أكثر طموحا، بينما يواصل حزب “Reform UK” اليميني المتطرف، بقيادة نايجل فاراج، جعل الهجرة محور خطابه السياسي، وصولا إلى الدعوة لهجرة صافية تقترب من الصفر.
تكشف اضطرابات ساوثهامبتون وبلفاست أن ملف الهجرة لم يعد يناقش فقط بوصفه مسألة حدود أو سوق شغل. فقد أصبح مرتبطا بالجريمة، وحفظ النظام، والإدماج، والاستقرار الاجتماعي، في تحول قد يترك أثرا واضحا على النقاش السياسي البريطاني قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

