أعمدة رأي

اليسار بين تقرير المصير والديمقراطية الترابية: قراءة في التحول الأممي الجديد

بقلم: مصطفى المنوزي

هناك نقطة مركزية في مقترح الحكم الذاتي المغربي تتجاوز الطابع الإداري والسياسي، وتكمن في الإشارة الواضحة إلى المشروع الديمقراطي الحداثي المؤطر للمقترح . فهذه الإشارة ليست مجرد إضافة شكلية، بل تمثل ركيزة تعبوية يمكن أن يُبنى عليها خطاب وطني جديد يواجه سردية الانفصال، التي ما زالت تختزل النظام السياسي المقترح في ما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية”، وهي صيغة متقادمة إيديولوجيًا، ومتناقضة مع السياق المغاربي الراهن حيث تتعاظم دينامية النهضة الأمازيغية وتتعقد رهانات الأمن الإقليمي في شمال إفريقيا.

غير أن أي نداء لتبني الحكم الذاتي كأفق ديمقراطي تحويلي يتطلب ضمانات تحفيزية ومطمئنة، سواء لسكان الأقاليم الجنوبية أو للفاعلين الحقوقيين والسياسيين، حتى لا يبدو المشروع مجرد تجميل لنظام مركزي تقليداني ما زال يعاني من أعطاب بنيوية في الديمقراطية التمثيلية والعدالة المجالية. فالمسألة لم تعد فقط في تقديم عرض متقدم للحكم الذاتي، بل في القدرة على تليين الطابع السلطوي والتقليداني للنظام المغربي وتوسيع فضاء المشاركة الفعلية والشفافية المؤسساتية، انسجامًا مع التزامات المغرب الدولية ومع علاقاته المتشابكة مع الحلفاء والشركاء الغربيين والإفريقيين ؛ فالتحول الحاصل في أروقة الأمم المتحدة، والذي تُرجم في القرار 2797 الداعم للمقاربة المغربية، يمثل نقطة انعطاف حاسمة في المرجعية الأممية. فالأمم المتحدة لم تعد تتحدث بلغة “تصفية الاستعمار” بل بلغة “الحلول الواقعية”، أي الانتقال من منطق التحرير الكلاسيكي إلى منطق الاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة. وهذا التحول يُربك جزءًا من اليسار الراديكالي، الذي ما زال أسيرًا لسرديات سبعينيات القرن الماضي، حين كان تقرير المصير يُختزل في الانفصال عن الدولة القائمة، لا في تحريرها من الداخل وبناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وعدالة اجتماعية.
اليسار، في ضوء هذا التحول، مدعو إلى مراجعة مفهوم التحرر نفسه. فالمعركة لم تعد ضد الدولة الوطنية، بل من أجل إعادة تأسيسها لتكون دولة عادلة، عقلانية، وفاعلة في التنمية. اليسار الذي ظل يرى في البوليساريو “حركة تحرر” يكتشف اليوم أن المشروع الانفصالي لم يعد يرمز إلى التقدم، بل إلى تجميد الواقع داخل بنية تابعة للنظام الجزائري، الذي يوظف خطاب تقرير المصير لغايات جيوسياسية تتجاوز إرادة الصحراويين أنفسهم.
التحذير هنا ضروري: فالتحول الأممي لصالح المقاربة المغربية لا ينبغي أن يُغري بالتراخي أو الاطمئنان، لأن أي انزلاق في تدبير المرحلة المقبلة ـ سواء من خلال غلبة المقاربة الأمنية، أو استمرار أعطاب الحكم المحلي، أو تهميش الكفاءات الصحراوية ـ يمكن أن يعيد إنتاج التوتر ويُفقد المشروع مصداقيته. كما أن البيئة الإقليمية المحيطة بالمغرب، المثقلة بإرث الاستعمار وتقاطعات مصالح القوى الكبرى، تفرض حذرًا استراتيجيًا وتوازنًا دقيقًا بين الالتزامات الدولية ومتطلبات السيادة الوطنية.خاصة وأن الدول العظمى في نظر الأمر الواقع الدولي لا يهمها سوى المصالح ثم السلام المفيد في التعاقدات الإقتصادية والأمنية ثانيا . ولذلك فإن اليسار الوطني الجديد، إذا أراد أن يستعيد دوره التاريخي، فعليه أن يلتقط هذه اللحظة الأممية لا بوصفها “انتصارًا دبلوماسيًا” فقط، بل كفرصة لبناء مشروع ديمقراطي ترابي منفتح، يجعل من الحكم الذاتي أداة لتحرير الدولة والمجتمع معًا. فالمعنى الحقيقي للتحرر اليوم لم يعد في الانفصال، بل في المأسسة الديمقراطية للسيادة، أي في القدرة على تحويل الدولة من سلطة على المجتمع إلى سلطة به وله.
بهذا المعنى، يشكّل الحكم الذاتي كما تتصوره الأمم المتحدة والمغرب مجالًا لتلاقي الواقعية السياسية مع الطموح الديمقراطي، شرط أن يظل هذا الطموح يقظًا أمام كل نزوع نحو الانغلاق أو الاستئثار، وألا يتحول الإجماع الوطني إلى غطاء لجمود النظام أو تعطيل سيرورة الإصلاح. فالرهان ليس فقط على “حل النزاع”، بل على تجديد النموذج السياسي المغربي في تفاعله مع جواره الإقليمي، ومع شركائه الجيوستراتيجيين، ومع ذاكرته التحررية نفسها.
وهنا تبرز ضرورة التساؤل عن جدوى تحيين مطلب تشييد المغرب الكبير، لا كمشروع وحدوي طوباوي، بل كمجال تاريخي لإعادة بناء الذاكرة المغاربية المشتركة على أسس العدالة الانتقالية المحدثة، أي الانتقال من منطق جبر الضرر المادي والمعنوي إلى منطق حوكمة السرديات ودمقرطة الذاكرة الجماعية. فربما لن تُبنى مغارب المستقبل بالحدود والسيادة فقط، بل بقدرتنا على إعادة سرد تاريخنا المشترك بما يضمن الاعتراف، المصالحة، والمصير الجماعي المتجدد.

Shortened URL
https://safircom.com/3zp2
سفيركم

Recent Posts

شراكة بحثية تضع اقتصاد إفريقيا تحت المجهر

اتفق البنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي، في أبيدجان، على تعميق شراكتهما البحثية لمواكبة أبرز التحديات…

9 ساعات ago

بهدل ثلاثة أحزاب.. شفيق ينفجر غضبا بعد “تزكيته” في لائحة “البام”

"أنا مع الأحزاب كلها وباقي ماعندي فيدي تا تزكية، والحزب اللي صلح ليا غانمشي ليه"..…

9 ساعات ago

شقيقتا ويليامز تعودان إلى زوجي ويمبلدون

تستعد سيرينا وفينوس ويليامز للعودة معا إلى منافسات الزوجي في بطولة ويمبلدون، بعدما حصلتا، الثلاثاء،…

9 ساعات ago

حزب الأصالة والمعاصرة يرشح رؤساء مجالس منتخبة باسم “الأحرار”

حسم حزب الأصالة والمعاصرة، بشكل رسمي، في تزكية رئيسة المجلس الجماعي لبرشيد، منال بادل، بدائرة…

9 ساعات ago

20 سنة على ميثاق المسؤولية المجتمعية للمقاولات

احتفى الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الاثنين بالدار البيضاء، بمرور 20 سنة على إطلاق ميثاق المسؤولية…

10 ساعات ago

سخرية وانتقادات تطال وزيرة الإسكان بعد حديثها عن استفادة الشباب من دعم السكن

أثارت تصريحات وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بشأن استفادة فئة الشباب من…

10 ساعات ago

This website uses cookies.