بقلم: عمر لبشيريت
أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، فتح واحد من أكثر الأسئلة السياسية حساسية في المغرب عندما أكد أن الملك هو الذي يحكم، وليس الحكومة أو البرلمان. وقد أثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً بين من اعتبرها توصيفاً لواقع سياسي قائم، ومن رأى فيها اعترافاً متأخراً يطرح أسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة.
في الحقيقة، لا تكمن أهمية تصريحات بنكيران في مضمونها فقط، بل في هوية صاحبها أيضاً. فالرجل لم يكن معارضاً على هامش الحياة السياسية، ولا ناشطاً يراقب المشهد من الخارج، بل كان أول رئيس حكومة في ظل دستور 2011، وقاد حزبه الحكومة لعقد كامل تقريباً. لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يحكم المغرب؟ بل أيضاً: ماذا فعل بنكيران عندما كان في موقع المسؤولية؟
لقد جاء دستور 2011 في سياق سياسي خاص، وحمل معه مجموعة من المقتضيات التي اعتُبرت آنذاك خطوة مهمة نحو تعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة. فقد منح رئيس الحكومة صلاحيات أوسع مما كان متاحاً للوزير الأول في الدساتير السابقة، سواء في مجال التعيينات أو تدبير العمل الحكومي أو التنسيق بين القطاعات الوزارية، كما وسّع من اختصاصات البرلمان في التشريع والرقابة.
صحيح أن المغرب لم يتحول إلى ملكية برلمانية على النمط الأوروبي، وأن المؤسسة الملكية احتفظت بموقعها المحوري وصلاحياتها الواسعة في عدد من المجالات الاستراتيجية والسيادية، لكن الصحيح أيضاً أن دستور 2011 فتح مجالاً جديداً للممارسة السياسية كان يمكن استثماره وتطويره وترسيخه عبر الأعراف والمؤسسات والتراكم الديمقراطي.
هنا تحديداً تبرز مسؤولية بنكيران وحزبه. فخلال سنوات قيادته للحكومة، لم يخض بنكيران معركة سياسية واضحة من أجل توسيع مجال اختصاصات رئيس الحكومة أو تعزيز استقلالية القرار الحكومي أو ترسيخ أعراف سياسية جديدة تمنح المؤسسات المنتخبة حضوراً أقوى. بل إن كثيرين يرون أنه اختار التعايش مع التوازنات القائمة أكثر مما اختار اختبار الحدود القصوى للصلاحيات التي وفرها الدستور.
كما أن بعض الصلاحيات التي أتاحها الدستور للحكومة لم تُفعّل بالقدر الكافي، بينما جرى التعامل مع صلاحيات أخرى بحذر شديد، وكأن الحكومة كانت تمارس رقابة ذاتية على نفسها قبل أن تُفرض عليها أي قيود من خارجها.
وبعد مرور أكثر من عقد على تلك المرحلة، يحق للمغاربة أن يتساءلوا: ماذا فعل بنكيران بهذه الصلاحيات؟ وهل سعى إلى توسيعها عبر الممارسة السياسية؟ وهل دافع عن تأويل ديمقراطي للدستور يمنح الحكومة حضوراً أقوى؟ أم أنه اختار التكيف مع موازين القوى القائمة والتعايش معها؟
لقد بدا، في كثير من الأحيان، وكأن بنكيران يدبر الشأن العام بمنطق ما قبل دستور 2011، أكثر مما سعى إلى استثمار الإمكانات التي أتاحها الدستور الجديد. ولذلك يبدو مستغرباً أن يعود اليوم ليطرح الإشكال نفسه بعد أكثر من عقد على تجربته الحكومية، وكأنه يتحدث عن واقع كان غائباً عنه أو لم يكن جزءاً منه. فالرجل الذي قاد السلطة التنفيذية لا يمكنه الحديث عن اختلال توزيع السلطة وكأنه مجرد مراقب محايد للأحداث.
في الحقيق، ماقام به بنكيران أنه “حكم”
بمنطق ما قبل دستور 2011، وبدا أنه راض على ذلك. بنكيران انقلب على الدستور نفسه..
والأكثر من ذلك أن هذا الخطاب يطرح إشكالاً سياسياً وديمقراطياً أكبر. فإذا كانت الحكومة لا تحكم فعلاً، والبرلمان لا يملك سلطة القرار في القضايا الأساسية، فما جدوى الانتخابات التي تُنظم بشكل دوري؟ وما معنى البرامج الانتخابية التي تتنافس الأحزاب على تقديمها للمواطنين؟ ولماذا يُطلب من المغاربة المشاركة في الاقتراع إذا كانت المؤسسات المنتخبة لا تملك سوى هامش محدود من التأثير؟
إن أخطر ما قد ينتج عن هذا النوع من الخطاب ليس النقاش حول طبيعة النظام السياسي، بل تكريس الشعور بعدم جدوى العمل السياسي نفسه. فالمواطن الذي يسمع من رئيس حكومة سابق أن السلطة الحقيقية توجد خارج المؤسسات المنتخبة قد يتساءل، بحق، عن قيمة صوته الانتخابي وعن جدوى التنافس الحزبي برمته.
لكن إذا كان بنكيران مقتنعاً فعلاً بوجود خلل في توزيع السلطة أو نقص في صلاحيات الحكومة، فإن المطلوب منه سياسياً ليس مجرد توصيف الواقع، بل تقديم مشروع لإصلاحه. فمن الطبيعي أن يدعو إلى تقوية موقع رئيس الحكومة، وتعزيز دور البرلمان، وتوسيع دائرة المحاسبة الديمقراطية، وترسيخ مبدأ ربط السلطة بالمسؤولية. ومن الطبيعي أيضاً أن يطرح، إذا كان مقتنعاً بذلك، تعديلات دستورية أو إصلاحات مؤسساتية تجعل المؤسسات المنتخبة أكثر قدرة على ممارسة اختصاصاتها.
أما الاكتفاء بالقول إن الملك هو الذي يحكم، بعد سنوات طويلة من تدبير الشأن العام، دون تقديم مراجعة نقدية للتجربة الحكومية التي قادها أو تحمل نصيب من المسؤولية في الواقع الذي ينتقده اليوم، فإنه يجعل السؤال موجهاً إلى بنكيران نفسه قبل أن يكون موجهاً إلى النظام السياسي.
فهذا التناقض هو الذي يزرع الشك في نفوس المواطنين ويغذي العزوف السياسي. فالمواطن البسيط لا يبحث في تفاصيل الهندسة الدستورية ولا في توازنات السلطة الدقيقة، بل يريد جواباً واضحاً: إذا كانت الحكومة لا تملك القرار، فلماذا ننتخبها؟ وإذا كانت تملك جزءاً من القرار، فلماذا لا تتحمل مسؤولية نتائج اختياراتها؟
ويمكن القول إن بنكيران يطرح اليوم إشكالية كان جزءاً من تكريسها، أو على الأقل لم يعمل على معالجتها عندما كان في موقع المسؤولية. فمن الصعب إقناع المغاربة بأن الحكومة لا تحكم، بعد أن قاد هو نفسه الحكومة بشكل مباشر أو عبر حزبه لعقد تقريباً، دون أن يفتح معركة سياسية أو دستورية واضحة من أجل توسيع صلاحيات المؤسسة الحكومية أو ترسيخ الأعراف الديمقراطية التي تعزز موقعها.
هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في المشاركة السياسية، بل العكس تماماً؛ فهي تدفع نحو مزيد من الوضوح. فإذا كان بنكيران يعتبر أن النظام الحالي لا يتيح للحكومة ممارسة السلطة الفعلية، فمن الطبيعي أن يتحول هذا التشخيص إلى مشروع إصلاح سياسي واضح ومعلن.
غير أن ما فُهم من تصريحاته الأخيرة لا يتجه في هذا المسار. فهو ليس غاضبا، ولا محتجا، ولم يطرح هذا التشخيص في إطار المطالبة بإصلاحات دستورية أو سياسية، ولم يقدمه باعتباره مدخلاً لتوسيع صلاحيات الحكومة أو البرلمان. كما أن أدبيات حزب العدالة والتنمية لا تعطي، إلى حدود اليوم، الانطباع بأن هذا الملف يشكل أولوية سياسية أو مطلباً مركزياً ضمن أجندته.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: حزب يعارض حكومة يعتبر أنها لا تحكم فعلياً، ويسعى في الوقت نفسه إلى الفوز بالانتخابات من أجل ترؤس حكومة يقول إنها لا تحكم. إنها مفارقة سياسية تستحق التأمل.
وعلى الأقل، يمكن القول إن بنكيران كان واضحاً مع الناخبين عندما أوصل رسالته الضمنية: صوتوا علينا… حتى وإن كنا لا نحكم.

