هوامش تاريخية – يوسف المساتي
لم تكن إيليغ مجرد مدينة في سوس، ولا كانت زاوية تازروالت مجرد فضاء روحي معزول عن صخب السياسة. هناك، في قلب الجنوب المغربي، تشكلت واحدة من أكثر التجارب غرابة في تاريخ المغرب قبل العلويين: إمارة خرجت من عباءة الزاوية، وامتدت عبر القوافل والمراسي، وربطت الصحراء بأوروبا، قبل أن تنتهي أسوارها تحت ضربات عهد جديد.
في قلب هذه الحكاية يقف رجل واحد بأسماء متعددة. يعرفه المؤرخون باسم أبي حسون السملالي، علي بن محمد. وتعرفه ذاكرة سوس باسم أكثر التصاقًا بالحكاية: بودميعة. أما دولته، فتارة تسمى إمارة إيليغ، وتارة الإمارة السملالية، وتارة أخرى إمارة تازروالت. غير أن تعدد الأسماء لا يغير جوهر القصة؛ نحن أمام مشروع سلطة جمع بين البركة والذهب، وبين هيبة الزاوية ودهاء السوق، وبين طموح الأمير وحسابات التاجر.
بدأت الحكاية من بيت سيدي أحمد أوموسى السملالي، الشيخ والقطب الذي منح العائلة رأسمالًا رمزيًا واسعًا في سوس. لم يكن هذا الرصيد الروحي تفصيلًا ثانويًا، بل كان الأساس الذي جعل السلطة السملالية ممكنة في مجتمع تتحرك فيه القبيلة والزاوية والتجارة ضمن شبكة واحدة.
قبل أن يظهر بودميعة، حاول أخوه إبراهيم أن يرفع راية الحكم سنة 1606. غير أن التجربة الأولى كشفت منذ البداية أن السلطة داخل البيوتات الكبرى لا تمنح مجانًا، ولا تستقر لمن يحاول احتكارها وحده. فقد انتهى إبراهيم مقتولًا بعد أن حاول تثبيت الحكم لنفسه، فكانت نهايته رسالة قاسية إلى العائلة: الطموح يحتاج إلى توافق، والقوة وحدها لا تكفي.
لكن إبراهيم لم يترك خلفه فراغًا كاملًا. تذكر الرواية أن الرجل أوصى قبل موته بأن ينتقل الحكم إلى ابن عمه الحسين بن علي. وبهذه الوصية، انتقلت الرئاسة من أبناء محمد إلى أبناء علي، الذي كان قد مات في سجن المنصور السعدي. كانت تلك الخطوة محاولة لتفادي انفجار العائلة من الداخل، وحماية المشروع الوليد من السقوط المبكر.
لم يكتف إبراهيم بترتيب الخلافة داخل البيت. فقد فهم مبكرًا أن الحكم في سوس يحتاج إلى سند روحي وقبلي. لذلك منح أبناء سيدي امحند أوبراهيم، الشيخ التمنارتي، أراضي وساقية في “تين إيسلان”. وكان الشيخ التمنارتي قطبًا روحيًا آخر في سوس، وصهرًا وصديقًا لسيدي أحمد أوموسى. بهذه الهدية السياسية، ضمنت العائلة دعم زاوية تمنارت، إحدى المحجات الكبرى في بلاد إجزولن منذ زمن عبد الله بن ياسين.
هكذا، لم تنشأ الإمارة من ضربة سيف واحدة. نشأت من وصية، وتحالف، وذاكرة روحية، وحسابات دقيقة داخل بيت يعرف أن الشرعية لا تصنعها القرابة وحدها.
بعد اضطرابات البداية، ظهر أحمد بن إبراهيم بوصفه شخصية تهدئة. كان قاضيًا وعالمًا، وتحفظ له الذاكرة الشفوية أوصافًا دالة: الإمام، عمدة الأيتام، ملجأ الضعفاء. لم يدخل في صراع مع عائلته، بل ساعد على تثبيت الطريق أمام الحسين بن علي، واشتغل بمنطق كسب القلوب، لا بمنطق كسر الخصوم.
لكن سنة 1611 حملت منعطفًا غامضًا. فقد توفي أحمد بن إبراهيم والحسين بن علي في وقت متقارب بتازروالت. ومن هذا الغموض خرج بودميعة إلى الواجهة.
كان علي بن محمد في الحادية والعشرين من عمره حين صعد إلى الحكم. لم تكن بيعته حدثًا عابرًا داخل قرية أو زاوية. بدأت أولًا عند أخواله، أهل سيدي بلقاسم أوعلي، في إفران تانكرت، حيث بايعه 900 فارس تحت شجرة قرية السوق. ثم جاءت البيعة الكبرى في تازروالت، فوق قبر جده سيدي أحمد أوموسى.
اكتسبت هذه البيعة معناها من الحضور الواسع. فقد اجتمع فقهاء وعلماء وشيوخ قبائل من الأطلس الصغير، ووادي نون، وباني، والساقية الحمراء، وهشتوكة، وماسة. لم يكن الأمر مجرد تنصيب شاب من بيت معروف، بل إعلانًا عن رغبة في تجاوز الصراعات العائلية وبناء قوة سياسية جديدة في بلاد إجزولن.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد بودميعة مجرد وارث لزاوية. صار أميرًا يحمل مشروعًا.
امتلك بودميعة شخصية كاريزماتية. كان يعرف متى يلين، ومتى يفرض الهيبة. تذكر النصوص التاريخية أن التجار والسياسيين المسيحيين الذين كانوا يزورونه كانوا يُلزمون بتقبيل رجليه، في إشارة إلى صورة السلطة التي أراد ترسيخها أمام الأجانب كما أمام الداخل.
لم يكن طموحه محدودًا بسوس. أراد أن يجمع شيوخ وقواد السعديين في درعة وتافيلالت وسوس تحت سلطته. لذلك تحرك في أكثر من اتجاه: بالتحالف، وبالقوة، وبالمصاهرة، وبالتحكم في التجارة.
لكن الطريق نحو القوة لم يكن مفتوحًا. في الشمال، وقف أمامه يحيى الحاحي، القادم من حاحة. كان الحاحي يتحرك باسم زيدان بن المنصور السعدي، وتمكن سنة 1615 من انتزاع تارودانت من يد بودميعة. ولم يكن الصراع بينهما بالسلاح وحده، بل امتد إلى القصائد والمساجلات الشعرية، كأن السياسة في ذلك الزمن كانت تُخاض بالسيف والكلمة معًا.
رأى بودميعة أن الحاحي يستعمل اسم السعديين لخدمة مصلحته الخاصة. وسرعان ما بدا هذا التقدير قريبًا من الواقع، بعدما اختلف الحاحي مع زيدان السعدي، وبدأ يدعو لنفسه، ثم تحالف مع إمارة الشبانات في مراكش ليغلق الطريق أمام بودميعة نحو العاصمة الحمراء.
وجد بودميعة نفسه بين جبهتين: شمال يعطل حلم مراكش، وجنوب يفتح أبواب الصحراء. ومن هنا بدأ يتحول تدريجيًا إلى أمير طرق وقوافل ومراسي، لا إلى مجرد قائد يبحث عن مدينة ملكية.
فهم بودميعة أن من يتحكم في تجارة الصحراء يتحكم في السياسة. وكانت سانتا كروز، مرسى حصن أكادير، قلبًا نابضًا لهذه التجارة. لذلك شكلت قصته مع السلطان زيدان بن المنصور لحظة كاشفة.
كرى بودميعة مرسى أكادير للسلطان زيدان، لكن الأخير لم يحترم العهد ولم يؤد ما عليه. كانت تلك زلة سياسية وتجارية، لكنها لم تتحول إلى نهاية. فقد سارع بودميعة إلى تعديل استراتيجيته.
في سنة 1623، حاصر النصارى في أكادير بجيش تجاوز 1400 مقاتل. لكنه لم يراهن على الحصار وحده. فتح مرسى ماسة، ومرسى سيدي محمد بن عبد الله في بلاد أيت باعمران، كي لا تظل تجارته رهينة بمنفذ واحد. ثم استولى على برج تالبرجت، وحاصر حصن أكادير عشر سنوات كاملة.
لم يكن الهدف عسكريًا فقط. كان يريد تحويل القوافل عن أكادير، وربط تجارة الصحراء بمنافذ يتحكم فيها. وبذلك تحولت ماسة إلى رئة اقتصادية للإمارة، وصارت سوس نقطة وصل بين الذهب القادم من الصحراء والسفن الأوروبية الباحثة عن الربح.
هنا بدأت صورة بودميعة تتجاوز حدود سوس. لم يعد أميرًا محليًا، بل صار طرفًا في شبكة تجارة عابرة للصحراء والبحر.
في الوقت الذي كان يحاصر ويناور ويفتح المراسي، كان بودميعة يبني عاصمته: إيليغ. بدأ المشروع سنة 1612، واستمر عشر سنوات. لم تكن إيليغ مجرد مقر حكم، بل كانت بيانًا معماريًا وسياسيًا يقول إن الإمارة لم تعد عابرة.
كانت المدينة رمزًا للازدهار، لكنها حملت في نشأتها وجهًا قاسيًا. فقد كان البحارة والتجار الذين تتحطم سفنهم على شواطئ الصحراء يتحولون إلى أسرى. وكان بودميعة يشتري بعضهم أو يأخذهم مقابل ثمن، ثم يستعملهم في البناء، قبل أن يعيد بيعهم بأثمان مربحة.
هكذا، نشأت إيليغ من خليط معقد: يد عاملة محلية، وأسرى أوروبيون، ومال التجارة، وطموح سياسي لا يريد أن يظل بلا عاصمة. ومنذ اكتمالها، صارت المدينة علامة على صعود الإمارة، وعلى قدرة بودميعة على تحويل الفوضى البحرية والصحراوية إلى مورد للسلطة.
لكن ظلًا غامضًا يرافق هذه الحكاية. فقد كانت الأرض التي بنيت عليها إيليغ، بحسب الرواية، تعود في الأصل إلى أبناء عم بودميعة. وبعد اكتمال البناء، اختفى هؤلاء بطريقة غامضة. يفتح هذا التفصيل سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل كان بودميعة يؤسس دولة بمنطق الضرورة، أم كان طموحه يدفعه إلى قسوة لا تترك مكانًا حتى للأقربين؟
بعد وفاة يحيى الحاحي سنة 1626، انفتح الطريق أمام بودميعة. دخل جيش إكوزولن إلى تينزولين في درعة، ثم تمكن بعد ثلاث سنوات من السيطرة على تارودانت. وبذلك لم تعد الإمارة محصورة في مركزها الأول.
اتسعت سلطته لتشمل درعة، وجبال بادس المطلة على مراكش، ومنطقة إداوتنان وحاحة حتى بوريقي قرب الصويرة الحالية. ولحماية هذا التمدد، بنى قصبات وقصورًا في درعة العليا، وحول الحدود إلى نقاط مراقبة وحضور عسكري.
تذكر المصادر التاريخية أن جيشه بلغ 150 ألف محارب. وذهب بعض الأوروبيين إلى القول إن “سيدي علي”، أي بودميعة، قادر على دخول مراكش “بلا شك ولا ريب”. غير أن المفارقة أن الرجل لم يندفع نحو مراكش حين ضعفت السلطة السعدية.
في سنة 1638، لم يهاجم المدينة، بل اتجه إلى مساعدة أحمد بن زيدان على دخولها. تبدو هذه الخطوة وكأنها محاولة للحكم من الخلف، دون استنزاف مباشر أمام الشبانات الذين كانوا يسدون الطريق. وكرر بودميعة هذا الأسلوب لاحقًا مع آخر السعديين، محمد الشيخ الثالث، سنة 1647، وكان الأخير متزوجًا من ابنته.
لم تكن المصاهرة هنا تفصيلًا عائليًا. كانت أداة سياسية ضمن شبكة واسعة من الموازنة بين القوة والمصلحة والشرعية.
تكشف ثروة بودميعة جانبًا آخر من شخصيته. فقد كان أميرًا، لكنه كان أيضًا تاجرًا من طراز رفيع. في عهده، بلغت ممتلكاته الفلاحية والعقارية أرقامًا لافتة. تذكر بعض الإشارات أنه اشترى أكثر من 136 ألف ملكية في إيليغ وتازروالت وتيزنيت وماسة ووادي نون.
وفي سنة 1640، كشف ديوانه أن مساحة أراضيه تراوحت بين 5 آلاف و6 آلاف هكتار، دون احتساب الأسواق والطواحين والأسوار. أما قيمة عقاراته، فبلغت نحو 230 ألف مثقال من الذهب.
لم تكن هذه الثروة مجرد تراكم شخصي. فقد دخلت في تمويل القصور والأسوار والجيوش والمراسي. كما اعتمد بودميعة على يهود ملاح إيليغ في تسيير تجارته الواسعة، بما يكشف عن عقل عملي يعرف قيمة الخبرة والشبكات، حتى وهو يتحرك داخل شرعية دينية إسلامية.
رآه بعض الأوروبيين تاجرًا قويًا لا يحترم الالتزامات دائمًا. ورآه آخرون مرابطًا صالحًا وعادلًا. وبين الصورتين، تظهر شخصية مركبة: رجل يلبس عباءة الزاوية، لكنه يفكر بعقل السوق؛ ويستند إلى البركة، لكنه لا يترك الذهب خارج الحساب.
كانت ماسة في عهد بودميعة أكثر من مرسى. صارت بوابة اقتصادية للإمارة. من سوس، كانت تأتي سلع الصوف والمعادن والجلود وملح البارود وشمع العسل. ورغم تراجع مزارع السكر في تارودانت، ركز بودميعة على بيع السكر عبر مرسى ماسة، فربط اقتصاد المنطقة بحركة تجارية امتدت آثارها إلى القرن الثامن عشر.
ومن الصحراء، كانت تصل سلع أخرى: العنبر الأشهب، ريش النعام، العاج، العبيد، والذهب. كان الذهب، في زمن الفوضى النقدية، قلب العملية كلها. غير أن بودميعة لم يتعامل معه ككنز مغلق، بل أدخله في الدورة الاقتصادية.
كانت المعاملات في سوس تقوم في الغالب على الأداء الفوري. لم يكن الناس يقبلون بسهولة بالسلف أو “الكريدي”. ومن هذا المنطق، نشأت سوق مباشرة، بسيطة، لكنها فعالة.
في المقابل، جاءت السفن محملة بالمنسوجات الرفيعة، والمرجان، والزجاج الملون، والأسلحة النارية، والأفيون، والورق. وضعت إدارة بودميعة المحلية يدها على الرسوم الجمركية، وأضافت إليها مداخيل فدية الأسرى الأوروبيين. ومن هذه الموارد نمت الإمارة، وتوسعت قدرتها العسكرية والعمرانية.
بلغت جاذبية ماسة حد أن قنصل فرنسا كتب إلى ريشيليو أن ممتلكات سيدي علي “تفيض ذهبًا”، وأن عدله جعل التجار من جنسيات مختلفة يقبلون عليه. وكانت الرسوم الجمركية في ماسة أقل من غيرها، إذ بلغت 7 في المائة مقابل 10 في المائة في مراكز أخرى، ما جعل السفن الأوروبية تبحث عن رضا سيد إيليغ.
لم تكن أوروبا تنظر إلى بودميعة كزعيم محلي فقط. كانت تراه طرفًا يتحكم في جزء مهم من تجارة المغرب. فقد كان الذهب والعنبر وريش النعام والعبيد يأتون من تمبكتو عبر الصحراء، ثم يعبرون نحو المراسي التي يراقبها.
حاول الإسبان مزاحمته انطلاقًا من جزر الكناري، لكن نظامه العسكري لمراقبة السواحل والقفار أفشل تلك المحاولات. وفي إحدى المرات، استعمل جيشًا من 50 ألف محارب لمنع سلطان مراكش السعدي من المشاركة في قافلة تجارية نحو تمبكتو. استُعملت مبررات دينية، لكن خلفية القرار كانت واضحة: حماية الاحتكار.
بلغت هيبته حد انتشار أخبار في أوروبا تزعم أنه سيطر على مملكة كاكو، وغينيا، وملاحات تغازي في قلب الصحراء. قد تكون هذه الأخبار أكبر من الواقع، لكنها تعكس صورة رجل بدا في أعين الأوروبيين سيدًا لطرق الذهب.
ومن هنا توترت علاقات السلاطين السعديين في مراكش مع الإنجليز. فقد كانت لندن تقيم علاقات مباشرة مع دار إيليغ، لأنها أدركت أن من يسيطر على تجارة هذه المنطقة يملك مفتاحًا مؤثرًا في تجارة المغرب كلها.
بدأت علاقة السملاليين بالعلويين من بوابة المصالح المشتركة. كان العلويون يتحكمون في تجارة القوافل بين توات وتافيلالت، ودخلوا في صراع مع قصر تابوعصامت، وهي محطة مهمة لقوافل درعة نحو بلاد السودان.
طلبت تابوعصامت دعم الدلائيين بقيادة محمد الحاج الدلائي. في المقابل، تحالف العلويون مع السملاليين بقيادة بودميعة. تحرك الأخير إلى تافيلالت سنة 1632، لكنه ما إن وصل إلى سجلماسة واستقر في الواحة حتى أعجبته المنطقة ورفض مغادرتها.
ترك هناك ممثلًا له، وبنى قصبة لتثبيت سلطته. ثم تفاوض مع أهل تابوعصامت، التي كانت تضم جالية يهودية قوية تجاريًا. أفاده ذلك التحرك، كما أفاد حليفه مولاي علي الشريف.
لكن الدلائيين شعروا بأن مصالحهم مهددة. استغلوا غياب بودميعة سنة 1044هـ/1634م، وسيطروا على قصر السوق، بوابة الأطلس. كما فرضوا على مولاي علي الشريف معاهدة قاسية، تنازل فيها عن مراكز استراتيجية مقابل سحب قواتهم من الأطلس المتوسط.
اشتعل التوتر حين أحس بودميعة أن الدلائيين يريدون تقليص دوره. وفي سنة 1048هـ/1638م، عاد إلى تافيلالت بقواته، واعتقل الشريف بن علي، وأرسله أسيرًا إلى قلعته في سوس.
لم يكن الأسر وحده هو اللافت. فقد زوّج بودميعة الشريف بامرأة من قبيلة المغافرة، ستصبح لاحقًا أم السلطان المولى إسماعيل. لكن معاملة الشريف أثارت غضب شيخ الزاوية الدلائية، محمد بن أبي بكر، الذي بعث رسالة إلى بودميعة يلومه فيها، ويذكره بنسب الشريف ومكانته.
أطلق بودميعة سراح الشريف العلوي سنة 1047هـ/1638م، بعد أن دفع ابنه المولى محمد فدية مالية كبيرة. غير أن تلك الواقعة تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة البيت العلوي.
لم ينسَ المولى محمد بن الشريف ما وقع. جمع دعم العرب الرحل في الصحراء، وعاد سنة 1050هـ/1640م، فأخرج بودميعة من سجلماسة، وبايعه الناس هناك. اضطر سيد إيليغ إلى العودة نحو سوس، حيث بدأت حدود مشروعه تنكمش من الشرق.
كان بودميعة يتجنب مواجهة مباشرة مع محمد بن الشريف، رغم أن جيشه كان الأكبر في المنطقة. لكن سنة 1641 حملت الضربة الأولى القاسية. خرج إلى درعة، وبعد 41 يومًا من القتال، خسر 950 مقاتلًا من خيرة رجاله.
لم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية. كانت إعلانًا عن تغير ميزان القوى. فالإمارة التي توسعت بالذهب والقوافل والسلاح بدأت تكتشف أن الشرق لم يعد مجالًا مضمونًا، وأن قوة جديدة تتحرك من تافيلالت بثقة أكبر.
عاش بودميعة سنواته الأخيرة وهو يرى الإمارة تتراجع سياسيًا، وإن ظلت تجارتها مزدهرة. بقي الذهب يتدفق نحو إيليغ، وبقيت دارها حاضرة في شبكات التجارة، لكن زمن التوسع كان قد ولى.
توفي بودميعة سنة 1659، وخلفه ابنه أبو عبد الله محمد. وبعد أكثر من عقد، جاء المولى الرشيد سنة 1670، وهدم أسوار إيليغ، معلنًا نهاية مرحلة وبداية عهد جديد في تاريخ المغرب.
لا تستمد قصة بودميعة قوتها من اتساع دولته وحده، بل من تركيبها العجيب. فقد جمع الرجل بين الزاوية والسوق، وبين الميناء والصحراء، وبين الجهاد والاحتكار، وبين البركة والبراغماتية. كان قادرًا على مخاطبة الفقهاء والقبائل، كما كان قادرًا على مساومة الأوروبيين والتجار.
لم يكن قديسًا خارج السياسة، ولا تاجرًا بلا شرعية، ولا أميرًا بلا حساب. كان ابن زمن مضطرب، عرف كيف يحول اضطرابه إلى سلطة. بنى إيليغ، سيطر على المراسي، فاوض السعديين، حارب الحاحي، تحالف مع العلويين ثم اصطدم بهم، وترك وراءه واحدة من أكثر قصص سوس كثافة في التاريخ المغربي.
انتهت الإمارة حين سقطت أسوار إيليغ، لكن الاسم بقي. بقي بودميعة في الذاكرة بوصفه “سلطان إكوزولن”، الرجل الذي حاول أن يجعل من الجنوب مركزًا لا هامشًا، ومن القافلة دولة، ومن الذهب لغة سياسية.
وهكذا، لا تبدو حكاية بودميعة مجرد هامش في تاريخ المغرب. إنها نافذة على زمن كان فيه الحكم يصنع في الزوايا كما يصنع في العواصم، وكانت القوافل أحيانًا أقوى من الجيوش، وكان مرسى صغير مثل ماسة قادرًا على إزعاج مراكش، وجذب عيون أوروبا، ورفع إيليغ إلى مقام عاصمة من ذهب.
أكد رئيس التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، أن مغاربة العالم باتوا يشكلون فاعلًا مؤثرًا في…
توّج ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي بلقب دوري أبطال إفريقيا، مساء الأحد، عقب تعادله أمام…
حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من التدهور المتسارع الذي يطال التنوع البيولوجي الفلاحي بالمغرب. معتبرا…
وجه المكتب الجهوي لـالجمعية المغربية لحقوق الإنسان بجهة فاس مكناس. اليوم الأحد 24 ماي 2026.…
أعلنت الخطوط الملكية المغربية "لارام" تعليق عدد من رحلاتها الدولية بشكل مؤقت. بعد ارتفاع أسعار…
حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من الضغوط المتزايدة التي تواجهها الثروة السمكية بالمغرب. مؤكدا أن…
This website uses cookies.