الرئيسي

تسييس الكرة و”تكوير” السياسة

بقلم: محمد حفيظ

نعيش هذه الأيام أجواء المونديال الذي تحالفت في استضافته ثلاث دول من قارة أمريكا، من ضمنها الدولة “العظمى” التي تتربع على عرش العالم بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والديبلوماسية والسياسية…

نعيش في ذروة زمن نهائيات كأس العالم، حيث تهيمن كرة القدم على العالم بأسره، وتشتد هذه الهيمنة أكثر لدى البلدان المشاركة في المونديال.

ومع ذلك، فإن العالم لا يُختزل في كرة القدم، ولا يمكن أن يَسقط في هذا الاختزال. فقد شهد العالم “مونديالات” عديدة منذ انطلاق هذه البطولة العالمية، وكان كل مونديال ينتهي بتتويج فريق، في انتظار مونديال قادم. أما العالم، فإنه يستمر في الانشغال بقضاياه الكبرى والمصيرية التي كانت مطروحة قبل المونديال، ويواصل انشغاله بها خلاله، وسيستمر بعد انتهائه.

ولعل المثال الحي هنا هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تستضيف هذه النهائيات، وتحتضن ملاعبُها أغلبَ المباريات. فلا هي أوقفت زمنها عند زمن المونديال، ولا هي توقفت عن انشغالاتها في شرق العالم وغربه، وفي شماله وجنوبه: في الشرق الأوسط كما في الشرق الأقصى، وفي أوروبا كما في إفريقيا، وفي أمريكا شمالها وجنوبها.

الولايات المتحدة، وهي تستضيف على أرضها نهائيات كأس العالم التي تشد أنظار العالم، تواصل خوض الحروب هناك وهنالك، وتواصل إجراء المفاوضات طلبا لوقف الحرب هنا أو وقف إطلاق النار هناك، كما تواصل جولات قادتها في العالم للمشاركة في مؤتمر، أو حضور اجتماع، أو توقيع صفقة…

لذلك، “ما كاينش غير الكرة”.

نعم، كرة القدم تمنحنا مساحة للفن والجمال ولحظة للاحتفال والفرح وحتى فرصة للشعور بالانتماء والتعاضد. لكنها لا يجب أن تصبح بديلا عن بقية الحياة، بل وعن ضرورات الحياة التي لا يمكن أن نوجد بدونها، ولا يمكن أن يكتمل وجودنا بدون تحققها.

ولذلك، لا ينبغي للكرة وقضاياها أن تحتل مساحة قضايا أخرى لها أهميتها البالغة التي ترتبط بمصير الناس ومستوى عيشهم وظروف حياتهم، مثل التعليم والصحة والشغل والحريات والعدالة الاجتماعية…

نعم، نتابع المونديال، ونستمتع بالكرة، ونناصر فريقنا ونشجعه. ومع ذلك، لا يمكن أن نختزل كل شيء في الكرة، مثلما لا يمكن أن نختزل النجاح في الكرة، كما يُرَوِّج البعض عندنا.

نعم، نجاح الكرة هو نجاح، لكنه ليس كل النجاح، وليس هو النجاح الذي ينبغي أن يحظى بكل هذه الأولوية، ولا هو النجاح الذي يمكن أن يحقق كل أحلامنا أو يحل كل مشاكلنا. وعدم النجاح في الكرة ليس بالضرورة خسارة أو هزيمة تهدد وجودنا.

لذلك، لا يمكن أن تنجح دولة تُوهِم نفسها بأن النجاح هو نجاح الكرة فقط.

لقد أعطينا الكرة الكثير؛ صرفنا الأموال الباهظة من أجل الكرة، ووضعنا بنياتنا التحتية رهن إشارة الكرة، ووظفنا مؤسساتنا لخدمة الكرة، وأصبحنا نستقبل كل التظاهرات الخاصة بالكرة، وأخضعنا أجندتنا، الرياضية وغير الرياضية، لاتحادات الكرة المحلية والقارية والدولية…

وأصبح معيار النجاح عندنا لا يقتصر فقط على الفوز بالمسابقات وارتداء الميداليات ورفع الكؤوس، وإنما امتد ليشمل استضافة التظاهرات الرياضية، حتى تلك التي تتخلى عنها الدول المكلفة باستضافتها في آخر لحظة لهذا السبب أو ذاك. فتحولنا، في بعض الأحيان، إلى مستضيفي “آخر لحظة” لإنقاذ هذا الاتحاد أو ذاك البلد.

كل هذا دون إفصاح عن الكلفة: ما حجم المبالغ التي تُصرف؟ وكيف تُصرف؟ وما آثارها على الميزانية العامة للبلاد؟ وما الأرباح التي نجنيها؟… ولا يمكن الاكتفاء هنا بالحديث عن “الأرباح المعنوية”، كما يحاول البعض ترسيخه في الأذهان؛ فالعائد المادي، والمالي بالأساس، أصبح في صدارة هذه التظاهرات، حيث باتت استضافة هذه البطولة أو تلك تقاس، في المقام الأول، بعوائدها المالية على المنظمين والمستضيفين.

ولنا في الولايات المتحدة الأمريكية، القوة العظمى اقتصاديا وماليا، مثال حي. فهي لا تستهين بالعائد المالي من استضافتها لهذا المونديال. وأحيل هنا إلى تعليق الرئيس الأمريكي خلال لقائه برئيس الفيفا في البيت الأبيض، قبل ثلاثة أشهر، في إطار التحضير لنهائيات كأس العالم، حين خاطب ضيفه قائلا: “أعرف شيئا واحدا يا جياني: الفيفا لديها الكثير من المال”.

فحتى إذا كان الرئيس الأمريكي قد تحدث بطريقة مازحة، فإن هذا النوع من المزاح لا يخلو من جدية، خاصة أن النقاش حينها كان يدور حول تكاليف المونديال وإجراءات تنظيمه وعوائده الاقتصادية والمالية.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فإلى جانب هذا الحديث المبالغ فيه عن النجاح المزعوم في كرة القدم، وشَخْصَنَتِه وتَذْوِيتِه حد “التقديس”، هناك سعي إلى تصريفه في السياسة. وفي ذلك نوع من الإسقاط والخلط؛ إسقاط للكرة على السياسة، وخلط بين المجال الكروي والمجال السياسي، حيث يتم إيهام الناس بأن من نجح في كرة القدم، بغض النظر عن نوع ذلك النجاح أو حجمه أو كلفته، سينجح بالضرورة في السياسة، وأن من وجد نفسه، على حين غِرَّة، يدبر هيئة رياضية، يستطيع، بالغِرَّة أو بدونها، أن يدبر شؤون بلد بأكمله.

إن هذا الإسقاط والخلط يكشفان بوضوح مشكلة أخلاقية تسيء إلى الرياضة والسياسة معا. وإذا كان المغرب قد شهد منذ زمان آفة “تسييس الكرة”، فإن هناك من يسعى اليوم إلى إضافة آفة أخرى يمكن أن أسميها “تكوير السياسة”.

لقد عاش المغرب تجارب في تسييس الكرة، من خلال اقتحام بعض السياسيين للمجال الكروي واستغلال مواقعهم السياسية وما تجود به من علاقات وشبكات للتربع على رأس فرق كروية وجامعات رياضية. وكما هو معلوم، فقد انتهى الأمر ببعضهم إلى السجون أو المحاكمات في قضايا جنائية مركبة، تتوزع فيها التهم بين الاتجار الدولي في المخدرات، وتبييض الأموال، والنصب والاحتيال، واستغلال النفوذ السياسي والسلطوي…

جرى توظيف الموقع السياسي للتمكن من موقع رياضي، ليُستعمل هذا الأخير بدوره للحفاظ على الموقع السياسي وتوسيع شبكة النفوذ وضمان المصالح الخاصة، وتحصيل عائدات أخرى، وهكذا في إطار دورة تبدو بلا نهاية.

وها نحن، اليوم، نتابع، في اتجاه معاكس، محاولات لـ”تكوير” السياسة، عبر التوجه نحو صناعة زعامات سياسية انطلاقا من المجال الكروي.

لا أحتاج إلى شرح المعنى المعجمي لكلمة “تكوير” في اللغة العربية. فهي مصدر الفعل “كَوَّرَ”، الذي يعني “جعل الشيء على هيئة كروية”. ومما تَذْكُره المعاجم في شرح هذا الفعل ما يلي: “كَوَّرَ الشيءَ: لَفَّه على جهة الاستدارة، وكَوَّرَ المتاعَ: أَلقى بعضَه على بعضٍ أَو جَمَعَهُ وشدَّه”. وتتعدد معاني الكلمة بحسب السياق والمقام.

لكن ما أقصده هنا هو المعنى الذي تحمله كلمة “تكوير” في الدارجة المغربية. وأحيل في هذا الخصوص إلى المثل المغربي المعروف “كَوّرْ وْعْطِي لْعْورْ”. وهو مثل يفهمه المغاربة جيدا، ولا يخطئون سياقات استعماله.

ويُستخدَم هذا المثل للدلالة على إنجاز عمل ما بشكل غير متقن، ودون مراعاة للجودة المطلوبة، ثم تمريره أو تقديمه لمن لا يملك القدرة على تمييز عيوبه. فهو مَثَل نقدي يضربه المغاربة للإشارة إلى الغش والتدليس، وغياب الإتقان، وانعدام الأمانة، والاستهتار بالشخص المتعامَل معه، واستغلال ضعف خبرته أو انتباهه، دون اعتبار للضمير المهني أو الأخلاقي.

لذلك، فإن “تكوير السياسة” يحيل إلى كل هذه الممارسات التي يذمها هذا المثل الشعبي ويستنكرها.

لا يمكن استغلال كرة القدم وتوظيف بعض انتصاراتها في صناعة صورة سياسية لهذا أو ذاك. ولا يمكن استغلالُ هذا المشترك الذي يجمع المغاربة، في لحظات الفرح كما في لحظات الحزن، وتحويلُه إلى عائد شخصي أو ذاتي يُوظَّف في المجال السياسي، الذي يمثل مجالا للاختلاف والصراع والتنافس.

المغاربة، في تشجيعهم للمنتخب الوطني، يشجعون وطنهم، وفي فرحهم بانتصار المنتخب الوطني يفرحون لانتصار وطنهم. ولا يهمهم أن ينتمي هذا المسؤول أو ذاك إلى هذا الحزب أو ذاك، كما لا يهمهم أن لا ينتمي أصلا.

ليس المشكل في كرة القدم، وإنما في هذا التضخيم الذي لم يعد يقتصر على “التضخيم الإعلامي” الذي يرافق كل المسابقات الرياضية، بل انتقل عندنا إلى نوع من “التضخيم السياسي” الذي يمنح لمسؤولين رياضيين سلطات تتجاوز المجال الرياضي، وتُسْبِغ عليهم هالة تتخطى الإطار الرياضي، فتتحول بذلك المواقع الرياضية إلى سلالم تُستعمل للتسلق إلى مواقع سياسية.

أبعدوا الرياضة عن الاستغلال السياسي. لا تَخلطوا حتى لا تَخبطوا خبط عشواء. مارسوا حقوقكم السياسية في الانتماء الحزبي، وفي التعبير عن الرأي السياسي، وفي العمل السياسي كما تشاؤون. لكن دعوا الرياضة رياضة، ولا تُفْقِدوها الروحَ الرياضية التي بها تُعْرَف وبها تُعَرَّف.

لكل مجالٍ حدودُه، ولكل لعبةٍ قواعدُها.

Shortened URL
https://safircom.com/yp5e
سفيركم

Recent Posts

إشارة يد في كأس العالم تضع الفيفا تحت الضغط

دعت شبكة “Fare”، المكلفة برصد مظاهر التمييز في كأس العالم، الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى…

16 دقيقة ago

شبكة CNN الأمريكية: المغرب يحوّل مياه البحر إلى درع ضد الجفاف

سلّطت شبكة CNN World الأمريكية، الضوء على التجربة المغربية في مواجهة أزمة الجفاف. معتبرة أن…

46 دقيقة ago

الأمم المتحدة: درون السودان يقتل ألف مدني وهايتي تنزف

كشف المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن مقتل أكثر من ألف مدني…

ساعة واحدة ago

فوزي لقجع لـ”سفيركم”: لا زلت بدون انتماء حزبي حتى الآن

أكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، أنه لايزال و"لحدود…

ساعة واحدة ago

منتدى مراكش يستعد لفتح نقاش الاقتصاد والاستثمار الإقليمي

تستعد مراكش لاحتضان الدورة الرابعة من منتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج، يومي 19…

ساعتين ago

قافلة دعم المقاولات تفتح نقاش التمويل بطاطا

حطت القافلة الجهوية لدعم المقاولات الصغرى الرحال بمدينة طاطا، في محطة جديدة خصصت للتعريف ببرامج…

ساعتين ago

This website uses cookies.