رصد تقرير صيني تخوف الأوساط الإعلامية والسياسية في كل من فرنسا والجزائر وتونس، من التقارب الاقتصادي والدبلوماسي المتزايد بين المغرب والصين، الذي أشار إلى أنه يعيد رسم موازين النفوذ في منطقة المغرب العربي.
وأوضح التقرير، الصادر عن صحيفة “China Global South” الصينية، أن العلاقات المغربية الصينية شهدت في السنوات الأخيرة تقدما كبيرا جعل منها أحد أبرز التحولات السياسية في شمال إفريقيا، خاصة بعد امتناع الصين عن التصويت في مجلس الأمن بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، مؤكدة أنها مؤشر على ميل الصين للرباط على حساب الجزائر.
فرنسا.. تخوف من النفوذ الصيني
وأضاف التقرير أن العلاقات الفرنسية المغربية بلغت أدنى مستوياتها سنة 2023، عقب أزمة التأشيرات وقرار البرلمان الأوروبي الذي انتقد أوضاع الصحافة في المغرب، غير أن باريس سرعان ما أعادت حساباتها بعد توتر علاقاتها مع الجزائر، مؤكدة أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024 شكلت نقطة تحول في مسار العلاقات بين البلدين.
وواصل التقرير، الذي أعدته الباحثة بيانكا باسكييه، أن ماكرون اعترف خلال الزيارة، بشكل صريح بسيادة المغرب على الصحراء، واصفا هذه الخطوة بـ”غير المسبوقة” التي عكست رغبة فرنسا في استعادة موقعها الاستراتيجي في المملكة، بعد أن بدأت الصين تملأ فراغ النفوذ التقليدي لباريس في المنطقة.
وأردف أن وسائل الإعلام الفرنسية، من بينها “لوبوان” و”لوموند”، أعربت عن قلقها من تراجع مكانة فرنسا في المغرب، حيث أصبحت الرباط شريكا أساسيا في السياسة الإقليمية لباريس، خصوصًا مع استمرار القطيعة مع الجزائر.
وأشار التقرير إلى أن المنافسة بين فرنسا والصين باتت واضحة في مشاريع البنية التحتية، خاصة في قطاع النقل السريع والطاقة النظيفة، حيث تنافس الشركات الصينية نظيراتها الفرنسية على عقود السكك الحديدية والمصانع الكهربائية، حيث نقل عن أحد رؤساء الشركات الفرنسية قوله إن “الصينيين يتواصلون مع المغرب يوميا، وعلى فرنسا أن تستيقظ قبل فوات الأوان”.
واستطرد أنه على الرغم من محاولات فرنسا تقديم سياستها في المنطقة على أنها ليست “لعبة صفرية” (Zero-sum game)، وهو مصطلح يعني في العلاقات الدولية أن مكاسب طرف ما تعني بالضرورة خسارة طرف آخر، إلا أنه أكد في المقابل أن مخاوف فقدان النفوذ حقيقة وملموسة في الأوساط السياسية والاقتصادية الفرنسية.
الجزائر: خطاب رسمي مطمئن وواقع متناقض
وفي حديثه عن الجانب الجزائري، أوضح التقرير أن الإعلام الرسمي في الجزائر يواصل الترويج لما يسميه “الشراكة المثالية” مع الصين، مستندا إلى منتديات واتفاقيات اقتصادية تتجاوز قيمتها ملياري دولار، في مجالات السيارات والسكك الحديدية والزراعة.
واستطرد أن بعض الأصوات المستقلة داخل الجزائر، إلى جانب محللين أجانب، ترى أن هذه العلاقة فقدت زخمها، وأن بكين أصبحت تنظر إلى الجزائر كـ”سوق مغلق وغير مستقر”، بينما تنظر إلى المغرب باعتباره شريكا صناعيا حقيقيا.
ونقل التقرير عن الصحفي الجزائري عبدو السمار قوله إن “الاستثمارات الصينية الفعلية تراجعت منذ نهاية عهد بوتفليقة، وإن المشاريع الكبرى تحولت إلى المغرب”، مشيرا إلى نقل مصنع شاحنات من الجزائر إلى المغرب، وافتتاح خط جوي مباشر بين شنغهاي والدار البيضاء، كدليل على تراجع جاذبية السوق الجزائرية.
واعتبر التقرير أن الخطاب الرسمي في الجزائر، الذي يصف العلاقة مع الصين بـ”الكاملة والمثالية”، يخفي واقعا من التناقض والقلق والانعزال، في ظل بروز الرباط كشريك مفضل لبكين في شمال إفريقيا.
تونس.. بين الإعجاب بالنموذج المغربي والرغبة في الاقتداء به
وفيما يتعلق بتونس، فلفت التقرير إلى أن الموقف الإعلامي طبعته نبرة “واقعية” و”تأملية”، إذ يرى التونسيون في التجربة المغربية مع الصين نموذجا ناجحا يستحق الدراسة والاقتداء، مبرزا أن العلاقات التونسية الصينية توصف بأنها “ودية وتاريخية” لكنها محدودة، في ظل غياب استراتيجية تونسية واضحة للانخراط في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
وذكر المصدر ذاته أن عددا من الدبلوماسيين والخبراء التونسيين دعوا بلادهم إلى الاستفادة من التجربة المغربية في جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، حيث أورد التقرير تصريح السفير التونسي السابق إلياس القصري، الذي قال فيه: “قبل ثلاثين عاما كانت تونس نموذجا يُحتذى به في المغرب، أما اليوم فقد انقلبت الأدوار”.
وأبرز أن بعض وسائل الإعلام التونسية، مثل “تونسي نيميريك” و”الإيكونوميست ماغريبان”، اعتبرت أن المغرب يحتل موقعا متقدما في الاستراتيجية المتوسطية لبكين، بفضل موقعه الجغرافي وبنيته التحتية، خصوصا ميناء طنجة الذي يعد من أكبر الموانئ في العالم.
وأكد التقرير أن التقارب المغربي الصيني أحدث ارتدادات إعلامية وسياسية في المنطقة المتوسطية، كشفت عن تراجع النفوذ الفرنسي التاريخي، وتزايد شعور الجزائر بالعزلة، وتزايد إدراك تونس لضرورة الإصلاح والتغيير.
وشدد على أن المغرب نجح في بناء شراكة متوازنة مع الصين دون التضحية بعلاقاته التقليدية مع الغرب، معتمدا سياسة براغماتية تقوم على تنويع الشركاء وجلب التكنولوجيا والاستثمار الصناعي، ما جعل المملكة محورا اقتصاديا واستراتيجيا يربط إفريقيا بأوروبا وآسيا.
وخلص التقرير الصيني بالتأكيد على أن “الشراكة المغربية الصينية أصبحت مرآة لتغير موازين القوى في شمال إفريقيا، وإشارة إلى نهاية زمن الاحتكار الفرنسي في المنطقة، وبداية توازن جديد يقوم على تعدد الأقطاب وصعود الرباط كفاعل إقليمي مستقل ومؤثر”.

