أثار مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز، أحد أبرز القيادات العسكرية الصاعدة داخل جبهة البوليساريو ونجل زعيمها الراحل محمد عبد العزيز. موجة من التساؤلات حول تداعيات هذا التطور على مستقبل القيادة داخل الجبهة وعلى الترتيبات المرتبطة بمرحلة ما بعد إبراهيم غالي. فالرجل لم يكن مجرد مسؤول عسكري. بل ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بكونه أحد الوجوه التي راكمت حضورا متزايدا داخل هياكل التنظيم. ما جعله ضمن الأسماء التي كان يُنظر إليها كمرشحة للعب أدوار قيادية أكبر مستقبلاً.
ويأتي هذا التطور في سياق الضربات المتواصلة التي تستهدف عناصر وقيادات من الجبهة داخل المنطقة العازلة. والتي ساهمت خلال السنوات الأخيرة في تقليص هامش تحركها وإرباك عدد من خططها الميدانية. كما أن استهداف شخصية تنتمي إلى إحدى أكثر العائلات تأثيرا في تاريخ البوليساريو يمنح الحدث أبعادا سياسية ورمزية تتجاوز الجانب العسكري المباشر.
لحبيب ولد عبد العزيز ومعادلة خلافة إبراهيم غالي
وفي هذا السياق أوضح محمد سالم عبد الفتاح رئيس مزصد الصحراء للإعلام وحقوق الانسان، في تصريح لموقع “سفيركم” أن مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز يثير تساؤلات تتجاوز البعد العسكري والأمني المباشر. لتطال طبيعة التوازنات الداخلية التي تحكم مرحلة ما بعد إبراهيم غالي.
وأضاف رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان أن لحبيب، بالإضافة إلى كونه قياديا بارزاً داخل البوليساريو. فقد كان يمثل امتداداً لاسم والده الذي ظل حاضراً في ذاكرة التنظيم منذ عقود. كما كان ينظر إليه من قبل بعض المتابعين باعتباره أحد الوجوه القادرة على استقطاب جزء من النخب العسكرية والسياسية داخل المخيمات. إضافة إلى خلفيته القبلية والاجتماعية في تندوف التي تشكل الثقل الديمغرافي الأكبر في المخيمات. كونه ابن القيادية الانفصالية الراحلة خديجة حمدي. التي كانت تحظى هي الأخرى بنفوذ كبير في البوليساريو.
وأكد الباحث في الشأن الصحراوي، أن غياب لحبيب المفاجئ يفرض إعادة قراءة مشهد زعامة الجبهة الذي كان يتسم أصلاً بدرجة عالية من التعقيد. بحكم أن إبراهيم غالي يمر بظروف صحية تمنعه من الاستمرار على رأس الجبهة الانفصالية. إضافة إلى التحديات السياسية الهامة المتمثلة في إنهاء وحسم النزاع المفتعل. في ظل الحراك الدولي الدبلوماسي الكبير الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية.
وأشار الناشط الحقوقي الصحراوي إلى أنه إذا كانت بعض القراءات تربط الحادث بالقدرات الاستخباراتية والعسكرية المغربية. فلا يستبعد أن يكون الصراع الداخلي على النفوذ أهم العوامل التي دفعت بتصفية لحبيب. خاصة وأن القيادات الانفصالية تتوزع ولاءاتها وارتباطاتها بمختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية. وبالتالي تتأثر أيضاً بصراع الأجنحة داخل النظام الجزائري.
وأوضح محمد سالم عبد الفتاح أن المرحلة التي تسبق انتقال القيادة في الحركات المسلحة والتنظيمات المغلقة غالباً ما تشهد تنافساً حاداً بين الأجنحة المختلفة. خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات تحظى بفرص متقدمة في سباق الخلافة أو تمتلك شبكة علاقات مؤثرة داخل الجهات الحاضنة والممولة.
صراع النفوذ والتمويل داخل الجبهة
وأضاف المتحدث أن هذه الفرضية تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى ما يتداول بشأن المكانة التي كان يحظى بها لحبيب لدى بعض الدوائر المؤثرة في الجزائر. باعتباره شخصية شابة قياسا لعدد من القيادات التقليدية. وقادرة على ضمان قدر من الاستمرارية داخل الجبهة.
كما اعتبر الباحث في ملف الصحراء أنه في مثل هذه السياقات. قد ينظر إلى أي مرشح يحظى بدعم أو قبول خارجي باعتباره منافسا مباشرا لمصالح أجنحة أخرى. تسعى إلى احتكار النفوذ أو فرض مرشحيها خلال مرحلة ما بعد غالي.
وأكد محمد سالم عبد الفتاح أن معركة خلافة غالي المحتدمة بين القيادات الانفصالية تتداخل فيها حسابات الولاءات الشخصية والقبلية والأمنية. لكن ما يؤثر فيها أساساً هو التنافس حول التحكم في الصناديق السوداء التي تعتمد عليها الجبهة الانفصالية في تمويل أنشطتها العسكرية. حيث تشير تسريبات حادث مصرع لحبيب إلى تورطه في الإشراف على مناطق التنقيب عن الذهب بالمنطقة العازلة. وهي أنشطة غير قانونية تدر على الجبهة مداخيل معتبرة وتتقاطع مع نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وأضاف الخبير في النزاع حول الصحراء أن أي حادث يستهدف شخصية بارزة في لحظة انتقالية حساسة يفتح تلقائياً الباب أمام التساؤل حول المستفيد الحقيقي من غيابها. خاصة عندما يتعلق الأمر بقيادي ينظر إليه كأحد المرشحين المحتملين لإعادة تشكيل موازين القوى داخل التنظيم بعد تنحي أو تحييد غالي.
كما أشار رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان إلى أن الأثر السياسي للحادث قد يكون أكبر من أبعاده الأمنية المباشرة. فسواء كان نتيجة عملية استهداف خارجية خالصة أو كانت هناك عوامل داخلية. ساهمت بشكل أو بآخر في كشف تحركاته أو إضعاف حمايته. فإن النتيجة واحدة. تتمثل في إبعاد أحد الأسماء المتداولة في معادلة خلافة إبراهيم غالي. وإعادة فتح باب المنافسة على قيادة البوليساريو وسط أجواء من الشكوك والتجاذبات الداخلية الحادة.
خاتمة مفتوحة على احتمالات الصراع داخل مرحلة ما بعد غالي
وأكد الباحث في الشأن الصحراوي، أن هذه السياقات ستجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً. وستغذي حالة انعدام الثقة بين الأجنحة المتنافسة داخل الجبهة. خصوصاً مع اقتراب لحظة الحسم بشأن مستقبل القيادة بعد إبراهيم غالي في سياق التحديات السياسية الهامة المرتبطة بإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء.
وختم رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان محمد سالم عبد الفتاح بالقول إن السؤال يبقى مطروحا حول المستفيد سياسيا من خروج لحبيب ولد محمد عبد العزيز من معادلة خلافة غالي. لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف الكثير من خفايا الصراع الدائر داخل هياكل البوليساريو وحولها. في مرحلة تتزايد فيها المؤشرات على احتدام التنافس بين مراكز النفوذ المختلفة استعداداً لمرحلة ما بعد غالي

