الرئيسي

“جيل Z” يختبر حدود العهد الجديد

بقلم: أشرف بولمقوس

جيل Z شباب في العشرينات، وُلدوا مع مطلع الألفية وتربّوا في حضن الهواتف الذكية، يحملون غضبهم من الفضاء الرقمي إلى الساحات. احتجاجاتهم لا تشبه ما عرفه المغرب في العقود السابقة: لا قيادة واضحة، ولا هياكل مؤطرة، ولا شعارات إيديولوجية كبرى، إنها موجة شبابية حرة، لحظية، أفقية، وصاخبة، تربك الأحزاب السياسية التي وجدت نفسها أمام جيل لا يعترف بوساطتها ولا يثق في وعودها.

اليسار، الذي يفترض أنه الأقرب إلى قضايا العدالة الاجتماعية والكرامة، لم يستطع أن يكون في موقع القيادة، اتحاد غائب على الأقل كقيادة، ونبيل التقدم والاشتراكية بتصريح فيه التهرب من المسؤولية أكثر من أي شيء اخر، اما نبيلة ظهرت في الشارع، في محاولة لإظهار أن حزبها حاضر في قلب الغضب، لكن ذلك بدا أشبه بخرجة رمزية متأخرة، ورقة سياسية مستهلكة لا تحمل جديدًا، أكثر مما هي محاولة لإحياء تنظيم مترهل واستغلال اللحظة لإعداد العدة لما بعد 2026.
جيل Z لا يرى في هذه الخطوات سوى تكرار لنفس الوجوه بنفس الخطاب، وهو ما لا يثير حماسته ولا يقنعه.
أما الإسلاميون، فقد كان لهم رصيد احتجاجي وشعبي كبير في الماضي، غير أن تجربة التدبير الحكومي قضت على بريقهم، وأدخلتهم خانة “الأحزاب المندمجة في المنظومة”. خرجات عبد الإله بنكيران الإعلامية، بكل ما تحمله من مواعظ ونبرة تحذيرية، وبهلوانية سياسية، وابتزاز مبطن، لا تبدو اليوم سوى محاولة لإعادة تموقع حزبه بعد الهزيمة الانتخابية، وإعادة تسويق خطاب انتهت صلاحيته عند شباب يبحث عن إجابات عملية لمشاكل معيشية يومية. بنكيران الحيوان السياسي بامتياز،ورقة سياسية استُهلكت، تعيد إنتاج ذات المسرحيات الخطابية التي لم تعد تقنع جيلًا لا يثق في الشعارات ولا في رموز الماضي.
كان اليسار وأحيانا الاسلاميين قادرين في لحظات معينة على تجسيد صوت الشارع، لكنهما اليوم يظهران كمتطفلين على احتجاجات لا تخصهما، جيل Z لا يحتاج إلى من يُنصّب نفسه وصيًا عليه، بل إلى فضاءات تعكس صوته دون أن تبتلعه في دوامة الحسابات الانتخابية.
لكن الأخطر و لربما ما هو أكبر، هو الاحتكاك المباشر، التعامل الأمني الصرف مع هذه الاحتجاجات قد يجعل كل المسار المغربي في مهب الريح، فكل ما راكمناه منذ التسعينيات: هيئة الإنصاف والمصالحة، الانتقال الديمقراطي، المفهوم الجديد للسلطة، خطاب الشرطة المواطنة، وحتى العهد الجديد نفسه، سيتحوّل إلى مجرد قاموس فارغ، يفقد صدقيته أمام جيل جديد لم يعشه ولكنه سمع عنه، وها هو يراه يتبخر أمام عينيه، جيل الثمانينيات والتسعينيات آمن بهذه المفاهيم وكان يراها ضمانة لمغرب مختلف، فكيف نطلب من شباب اليوم أن يؤمن بمستقبل ديمقراطي إذا عاين بأم عينيه عودة نفس المقاربات الأمنية القديمة؟
المسؤولية هنا مشتركة: على الدولة أن تدرك أن التعامل الأمني وحده لا يطفئ غضبًا اجتماعيًا عميقًا، بل يؤججه ويضاعفه، وعلى الشباب أن يعوا أن التهور القانوني قد يُفقد حراكهم التعاطف الشعبي ويحول قضيتهم العادلة إلى فوضى. أما الأحزاب، فإن استمرارها في الاكتفاء بالخرجات الإعلامية والصور الاستعراضية لن ينقذها من الهامشية.
جيل Z ليس خزانًا انتخابيًا ولا ورقة في لعبة حزبية، إنه المرآة التي تعكس أزمة ثقة ممتدة منذ عقود، وإذا ظلت منيب وبنكيران وأمثالهما و من يتبعهم من منتمون لشبيبات حزبية و جمعيات ممن خبروا الانتهازية، يتقدمون الصفوف كوجوه المرحلة، فإن الرسالة وصلت: الأوراق القديمة احترقت، وما لم يقدم عرض سياسي جديد، فإن الشارع سيواصل كتابة السياسة على طريقته، وبوسائل قد لا ترحم أحدًا.

Shortened URL
https://safircom.com/3x79
سفيركم

Recent Posts

البابا يختتم زيارة إسبانيا برسالة قوية للمهاجرين

اختتم البابا لاوون الرابع عشر، الجمعة، زيارته إلى إسبانيا من جزيرة تينيريفيه، حيث خصص آخر…

18 دقيقة ago

نيجيريا تعلن مقتل 13 ألف “إرهابي” خلال عام

أعلن الرئيس النيجيري بولا تينوبو، اليوم الجمعة، أن قوات بلاده قتلت أكثر من 13 ألف…

47 دقيقة ago

ملف الطالب المغربي المصاب في الصين يصل إلى وزير الخارجية

وصل ملف الطالب المغربي المصاب بالصين، بسبب حادثة سير، إلى وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة…

ساعة واحدة ago

المغرب يستعد لمواجهة البرازيل بـ”عقلية” وهبي في اختبار مونديالي مبكر

يدخل المنتخب المغربي، السبت، اختبارا مبكرا من العيار الثقيل في مونديال 2026 عندما يواجه البرازيل…

ساعتين ago

ابن جرير تختتم مهرجان المناظرة وتتوج الفائزين

اختتمت مدينة ابن جرير فعاليات المهرجان الوطني للمناظرة وفن الخطابة، بعد أربعة أيام من التنافس…

ساعتين ago

المغرب والأرجنتين يؤكدان متانة شراكتهما ويبحثان تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري

جدد المغرب والأرجنتين، الخميس بالعاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس، التأكيد على متانة علاقاتهما الثنائية وتطابق مواقفهما…

3 ساعات ago

This website uses cookies.