بقلم: محمد حفيظ
انتشر على وسائل الإعلام ومواقع التواصل تصريح منسوب إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قالت فيه إن “أغلب الشباب أقل من 30 سنة يملكون اليوم دارا بفضل دعم الحكومة”.
مرت أيام على انتشار هذا التصريح، وما أعقبه من تعليقات مستغرِبة ومستنكِرة، دون أن يصدر أي توضيح أو نفي من الوزيرة، التي تشغل في الوقت نفسه منصب عمدة مدينة مراكش ومنسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
والحال أن المسؤولية تقتضي أن يصدر توضيح من الوزيرة، حتى نعرف ما إذا كان ذلك التصريح قد صدر عنها فعلا أم لا. وإذا كان قد صدر عنها، فهل جاء بالصيغة التي انتشرت بين الناس، أم بصيغة أخرى لا تؤدي المعنى المتداول؟
إن المسؤول الحكومي ملزم بالتفاعل مع كل ما يجري في القطاع الذي يشرف عليه، ومع كل ما يتعلق بقراراته وتصريحاته، بل وحتى مع ما يُنسب إليه من مواقف أو أقوال. فبما أنه يتولى تدبير شؤون المواطنين، فمن واجبه أن يوضح للرأي العام ما يثار حول تصريحاته ومواقفه، وأن يصحح ما قد يكون متداولا على غير وجهه. ولا يمكن تبرير خلاف ذلك بأي وجه من الوجوه.
وبغض النظر عن مدى التزام الوزيرة اليومي بمهام الوزارة أو مجلس المدينة، من حيث الحضور الفعلي والمتابعة المستمرة والإشراف المباشر، إذ قد يرى البعض أن ذلك يدخل في إطار منهجية العمل التي ترتاح لها وتُرِيحها، أو أنه يظل شأنا داخليا يخصها والفريق المسير، بدعوى أن ما يهم هو النتائج المحققة وليس حضور الوزيرة أو غيابها، فإن العلاقة مع المواطنين لا تقبل الغياب. ففي هذا الجانب، لا يُعذر من يجد نفسه على رأس وزارة ما، لأن عدم التفاعل مع المواطنين يعد من أبرز مظاهر اللا مسؤولية.
وحيث إنه لم يصدر أي نفي أو توضيح من الوزيرة طوال الأيام التي أعقبت انتشار التصريح وتداوله، ولم تستغل كذلك جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب التي انعقدت أمس الاثنين 22 يونيو 2026 لتقديم توضيح مباشر أو غير مباشر، أو الرد على الجدل الذي أثاره التصريح، فإن ما نُسب إليها يُحسَب عليها وتُحاسَب عليه.
إن الأمر هنا لا يتعلق برأي أو بتحليل، وإنما بوقائع مصحوبة بأرقام. وعندما ندخل مجال الأرقام، فلا يجوز أن نصرح بأي شيء أو أن نطلق الكلام على عواهنه. وهنا تكمن أهمية الأرقام وخطورتها في الآن نفسه.
وتزداد خطورة الأرقام عندما تُقَدَّم بوصفها واقعا متحققا، لا بوصفها وعودا قد تتحقق وقد لا تتحقق، كما هو شأن كثير من الوعود التي تُطلق خلال الحملات الانتخابية ثم لا يجد المواطنون لها أثرا بعد ذلك.
إن التصريح الذي نُسب إلى الوزيرة يستعمل أرقاما، ويتحدث عن إنجاز متحقق، ويذكر الزمان. فكلمة “أغلب” تعني أكثر من 50% من الشباب، وتعبير “30 سنة” يحدد السن الأقصى للفئة العمرية المقصودة. غير أن هذه الأرقام بعيدة عن الواقع الذي يعيشه كثير من الشباب الذين يعانون من البطالة وصعوبة الحصول على الشغل، فكيف لهم أن يملكوا دارا؟!
إن الواقع المعيش، الذي لا يخفى على أي مغربي، سواء داخل أسرته أو عائلته أو حيه أو محيطه المهني، لا يستسيغ هذا الادعاء. وهو ما يكشف حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي الذي يعيشه المواطنون. خطاب يقدم صورة منفصلة عن الواقع؛ صورة لا يمكن أن تُرى حتى في الأحلام السعيدة.
ولذلك، كان التصريح المنسوب إلى الوزيرة محط سخرية واسعة. فلم يجد كثير ممن تفاعلوا معه سوى السخرية وسيلة للتعبير عن عدم اقتناعهم بما ورد فيه. ويبدو أن هذا الأسلوب الساخر أصبح، بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين، من أنجع وسائل الرد على مثل هذه التصريحات التي تصدر عن بعض الوزراء والسياسيين، ومن يدور في فلكهم، حين يقدمون صورة عن الواقع لا يجد المواطنون ما يسندها في حياتهم اليومية.
ومادام التصريح المنسوب إلى الوزيرة يستعمل أرقاما، فإن منطق الأرقام هو الأجدر بمناقشته وكشف تهافته، ولا حاجة للدخول في سجال سياسي لم يعد يغري الكثيرين في ظل هذا السوء الذي لحق السياسة في بلادنا.
فإذا اخترنا فقط الفئة التي يتراوح عمرها بين 18 و29 سنة، أمكن تقدير عدد المنتمين إليها، استنادا إلى نتائج آخر إحصاء للسكان والسكنى وبالاعتماد على الهرم العمري وتقديرات البنية السكانية، بما بين 7.5 و8 ملايين مغربي.
وهذا الرقم وحده يفضح ضخامة الادعاء المنسوب إلى الوزيرة؛ إذ إن عدد الشباب بين 18 و29 سنة يُقاس بالملايين. فعندما تقول الوزيرة إن “أغلب” هؤلاء يملكون دارا، فإن الحديث يدور عن أكثر من 3.75 إلى 4 ملايين شاب وشابة. وهذا رقم هائل، ولو كان ذلك صحيحا لكان من أبرز المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية (وحتى النفسية) التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
الأرقام الرسمية المتعلقة ببرنامج الدعم المباشر للسكن تتحدث عن عشرات الآلاف من المستفيدين، وليس عن الملايين التي يفترضها منطق “أغلب الشباب”. فمنذ انطلاق البرنامج، قبل أكثر من سنتين، يتم الإعلان بشكل دوري عن عدد المستفيدين، وقد بلغ في آخر التحديثات 105 ألف مستفيد. وهذا الرقم يهم جميع المستفيدين من مختلف الفئات، وليس فئة الشباب وحدها، التي يشكل المستفيدون منها جزءا من هذا الرقم.
وإذا قورنت هذه الأرقام بما ورد في التصريح المنسوب إلى الوزيرة، يتبين أن ما جاء فيه ادعاءات غير صحيحة يمكن أن تندرج ضمن “الأخبار الزائفة”. وإذا كانت الأخبار الزائفة تكتسي خطورة، فإن صدور معلومات غير صحيحة عن مسؤولين حكوميين يكتسي خطورة أكبر، بالنظر إلى آثارها السلبية على السياسة وإثارتها للرأي العام.
إن التصريح المنسوب إلى الوزيرة يوحي بأنه يقدم معلومة معززة برقم (30)، وبألفاظ تُستعمل عادة للقياس أو التعميم مثل “أغلب” و”أقل”. لكنه، عند التدقيق، لا يقدم شيئا دقيقا.
فعبارة “أقل من 30 سنة” تبدو في ظاهرها رقما دقيقا، لكنها في الواقع تضع فقط حدا أعلى للفئة دون أن تحدد حدا أدنى واضحا، مما يترك نطاقها مفتوحا بين مختلف الأعمار دون تحديد دقيق للفئة المقصودة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن كاتب الدولة لدى الوزيرة المكلف بالإسكان، حين قدم قبل أسابيع معطيات أمام مجلس المستشارين حول برنامج الدعم المباشر للسكن وأعداد المستفيدين وفئاتهم، ومن ضمنهم الشباب، قدّم تعريفا لهذه الفئة باعتبارها من تقل أعمارهم عن 40 سنة، وليس 30 سنة. وهو ما يبرز عدم وجود تحديد موحد للفئة العمرية المعنية بمفهوم “الشباب” داخل نفس الوزارة.
أما كلمة “أغلب”، التي تعني في الاستعمال الإحصائي ما يزيد على النصف، فإنها هنا لا تقدم نسبة محددة، ولا تتيح إمكانية التحقق من درجة هذا “الأغلب”: هل هي 51% أم 70% أم أكثر. وإذا كانت تُستعمل في الخطاب العام بوصفها أداة للتعميم أكثر منها أداة للتحديد الدقيق، فهي في سياق استعمالها هنا تتحول إلى أداء وظيفة دعائية؛ إذ تمنح لمن يستعملها مساحة واسعة للمناورة.
إن تصريح الوزيرة يريد أن يترك لدى المتلقي انطباعا بتحقيق إنجاز ضخم، لكنه في المحصلة لا يقدم أي شيء ملموس، فينتهي إلى نتيجة معاكسة لِما كانت تسعى إليه صاحبته. وهذا ما يمكن رصده من خلال ردود الفعل التي أعقبته.
في سياق ردود الفعل التي أعقبت هذا التصريح، نشرت الصديقة الأستاذة لطيفة البوحسيني على صفحتها على فيسبوك تعليقا على ما نُسب إلى الوزيرة، وتفاعلتُ معه بهذا التعليق، مستنجدا بشيء من السخرية:
“حتى لا نسيء الظن بها وبعقلها، يبدو أن المسكينة نسيت حرف السين (سـ) الذي يدخل على الفعل المضارع ليدل على الاستقبال، وعلى أن الحدث سيقع في المستقبل. فهي تريد (سيملكون) وليس (يملكون). وتجدر الإشارة إلى إن هذا الحرف يُسمّى أيضا عند النحاة “حرف التنفيس”. لعلها تريد أن تُنَفِّس عن الشباب، وتطمئنهم بأن “الخير أمام”. فلا حاجة لأن يقلقوا على ما فات، فما لم يتحقق فيما مضى سيتحقق فيما يأتي. وهذا وحده إنجاز عظيم، لأنه يتجه إلى المستقبل ويؤمن بالمستقل”.
ولذلك، ورغم كل ذلك، يجب ألا نُسِيء الظن بالوزيرة. فما أحوج شبابنا إلى هذا القدر من “التنفيس” لعله يحميهم من “التيئيس”، ويجعلهم يواصلون الإيمان بالمستقبل… حتى إشعار آخر.
أدخلت المغنية الأنغولية بونغو، مساء الاثنين، جمهور منصة بورقراق بالرباط، في أجواء راقصة مفتوحة على…
اعتبر الكاتب العام للجمعية المغربية لمحاربة الرشوة- ترانسبرانسي المغرب، أحمد البرنوصي، أن المغرب يشهد خلال…
بقلم: عمر لبشيريت مع كل مناسبة رياضية كبرى، مثل منافسات كأس العالم الجارية حاليا، يتكرر…
انطلقت صباح اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، أشغال اللقاء العربي الأول حول "أثر وسائل التواصل…
عاشت مدينة مونتريال، طيلة أمس الإثنين، على وقع حادث إطلاق نار خطير في حي كوت…
عقد المغرب والهند، الاثنين في نيودلهي، الاجتماع الثاني لمجموعة العمل المشتركة حول مكافحة الإرهاب. في…
This website uses cookies.