بقلم: صبحي بوديح*
يتحدث بعض “المتتبعين”، بعد سماع كلمة المعتقل ناصر الزفزافي، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن ناصر الزفزافي كان يحمل خطابًا وحدويًا ينتصر لكل الوطن وليس للريف وحده. مع أن هذا بالضبط هو جوهر الحراك منذ بدايته: المطالبة بالكرامة والعدالة المجالية والمصالحة التاريخية مع الريف في إطار الوحدة في التنوع، لا خارجها… يبدو إذن أن البعض كان بحاجة لنظارات مكبرة حتى يرى ما كان يطالب به خيرة شباب الوطن.
على هؤلاء أن يدركوا أن الريف ليس مجرد جغرافيا جبلية قاسية، بل ذاكرة مثقلة بتاريخ من المقاومة والخذلان. فمنذ مواجهة الاستعمار إلى الانتفاضات المتكررة في 1958 / 1959/1984/ 2010/2017، ظلّت المنطقة ترمز إلى نزوع دائم للحرية يقابله توتر مزمن مع السلطة المركزية، وكأنها تعيش بين خيارين: أن تكون صوتًا لا يُسمع أو صرخة لا تُخمد.كما أن وعي الريف بثقله التاريخي لا يتناقض مع إيمانه العميق بالوحدة الوطنية للمغرب، بل يعززها من خلال الإصرار على أن تكون هذه الوحدة مبنية على الاعتراف المتبادل والعدالة والكرامة.
فالمقاومة التي خاضها أبناؤه ضد الاستعمار لم تكن مشروع انفصال، بل دفاعًا عن السيادة. والاحتجاجات التي شهدتها المنطقة لم تكن رفضًا للوطن، بل مطالبة بوطن أكثر إنصافًا واحتضانًا لكل أبنائه.
نعم، الريفيون مغاربة أحبّوا المغرب بصدق، بحب ممتزج بمرارة التاريخ وثقله، وبوفاء للأرض والجذور. حبّهم لم يكن شعارات جوفاء، بل كان تضحيات، صمودا في وجه الاستعمار، ودفاعا عن وحدة الوطن رغم الجراح. الريف لم يكن يوما غريبا عن المغرب، بل كان قلبه المتمرّد، يذكّره دائمًا أن حب الوطن لا يعني الصمت عن الظلم، بل الإصرار على عدالة أوسع وكرامة أعمق.
قبل انطلاق مراسيم دفن والده، السي أحمد الزفزافي رحمه الله، خطب السيد ناصر الزفزافي المحكوم بعشرين سنة ظلما، في جموع المعزين الذين حجوا بالآلاف من فوق سطح منزله، بكلمة صادرة من قلب مبادئ حراك الريف. ولم تكن كلمة تستوجبها لا اللحظة التاريخية أو السياسية، مؤكدًا فيها على أن :”الوطن واحد والريف جزء لا يتجزأ منه… “. هذه الرسالة لم تكن مجرد كلمات تعزية، بل تعبير سياسي جوهري عن فلسفة حراك الريف الذي تأسس بعد مأساة محسن فكري. حيث تجمعت المطالب الاجتماعية والاقتصادية تحت شعار الوحدة الوطنية والعدالة، مؤكدًا أن الدفاع عن الريف لا يتناقض مع الدفاع عن الوطن، بل هو جزء من بنائه السياسي والاجتماعي.
سنحتاج أيضا إلى الرجوع إلى مداخلات أحمد الزفزافي رحمه الله والد ناصر الزفزافي، والتي كثيرًا ما كان يستحضر في لقاءاته وأحاديثه التاريخ السياسي للريف وعلاقته بالسلطة المركزية. ومن بين ما ذكره فعلا في إحدى الندوات الصحفية ،هو موقف الريفيين من تنصيب ابن عرفة سلطانًا صوريًا سنة 1953 بعد نفي محمد بن يوسف (محمد الخامس).في ذلك السياق شدّد على أن الريف كان المنطقة الوحيدة تقريبًا التي رفضت الاعتراف بابن عرفة، واعتبره “سلطانًا مفروضًا من المستعمر”، بينما بقي الريفيون أوفياء للشرعية الوطنية الممثلة في محمد بن يوسف. وهو يستعمل هذا الاستشهاد للتأكيد على أن الريف لم يخن يومًا الهوية الوطنية ولا فكرة الوحدة، حتى في أشد لحظات التوتر مع الدولة المركزية.
خلال أوج احتجاجات حراك الريف، حاولت بعض الأحزاب، التي تفتقد لأي امتداد جماهيري، أن تتجند تحت الطلب، طبعا، لاتهام الحراك بالانفصال، محاولة التلاعب بمواقفه خدمة لمصالح المحرجين من فشل السياسات التنموية ومسلسل المصالحة. هذا، لأن نخب المغرب لم تعد تنجب رجال دولة قادرين على فهم نبض المجتمع، بل أفرزت مقاولين سياسيين يهرولون وراء أي أزمة لتحقيق مكاسب شخصية. وفي المقابل، بقي حراك الريف بعيدًا عن أي شعارات انفصالية، لأنه كان حراكًا اجتماعيًا وحقوقيًا بامتياز، يسعى إلى أجرأة العدالة المجالية في كل المناطق، مؤكدًا أن المطالب الاجتماعية والحقوقية لا يمكن فصلها عن بناء وطن ينصف تاريخ مواطنيه وكرامتهم وحقوقهم،ويضمن لهم الأمنين الاجتماعي والسياسي. والجميع يتذكر ردّ حراك الريف، الذي أدهش العالم بأسره، على محاولات تشويهه بمسيرة مليونية سلمية جابت شوارع الحسيمة لستة ساعات، حضرها شرفاء الوطن من كل مدشر وزقاق ومدينة وقرية من مغربنا الواحد والأوحد، ومن مختلف التضاريس: السهل والسفح والجبل والصحراء، لتؤكد قبل أن يؤكد الريفيون أن الحراك ومصداقية مطالبه وشرعيتها وواقعيتها وإمكانية تحققها. ولعلّ من شاركوا يتذكرون لافتة ضخمة بطول عشرين مترًا وُضعت بقمة جبل يطل على الحسيمة، كأنها صرخة معلّقة على جبال المنطقة كتب عليها: “لسنا انفصاليين”. هذه اللحظة تجسد بوضوح الطابع الوطني للحراك، الذي كان مطالبًا بالعدالة الاجتماعية والحقوقية، وليس بالتمرد على وحدة الوطن.
وأخيرا، لا أكتب أو أدافع عن هذه الأفكار لأتماهى مع موقف معيّن أو قراءة متماهية مع طرف ما اتجاه الحراك، بل لأنني ابن هذا الحراك، وأحمل هذا الذي قام عليه من كرامة وعدالة وحرية. وكل كلمة عن الحراك هي بمثابة واقعة تاريخية أمتدّت من الحسيمة إلى كل زاوية من الوطن، وكل فكرة فيه لا تزال تتنفس في وجدان من يحبون هذا الوطن فعلا، التي شهدت نفس صرخات ومطالب حراك الريف.
*فاعل حقوقي
يتواصل الجدل حول تدبير جمعية الأعمال الاجتماعية التابعة لقطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، في…
صادق مجلس الحكومة، اليوم الخميس، على ثلاثة مشاريع نصوص قانونية وتنظيمية تهم حقوق المؤلف والحقوق…
افتتح بفاس معرض الحرفيين بفاس، تحت عنوان “ساحة الصناعة التقليدية”، ليضع مهارات المعلمين والصناع التقليديين…
على خلفية الأخبار المتداولة حول رفض المستشارين التوقيع على ملتمس لتشكيل لجنة تقصي الحقائق حول…
انطلقت، اليوم الخميس، اختبارات الدورة العادية من امتحان البكالوريا 2026 بمختلف عمالات وأقاليم المملكة، بمشاركة…
من أمام ثانوية مولاي يوسف بالعاصمة الرباط، بدا واضحا أن شهادة البكالوريا ما تزال تحتفظ…
This website uses cookies.