تتكرر زيارات الوزراء والمسؤولين للمؤسسات العمومية تحت شعار “الزيارات التفقدية”، التي عادة ما تتهيأ لها الطرقات، وتُلمع الكاميرات بشكل يجعل كل شيء يبدو مرتبا ونظيفا، إلا أن الزيارة المفاجئة لوزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، مساء الخميس 18 شتنبر 2025 إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس بمكناس، اكتست طابعا خاصا، بعدما التقطت الكاميرات صورة للوزير وهو يضع يده على أنفه، في مشهد رمزي يعكس، وفق متابعين، الوضع الفعلي للمستشفى بعيدا عن أي تجهيزات مسبقة أو تحضيرات إعلامية.
العلمي الحروني، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، قال إن الصورة لم تكن مجرد لقطة طريفة، بل كشفت الواقع “المزري” لمستشفياتنا العمومية، فقد واجه الوزير ما يعيشه المواطن يوميًا: نقص النظافة، وضعف الصيانة وطول مدة الانتظار، وهي مظاهر تشير إلى “إهمال هيكلي متراكم”، وأضاف أن حركة التهراوي، كرد فعل عفوي على رائحة كريهة، اختصرت معاناة عميقة يعيشها نزلاء المستشفيات، وهو ما يفوق قدرة التقارير الرسمية على نقل التأثير ذاته.
وأوضح الحروني، في تصريح لـ”سفيركم”، أن وضع الوزير ليده على أنفه أمام عدسات الكاميرا يشكل اعترافا ضمنيا بحجم التدهور الذي يعاني منه القطاع، وهو واقع يعيشه المواطن العادي الذي لا يستطيع التعبير عن معاناته، فالعديد من المستشفيات أصبحت “أماكن للانتظار والموت البطيء أكثر من كونها فضاءات للعلاج والشفاء”، وهو ما يوضح، وفق تعبيره، الصدمة والخجل التي يشعر بها المواطن العادي الذي يضطر لولوج صعب للمستشفى العمومي، في مقابل الطبقة البورجوازية التي تنعم بخدمات القطاع الخاص.
وأضاف الحروني أن المستشفيات العمومية المغربية لا تعاني فقط من قلة الموارد، بل من غياب رؤية إصلاحية حقيقية، وانتشار الفساد، وغياب المراقبة في قطاع الصحة والحماية الاجتماعية، الذي خصصت له 31 مليار درهم في موازنة 2024، هذا الواقع “يثير تساؤلات حول مسؤولية الوزير: هل تقتصر ردة فعله على الانفعال أم تتعدى ذلك إلى الإصلاح”؟ مشددًا على أن المواطنين ينتظرون الجرأة في اتخاذ القرار وليس مجرد ردود فعل عاطفية.
وغير بعيد عن ذلك، أشار المتحدث نفسه إلى أن الصورة تجسد مقولة جورج أورويل: “في زمن الخداع العالمي، يكون قول الحقيقة عملًا ثوريًا”، معتبرًا أن هذه اللقطة قد تشكل فرصة للمعارضة السياسية لاستثمار الرموز المماثلة لتسليط الضوء على الأزمة، وتعزيز دورها كصوت للمظلومين، مع دور محوري للتنسيقيات المواطنة في الضغط على الحكومة لتحقيق مطالب شعبية واضحة وشفافة، وإثارة النقاش العام حول الإهمال المزمن في المستشفيات.
وأوضح الحروني أن سياسة “الزيارات التفقدية تبدو ذر رماد في العيون”، ومحاولة لإسكات احتجاجات المواطنين، كما حصل في مدينة أكادير، مشيرًا إلى أن المشكلة تكمن في أن الوزير قد يكون إما جاهلًا بالواقع، وهو أمر مؤسف، أو يعلم به ويختار الصمت، وهو الأكثر خطورة، ولهذا، “على المسؤولين تحمل نتائج العجز البنيوي، وربما الاستقالة، بدل الاكتفاء بـزيارات تفقدية موسمية بلا جدوى”، متسائلا عن دور مديريات المستشفيات والمفتشية العامة في متابعة الأداء والمساءلة.
وفيما يخص الحلول، أكد الحروني على ضرورة إصلاح شامل سياسي ودستوري جذري، يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويُفعّل مبدأ “ربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة”، مشيرًا إلى أن استقالة أو إقالة وزير الصحة تُعد خطوة أولى لإعطاء المثل للآخرين، شرط توافر إرادة سياسية حقيقية لتغيير الأوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية المتدهورة.
واختتم الحروني بالتأكيد على أن الإصلاح لا يقتصر على الجانب المؤسسي، بل يشمل تعزيز القيم الإنسانية والمواطنة والانتماء الوطني، وإعطاء المسؤولين المثال الأعلى في التضامن، مشددًا على أن بناء الإنسان المواطن وتطوير المنظومة التعليمية، خاصة في كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، يمثل ركيزة أساسية، مع ضرورة تحفيز الطاقم الطبي وتحسين ظروف عمله، معتبرًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان واحترام كرامته، وهو الأساس لأي تحسين مستدام في قطاع الصحة.

