أعمدة رأي

سال دمهم من أجل المغرب… فمتى نحاسب من يبددون أحلامه؟

بقلم: يدير اكيندي (أستاذ العلوم الاقتصادية والاجتماعية مستشار في التنمية الشاملة والاعاقة)

ما إن انتهت مواجهة المنتخب المغربي أمام فرنسا في نهائيات كأس العالم 2026 حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالغضب والانتقادات والاتهامات. وفي غضون ساعات قليلة تحول بعض لاعبي المنتخب من أبطال حملوا أحلام المغاربة على أكتافهم إلى متهمين في محكمة شعبية لا تعترف لا بالسياق ولا بالإنجازات ولا بحجم التضحيات.

وكأن ذاكرة البعض لا تتسع إلا لنتيجة مباراة، وتضيق عن استحضار سنوات من العطاء والبذل والتضحيات. وكأنهم نسوا أن هؤلاء اللاعبين أنفسهم هم من رفعوا راية المغرب عالياً بين كبار العالم، ومن جعلوا ملايين المغاربة يشعرون بالفخر والانتماء والاعتزاز. نسوا أن بعضهم غادر الملاعب مصاباً، وأن بعضهم سال دمه فوق العشب الأخضر، وأن آخرين قاوموا الألم والإرهاق حتى اللحظة الأخيرة، رافضين الاستسلام أو الانسحاب، لأنهم كانوا يدافعون عن اسم وطن لا عن نادٍ أو عقد احتراف.

لقد لعب أسود الأطلس بشراسة المحاربين لا براحة الموظفين. قاتلوا في كل كرة، وواجهوا أقوى المنتخبات العالمية بعزيمة وإصرار، واستنزفوا كل ما يملكون من جهد بدني وذهني دفاعاً عن القميص الوطني. ولذلك فإن من حق الجماهير أن تحزن وأن تنتقد، لكن ليس من حق أحد أن يمارس الجحود أو أن يمحو بقرار انفعالي كل ما قدمه هؤلاء اللاعبون للمغرب.

غير أن ما يثير الاستغراب حقاً ليس قسوة الانتقادات الموجهة للاعبين فقط، بل ذلك التناقض الصارخ في معايير المحاسبة داخل مجتمعنا. فاللاعب الذي يخطئ تمريرة أو يضيع فرصة يجد نفسه تحت مجهر ملايين المواطنين، بينما يفلت من المحاسبة في كثير من الأحيان سياسيون ومنتخبون ومسؤولون إداريون تسبب أخطاؤهم وتقصيرهم في إهدار فرص التنمية وتعطيل مصالح المواطنين وإضعاف الثقة في المؤسسات.

هنا تكمن المفارقة المؤلمة: نحن نغضب بشدة من خسارة مباراة، لكننا لا نغضب بالقدر نفسه من تعثر المدرسة العمومية، ومن أعطاب المنظومة الصحية، ومن البطالة، ومن الفوارق الاجتماعية، ومن الفساد الذي يلتهم جزءاً من ثروات الوطن ويقوض فرص التقدم. ونحن نسارع إلى محاكمة لاعب قاتل حتى آخر دقيقة، لكننا نتسامح أحياناً مع مسؤول لم يؤد الأمانة التي ائتمنه عليها المواطنون.

وفي الوقت الذي يخضع فيه اللاعبون لتقييم يومي صارم أمام الرأي العام، نجد أن بعض المسؤولين المنتخبين والمعينين لا يؤدون واجبهم بالجدية والكفاءة والنزاهة المطلوبة، بل إن بعضهم يحول المسؤولية العمومية إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة وتوسيع دوائر النفوذ والامتيازات. والأسوأ من ذلك أن هناك من يقايض المواطنين على حقوقهم وخدماتهم الإدارية، في ممارسات تتنافى مع روح الدستور ومبادئ دولة الحق والقانون. ولعل استمرار الرشوة والفساد، كما تؤكد العديد من التقارير الوطنية والدولية، دليل على أن معركة تخليق الحياة العامة لم تحسم بعد، وأن جزءاً من أزمة الثقة التي يعيشها المواطنون يجد تفسيره في هذه الممارسات التي تسيء إلى المؤسسات وإلى صورة الخدمة العمومية.

لقد أكد جلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب أن المصلحة العامة يجب أن تكون فوق كل اعتبار، وأن المسؤولية ليست تشريفاً بل تكليف، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة هو أساس الحكامة الجيدة. ولذلك فإن المجتمع الذي يحاسب لاعباً على هزيمة رياضية، ولا يحاسب بالصرامة نفسها من يبدد المال العام أو يخلف وعوده أو يسيء تدبير الشأن العام، إنما يختل لديه سلم الأولويات.

فالمنتخب الوطني قد يخسر مباراة بعد أن يقدم كل ما لديه، لكن الوطن يخسر كثيراً عندما يغيب الإحساس بالمسؤولية، وعندما تتراجع الثقة في المؤسسات، وعندما يصبح الفساد وسوء التدبير أمراً عادياً لا يثير الغضب نفسه الذي تثيره هزيمة رياضية.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ربما آن الأوان لتحويل غضبنا من المدرجات إلى وعي مواطني، ومن الانفعال العاطفي إلى مساءلة ديمقراطية حقيقية، ومن ثقافة جلد اللاعبين إلى ثقافة محاسبة كل من يتحمل مسؤولية في تدبير شؤون الوطن.

فالأوطان لا تبنى بالانتصارات الرياضية وحدها، بل تبنى أيضاً بالنزاهة والكفاءة والثقة والمحاسبة. أما أسود الأطلس، فمهما كانت نتيجة المنافسة، فقد أدوا واجبهم وقاتلوا بشرف. ويبقى السؤال الحقيقي: هل يؤدي الجميع واجبهم تجاه المغرب بالروح نفسها التي قاتل بها هؤلاء اللاعبون؟

 

 

Shortened URL
https://safircom.com/c248
سفيركم

Recent Posts

الهجرة السرية.. البحرية المغربية تُفشل محاولة اقتحام جماعية لسبتة المحتلة

أفشلت وحدات البحرية الملكية، في الساعات الأولى من صباح الأحد، محاولة للهجرة غير النظامية عبر…

36 دقيقة ago

عائلة المنوزي تجدد مطالبتها بكشف مصير أبنائها واسترجاع رفاتهم بعد أكثر من نصف قرن

جددت عائلة المنوزي مطالبتها بالكشف عن مصير أفراد من العائلة قضوا أو اختفوا خلال ما…

ساعتين ago

مهرجان المسرح البدوي بإفران يستعيد ذاكرته الفنية

تستقبل مدينة إفران، بين 15 و19 يوليوز الجاري، الدورة الخامسة والأربعين من مهرجان المسرح البدوي،…

3 ساعات ago

من برشيد.. بنسعيد يراهن على تصدّر مرشحتين بجهة البيضاء ويقطر الشمع على “بركة”

جدد حزب الأصالة والمعاصرة، يوم أمس السبت 11 يوليوز 206، ببرشيد، رهانه  على منتخبيه بجهة…

3 ساعات ago

استراتيجية المغرب للماء تحظى بإشادة خبراء ألمان

حظيت استراتيجية المغرب لمواجهة الإجهاد المائي بإشادة خبراء ألمان، خلال لقاء نظم السبت بمدينة فرانكفورت.…

4 ساعات ago

بحضور أربع وزراء.. بهذه المواضيع ينهي مجلس النواب عمر الولاية الحالية

يُنتظر أن يختم  مجلس النواب الدورة الثانية للسنة التشريعية الأخيرة من الولاية الحالية، يوم الإثنين 13…

5 ساعات ago

This website uses cookies.